عين البصائر

هذا يومهم وبإمكاننا أن نصنع يومنا ونعيد مجد أمتنا

أ. لخضر لقدي/

كيف يهنأ موجوع وكيف يسلو مفجوع وقد نزفت الجراح وتناثرت الأشلاء واختفت البسمات، وأمتنا يموت بعضها جوعا وبردا وحصارا وقتلا ودمارا، وبينما يموت حكامها ومترفوها بطرا وتخمة يعيش أكثرها على هامش الحياة لا همّ لهم إلا ملأ البطون وإشباع الرغبات وتعيش نخبتها حب منفعة وسقوط همة وقلّة نخوة وتنازلا عن كرامة وتلوّنا من حال إلى حال، آثروا الراحة والدّعة والتقوقع فاستراحت عقولهم.
قد كنا في الماضي إذا لم نفعل نتأثر وإذا لم ننصر على الأقل نشعر، فهذه الخنساء ترثي صخرا فتقول:
أعينيّ جُودا ولا تجمُدا  ألا تبكيان لصخر النــدى.
وهذا بن خفاجة يرثي بلنسية (Valencia) فيقول:
عاشت بساحتك العدا يا دار  ومحا محاسنك البلى والنار.
وهذا أبو البقاء الرندي يرثي أندلسا فيبدع:
لكل شيءٍ إذا ما تم نقصانُ  فلا يُغرُّ بطيب العيش إنسانُ
هي الأمور كما شاهدتها دُولٌ  مَن سَرَّهُ زَمنٌ ساءَتهُ أزمانُ
فهل مات فينا الشعور؟ وهل اختفى من بيننا الشعر؟ هل انتهينا؟ وما عسانا نقول ونحن أمة تؤمن بالله وتوقن بنصره.
أعلم أننا لا نعيش يومنا بل نعيش يوم العالم الغربي وقد قال ربنا: «وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ».
والقرآن الكريم يرد المسلمين إلى سنن الله في الأرض والأصول التي تجري وفقها الأمور، فهم ليسوا بدعا في الحياة، والنواميس التي تحكم الحياة جارية لا تتخلف، والأمور لا تمضي جزافا، إنما تتبع سننا ونواميس، لو درسناها وأدركنا مغازيها لتكشفت لنا الحكمة من وراء الأحداث وتبينت لنا الأهداف من وراء الوقائع، وبتنا مطمئنين إلى ثبات النظام الذي تتبعه الأحداث.
وهذه الأيام ليست من أيامنا نحن العرب ولا من أيامنا نحن المسلمين فنحن نعيش هزيمة الروح وكلال العزيمة واقتناعا بالدون، ورضا وقناعة بالسفاسف وبقاء على هامش الحياة، ونحن – ومع شديد الأسف- فضلة من فضلات الدنيا:
وَمَا لِلْمَرْءِ خــيْرٌ فِــي حَيَـاةٍ  إِذَا مَا عُــدَّ مِـنْ سَــقَطِ المتَـاعِ
«والهزيمة في معركة لا تكون هزيمة إلا إذا تركت آثارها في النفوس هموداً وكلالاً وقنوطاً. فأما إذا بعثت الهمة، وأذكيت الشعلة، وبصرت بالمزالق، وكشفت عن طبيعة العقيدة وطبيعة المعركة وطبيعة الطريق.. فهي المقدمة الأكيدة للنصر الأكيد. ولو طال الطريق! «[في ظلال القرآن].
وبينما كنت أسلي النفس قرأت قول الكاتب والروائي الفرنسي «أنطوان دي سانت أكسيبري: «يصبح للحياة معنى فقط عندما يحياها الإنسان يوما بعد يوم، من أجل شيء آخر بخلاف الحياة نفسها».
وقرأت للرافعي: «إذا لم تزد على الحياة شيئا فأنت زائد عليها».
وتذكرت حديث سيد الأنام: (احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللهِ وَلَا تَعْجَزْ).
فقلت: لا تكن عددا زائدا، ولا تكن صفرا على اليسار، ولا ينبغي أن يكون وجودك كعدمك، إياك أن تكلّ أو تملّ أو تقنط أو تعجز، فالنصر صبر ساعة، والنفس التوّاقة تطلب أشرف المقامات، والمسلم الله مولاه وإمامه محمد وبيته المسجد ومذكرته القرآن وزاده التقوى ولباسه الزهد ومركبه اليقين وطريقه الهدى فكيف ييأس أو ينهزم وهو يحرص على الأدب ومصاحبة أهل اللب والإرب دون العجاف فإنهم بقرات عجاف.
فلتكن همتك عالية ومطالبك غالية ولا تكن صفرا على الشمال، وتذكر أن الغراب يتبع الجيف وأن الصقر لا يقع إلا على الحيّ.
ولا تقل اليوم ليس يومي وليس لي دور في هذه الدنيا.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com