المرأة و الأسرة

كيــف نغرس في أبنائنا ثقافــــة القناعــــة؟

أ‌. آمنة فداني/

الكثير من الفضائل الحميدة حرفت عن مواضعها وفهمت على غير وجهها الصحيح، فتصويب الخطأ عن دراية من صاحبه يدرك أنه سيحصل على ما يريد في النهاية، فاذا كنا ننتقد أنفسنا من السلوكات غير الصحية بطرق مختلفة فذلك لأننا أقوياء من جهة، وخوفا على مستقبل أبنائنا من جهة ثانية، فالكثير من التصرفات غير السوية في عادات أطفالنا يعود في جزء منها إلى قلة الاعتناء بالمسؤوليات والمتابعة الجيدة داخل الأسرة إما عن تقصير،عن سوء تقدير، وعن سوء تدبير أو استهتار، وقلة تفكير ونقص في تقييم النعمة وغيرها، الخصال الخلقية تنظيم وإعادة تنظيم، حذف وتغيير، فكل ما هو غير أخلاقي يحتاج إلى مراجعة ليصير صوابا وواجبا، ندافع من خلال هذا عن حياتنا ونحافظ عليها بكل خلق جميل فيها، نغرسه في أبنائنا الذين يكونون خلفاءنا من بعدنا.
القناعة هي غنى النفس وتعففها الذي يجعلها بعيدة عن سؤال الغير، فالجشع الدائم يولد الكثير من المشاكل النفسية، فهي من أهم مرتكزات الراحة والاطمئنان في حياة الفرد قال تعالى: {… فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً…}[النحل:97].
الثقافة المتقدمة هي ثقافة الوعي، من خلال منهج الأسوة والاقتداء في التنشئة من الصغر يتعود الطفل على العطاء والإيثار ليصبح برعما قنوعا يحب كل ماله علاقة بأعمال البر، فعندما ترفع الأسرة لواء التصويب والتصحيح فإنها تكون قد أدركت الأفق من أجل أبناء الحاضر وأجيال المستقبل.
قال الإمام الشافعي رحمه الله:
العبد حر إن قنع  والحر عبد إن طمع
فاقنع ولا تطمع فما  شيء يشين سوى الطمع
ما أعظم الإيمان وآثاره الإيجابية في بناء الأفراد والمجتمعات. العلاج يبدأ من القمة داخل الأسرة، فالأولياء إذا كانوا غير قانعين فكيف يرَبوا أبناءهم عليها، فالكمال في كل شيء ينافي القناعة، فهذه الأخيرة تكتسب إما إيجابا أو سلبا، فضائل وآثار، الفضائل تكتسب من خلالها محبة الله عز وجل ورضاه، نيل البركة في كل شيء، سبب الفلاح في الدنيا والآخرة، تمتاز بالهدوء والسكينة حتى ولو أصابك مكروه، تجد مكانة محترمة بين الناس، أما آثارها فهي عدم القدرة على السيطرة على النفس، ودوام اللهف والتعود على الطمع والجشع، وأكل مال الغير، وضعف الإيمان والبعد عن الآخرة، قتل القيم الخلقية، وفقدان الاحترام والمصداقية بين الناس، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((قد أفلح من أسلم ورزق كفافا وقنعه الله بما أتاه)) رواه مسلم.
لذا لابد من تعليم الأبناء بالتدرج في السنوات الأولى، فكلما بدأ التوجيه والمتابعة مبكرا قلل من الظاهرة وكانت الثمرات أحسن.
• عدم الإسراف العشوائي في تسيير ميزانية البيت وإرهاقها، خاصة إذا كانت ميزانية أسرة متوسطة الدخل، فالتعاون بين الزوجين كما يكون في تربية الأبناء وتوجيههم، يكون أيضا في الاقتصاد في المعيشة، والعمل على الادخار بالقدر المستطاع، فلنبرمج حياتنا وفق ما رزقنا الله تعالى وذلك بترتيب الأولويات مع تخصيص مبلغ من المال لمساعدة المحتاجين فهي سنة الأولين.
• لا تترك الأبناء يفعلون ما يشاءون، بحيث يمارسون مطامعهم دون قيد أو شرط، إلا إذا كانت الحياة على ما يشتهون فقد يصبح سلوكا أقرب للعادة، فالعين إذا فتح لها المجال لا تشكر الله .
• لا تلبِّ جميع رغبات الأبناء فهي عبارة عن تثبيت مفاهيم خاطئة، فزرع القناعة فيهم ضروري، واجعلهم يتعلمون كيف يستطيعون أن يمتازوا بالتفوق والنجاح وليس بما يملكون من ماديات، والإنسان ليس بما يملك قال المفكر مالك بن نبي رحمة الله عليه: ((قد تكون فكرة ما صالحة وليست صحيحة، وقد تكون فكرة صحيحة وفقدت في الطريق صلاحياتها لأية أسباب))[مشكلة الحضارة مجالس دمشق مالك بن نبي].
• عدم إغراق الأبناء بالهدايا بسبب أو بدونه، مع التقليل من شراء أشياء وهي في الأصل يملكونها، واجعلهم يكونون سعداء وراضين بها، لأنهم يستطيعون أن يعيشوا براحة بدونها.
• القناعة شيء والطموح شيء آخر، فهذا الأخير واجب ومشروع في حياة الشخص من خلال الاستزادة من العلم والاجتهاد والتقرب أكثر إلى المولى تبارك وتعالى بكل ما يرضيه وهو القائل:{… وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ}[المطففين:26].

اظهر المزيد
شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com