مساهمات

الوشايـــــــــة

أ. محمّد بومشرة/

 

قال الله تعالى:﴿هَمَّازٍ مَّشَّاء بِنَمِيمٍ﴾ . إنّ العملية التي يقوم بها الإنسان كتبليغه عن فلان آخر ليؤذيه فهي الوشاية النّابعة من الحسد وقلّة الأدب، وتُسمّى نميمةً.
يقوم الواشي بالسّعي بين من له أعلى رتبة، والقدرة على السّماع والتّحرّك سَلبيا أو إيجابيا، ومن هو دون ذلك، وقليلا ما يكون العكس. وهي خلق ذميم وسلوك مشين، وظلم للعباد مهما كانت ديانتُهم، وليس لها عُمرٌ. كما هي نوعٌ من القيل والقال التي حذّرنا منه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «وَيَكْرَهُ لَكُمْ: قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةَ الْمَالِ».
فالإنسان الواشي ضعيف الشّخصية، وقد يكون عديمَ الشّخصية حين يقوم بهذا العمل المشين باستمرار، وفي الوقت نفسه يكون غيره قوي الشّخصية، فالضّعيف شغله الشّاغل التّبليغ ليتقرّب ويزداد طمعا فهي الوشاية، أمّا القوي فيبلّغ ليكشف عن الفساد والمفسدين، وهو ليس بالواشي كما هو معلوم عند الوُشاة الذين أطلقوها على المصلح ليقلّلوا من شأنه ويقلّلوا من الإصلاح، وليعمّ الفساد: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَٰكِن لَّا يَشْعُرُونَ﴾.
وكان اليهود قديما يقومون بهذه الجريمة، وهي الوشاية للحاكم ليقضوا على من خالفهم ويخلوا لهم الجو. وهذا من عاداتهم القبيحة عبر الزّمان، كما يفعلون اليوم مع أمريكا يبلّغونها بكلّ صغيرة وكبيرة بما يحدث في العالم الإسلامي على لسان بعض ملوكها وأمرائها وعملائها، ألا ساء ما يفعلون.
جاء في كتاب «مختار الصّحاح» عن كلمة و ش ي (الشِّيَةُ) كل لون يخالف معظم لون الفرس وغيره والجمع (شِيات) وقوله تعالى: ﴿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ ذَلُولٌ تُثِيرُ الأَرْضَ وَلاَ تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لاَّ شِيَةَ فِيهَا قَالُواْ الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ﴾. أي ليس فيها لون يخالف سائر لونها.
ويقال (وَشَى) الثّوبَ يشيه (وَشْيًا) و(شِيَةً) و(وَشَّاهُ تَوْشِيَةً) شُدّد للكثرة فهو (مَوْشِيٌّ) و(مُوَشِّيٌ) و(الوَشْيُ) من الثّياب معروف، ويقال (وَشَى) كلامه أي كذَب، ووَشَى به إلى السّلطان (وِشَايَة) أي سعى.
كم من عائلاتٍ وأقاربَ تشتّتوا بسبب الوشاية الباطلة، وكم من موظَّف عُوقب بالطّرد من وظيفته أو تغيير مصلحته أو التّقليل من رتبته بسبب الوشاية التي تقضي على الأخضر واليابس.
والوشاية تبدأ من المسؤول الذي لا يقوم بعمله على أحسن ما يُرام ولا بالمراقبة بنفسه، فيستعين بمن هو أدنى منه رتبة ليأتيه بأخبار الموظّفين والعمّال حين يغيب بسبب أو بغير سبب؛ والأدهى والأمرّ عندما تكون الوشاية عن طريق رسالة مجهولة المصدر.
وقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ». لأنّ الوشاية قد تكون صِدْقا أو كذبا، على المباشر أو على غير المباشر. كأن يذهب الواشي إلى المسؤول فيخبره عن غياب زميله فهذا على المباشر، أمّا على غير المباشر فيتّصل الواشي بمسؤوله ويسأل عن زميله قائلا له: بحثت عن فلان في مكتبه ولم أجده، ألم تره؟ وهذا النّوع من النّاس أشبه بالمنافقين، وقد ورد عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «تَجِدُ مِنْ شِرَارِ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ الله ذَا الْوَجْهَيْنِ الذِي يَأْتِي هَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ وَهَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ».
أمّا زمن الاحتلال في العالم العربي فما كان سبب تأخّر الاستقلال إلّا من الوشاية التي لعبت أدوارا هامّة في إيصال الأخبار حقيقة أو كذبا من الواشي للمحتل عن إخوانه المجاهدين أو حتّى من لم يعجبْه جاره، ظانًّا منه أنّه ناصحٌ أمين.
ولمّا كان ما يقوم به الواشي إبّان الاحتلال بمثل هذه التّصرّفات يقبض عليها أجرة أو ثمنا لقيامه بهذا التّصرّف عن إخوانه إراديا أو غير إرادي، فكان يُلقّب بـ: «البَيَّاع» أو «الحَرْكِي». والمصيبة إذا كان الواشي لا يعلم أنّه واشٍ، أمّا إذا كان يعلم أنّه كذلك فتلك هي الطّامّة الكبرى. أمّا ما هو متداول في مجتمعنا بكلمة الشَّكيمة . فَلَها معنى آخر، شكمَ الموظَّفَ أي رشاه، قدّم له رَشوةً.
