المرأة و الأسرة

تعريب اللسان إنما ينهض به الوالدان قبل المعلم في الميدان

أ. / أمال السائحي/

 

لقد تبوأت اللغة العربية مقعداً سامياً بين لغات العالم، وذلك لما لها من خصائص ومميزات جمالية تفوقت بها على أقرانها من سائر اللغات الأخرى… قد تأتي علينا أوقات تذكرنا بأمور نكون أحيانا قد غفلنا عنها، أو لم نكن نولي لها الأهمية التي تستحقها، وأنا أقصد هنا لغتنا العربية التي لم نعط لها قيمتها الحقيقية في تعاملاتنا، سواء في بيوتنا، أو مع أطفالنا، أو في مدارسنا وفي محيطنا ككل.
إن من واجبنا أن نمكن للغة العربية، فهي اللغة الأصيلة، لغة القرآن الكريم، لغة البلاغة والبيان، فمن الضروري تعليمها بطريقة سليمة، مما يجعل هذا الجيل يعتز بها ويفتخر، ويحافظ عليها ويعض عليها بالنواجذ، ومن الضروري العمل على تمكينها من تجاوز ما يعترضها من صعوبات.
وبطبيعة الحال قد تكون المسؤولية الأولى والأخيرة ملقاة على عاتق الأم في تلقينها لأطفالها، والسير معهم خطوة خطوة، والاحتفاء بها يوما بيوم في البيت، وذلك بتعليم أبجديتها لأطفالها، ومساعدتهم على اكتشاف ثرائها وتذوق جمالها، مع كل حرف من حروفها الغناء، لأن الأم هي الأستاذة الأولى التي يتعلم الطفل من شفتيها أول حروف الهجاء، فإما أن يحب لغته ويحترمها، وإما أن يحتقرها ولا يعطي لها اهتماما البتة.
من الجميل أن تضع الأم نصب عينيها أنها مثلما تمشي مع ابنها خطوة خطوة في تربيته في أكله، في نومه، عليها أن تكون كذلك في طريقة تعليمه لغة الضاد.
من المؤسف جدا ما نراه اليوم، من أمهات كُثريات، وهن يحاولن أن يجعلن من أولادهن كما يزعمون أكثر تحضرا مع عالمهم، فتراهن يلقنونهم لغات أجنبية، فيجعلن لغة الضاد هي أحقر لغة في مخيلتهم… وكأن هذه الأم تجهل أن اللغة العربية التي يتحدث بها الملايين من الأشخاص، هي اللغة التي نزل بها القرآن، وهي أغنى لغة من حيث المفردات، والتنوع بفنون اللفظ، وهي لغة المعاني ولغة الإعراب، التي تعبر عن كل شيء، وأنها اللغة الأكثر قدرة على مسايرة التطور العلمي والتكنولوجي، فلابد للأسرة وللأم بالأخص، أن تكون يقظة وأن تضع نصب عينيها أهمية دورها في الحفاظ على هذه اللغة الحية الجميلة، وذلك بحرصها على أن تكون هي لغة التحاور في البيت لا سواها، وبجعل أولادها يجتهدون في تعلمها في المدرسة والجامعة… فلو صدقت جهودنا في البيت وفي المدرسة والمؤسسة في خدمة العربية والتمكين لها، لما وجدنا من بين أظهرنا اليوم، من يرميها بالضعف، ويدعو إلى استبدالها بغيرها..
إن سعادتنا تكمن في الانجازات التي نحققها لهذه اللغة، بحيث تغدو هي الأداة الأهم، للتفكير، والتعبير، والتسيير لا عندنا فحسب، بل في كل بلاد الله، فهي ليست أقل شأنا من الإنجليزية، وهي أسمى من الفرنسية بكثير.
وكلمة أخيرة لكل متألم وغيور على هذه اللغة: عضوا عليها بالنواجذ، واجعلوا من اللغة العربية لغة البيت والشارع، واللغة الأساسية في المناهج التربوية، كبارا وصغارا، لاشك أن هناك من العامة أو من المتعلمين الحائزين على شهادات جامعية، يظنون أن إدراك ذلك بعيد المنال، أو أنهم لا يستطيعون ولا أولادهم الوصول إلى التحدث بها بطلاقة، فإن صدقت النوايا، وصحت العزائم، فإن ذلك ميسور، وما هو بالمطلب العسير، ولا هو بالبعيد المنال أو المستحيل، فالمقبل على تعلمها سواء لنفسه أو لتمكين أولاده أو جيل بأكمله، من التمرس باستعمالها في تعاملاته اليومية يمكنه إذا صحت نيته، وبذل الجهد المطلوب، أن يحقق مبتغاه، ويقطف في النهاية ثمرة سعيه وإصراره، بل ويمكنه أن يجعل الأجيال تتوارثها، ويحرر بذلك نفسه وولده وبني وطنه، ويكسر قيد التبعية للأجنبي، فيفوز بثواب الدنيا والآخرة.

اظهر المزيد
شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com