وها هي ذي فلسطين تتأخّر في نيل استقلالها لكثرة «الحَرْكَى» بالدّاخل والخارج، والعجيب في ذلك ممّن عُيّنوا بقوّة الدّيمقراطية وصناديق الانتخابات العربية مسؤولين على فلسطين، ورضوا لغزّة الحصار، كأنّها ليست جزءا من فلسطين، بل هم الذين حاصروها.
وكم من أزواج شتّتوا شمل أُسرهم بكلمة، من وشاية مَلَأَتْهُمْ غيضا بالأخبار من هنا وهناك فتنازعوا بعضهم مع بعض وسار كلّ واحد إلى حال سبيله.
والذي يُؤسف له هو سمَاع المسؤول أو حتّى الإنسان العادي له حظْوِةٌ في مجتمعه، لكلّ واشٍ بما يُؤتى به له ليس من أجل الصّلاح وإنّما هدفُه التّقليل بالموشى به، وتثبيت منزلة الواشي عند مسؤوله. ويبدو للمسؤول راحة البال لأنّه متحكِّم في مؤسّسته وإدارتها. قال الله تعالى:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾.
كما يلعب المسؤول بما سمعه من الواشي عن الموشى به ورقة ضغط ضدّه عندما تُتاح الفرصة ليضغط عليه. ليبدأ الصّراع وعدم الثّقة بين العامل ومسؤوله وتدخُّل النّقابات، ويقلّ العطاء ولا يهمهم جميعا الإنتاج لأنّهم لا يعملون لأنفسهم.
وهنا تذكّرت قصّة وقعت للشّيخ محمّد البشير الإبراهيمي، يُحكى أنّ أحد رجالات قرية أولاد ميمون دعا فضيلة الشّيخ الإبراهيمي ومن يرافقه إلى المدينة للعشاء بمناسبة ما. وقد تناولوا وجبة العشاء معا، وتبادلوا الحوار تلك اللّيلة. ولمّا عادوا إلى مدينة تلمسان، بلغ الشّيخَ الإبراهيمي أنّ الرّجل الذي دعاهم قام بتبليغ السّلطات المحلّية بكلّ شيء. ولمّا التقى الشّيخ الإبراهيمي به لامه عمّا فعل. فردّ عليه الرّجل أنّه فعل ذلك بطريقته خير وأفضل من أن يصل الخبر السّلطات المحلّية بطريقة أخرى.
كما يصل الأمر بالواشي أنّه يبلّغ عن منافسه لإزاحته من طريقه في شتّى الميادين إدارة كانت أو حزبا أو جمعية ليكون لسيادة الواشي الواجهةُ وحده، ويبذل في ذلك جهدا كبيرا. وهذا مرض خطير لا يُعالج إلّا بذكر الله تعالى والأغرب في ذلك كون هذا العمل المشين من الحقد الدّفين إذا كان في المساجد بالذّات.
وعليه نصحنا علي بن أبي طالب بنصيحة مأثورة وهذا ما جاء فيها: «إذا جاءك الخصم وقد فقئت عينه فلا تحكم له، فلعلّ خصمه فقئت عيناه معا». ومن منّا لا يعرف المثل الشّعبي الذي كان آباؤنا يعملون به: (الشرع يسمع من زوج). ثمّ هناك مثل آخر ممّا جاء فيه: (ضربني وبكى وسبقني واشتكى).
وعلى السّامع أن يترفّع ويتحرّى ما سمع من أخبار قد يكون فيها نقائص أو زيادات في طيّتها الكذب والتّلفيق والتّدليس يحمل حقدا بالموشى به. كما يستغل الواشي تلك العداوة أو الخصومة التي هي بين السّامع صاحب الحُظوة والموشى به، فيمتلئ غيظا وحقدا ويزيد صاحب المرتبة والمكانة الطّين بلّة؛ وعوض أن يُصلح، يُفسد ويتمادى في الفساد.
والغريب أنّ الواشي يستعين بجهله المركّب، أو عصبيّته لنفسه الأمّارة بالسّوء حين تنهاه عن مثل هذا التّصرّف البذيء، فيردّ عليك أنّ كلمة الوشاية لم ترد في القرآن العظيم، لعلّه متناسٍ قوله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ﴾.
فهل لنا غضبة مثل غضبة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «أَبِدَعْوَى الْجَاهِلِيَةِ وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ؟».
حسبنا الله ونعم الوكيل فيمن وشى بإخوانه ظانًّا منه أنّه يُحسن صُنعًا وقد ضلّ وأضلّ، يقول عزّ من قائل:
﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعاً﴾. وصدق سيّد الخَلْق ورفيع الخُلُق صلّى الله عليه وسلّم: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَومِ الْآخِرِ، فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَسْكُتْ»، وقال يَحيى مرَّةً: «أَوْ لِيَصْمُتْ».

تلمسان: 12 ربيع الآخر 1442 هجرية، الموافق لـ:
27 نوَنبر 2020

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com