على بصيرة

درس الـملعــب للعـــرب.. مـن «كــأس العــرب»

أ.د. عبد الرزاق قسوم
رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين/

أطفأت أضواء الملعب الأولمبي القطري، الذي احتضن منافسة «كأس العرب»، بعد أن رقص البعض وزغرد البعض، وتغنى بالأهازيج والأناشيد البعض الآخر. أُسدل الستار على منافسات كأس العرب هذه التجربة التي تستحق الإشادة بها لأنها تمثل اللقاء العربي الوحيد الذي يلتئم فيه الحكام والشعوب، في جو الفرح والمرح. ففي زمن عربي يطبعه الشقاق والنفاق، ويهيمن عليه العنف والصلف، ويعرف بزمن التأزم العربي، الذي لا يكاد يخلو منه بلد عربي واحد، سواء داخل جماهيره، أو على حدوده ومع جيرانه.
جاء كأس العرب، الذي انعقد في قطر خلال عشرين يوما، من شهر ديسمبر 2021، ليحل عقدة الكبت النفسي التي يعاني منها العرب بسبب الغلاء، والشقاء، والوباء، فعربد اللاعبون في ساحة اللعب، وتمايل المشجعون من شدة الفرح والطرب، وتجمع المواطنون، أمام شاشات التلفاز لمتابعة الحدث، فاهتز قوم، واستبد الخوف بآخرين، وكل ذلك نصرة لفريقهم.
ودارت الكرة يمينا ويسارا، ومن فوقهم ومن أسفل منهم، وبلغت القلوب الحناجر وكان الانتصار للأقوى والأفضل.
نعود فنقول –إذن- إن تجربة كأس العرب القطرية، هذه السنة بالذات – تتطلب من علماء الاجتماع، والمحللين النفسيين، وفقهاء السياسة، وراصدي أحداث المجتمعات، إن هؤلاء جميعا، مدعوون إلى إخضاع هذه التجربة للتحليل والتشخيص، واستخلاص المواعظ والعبر، من الملعب الأولمبي المعتبر.
ويكاد يجمع الملاحظون المحايدون، على حقيقة هامة، وهي أن في الملعب الأولمبي القطري، دروسا، وعبرا، يجب أن تستخلص كوصفة لداء فقد المناعة العربية الذي أصيبت به أقطار وطننا العربي، تحت طائلة عوامل عديدة، ويهمنا، أن نساهم كإعلاميين، ودعاة إصلاح، في عملية رأب الصدع، وتسكين الوجع، فنضع أمام القارئ العزيز بعض ما انطبع في الفكر من نتائج مستخلصة من الملعب.
وإن مما بهر المشاهد العربي لمنافسات «كأس العرب» جملة من المعطيات، يجب أن نسجلها بكل موضوعية، وعدم انحياز، ولعل أبرزها:
1- الإنجاز العظيم الذي تجلى في الطابع الهندسي، والفني، والعملي، الذي تميز به الملعب الذي دارت فيه المباريات.
فقد أبان القطريون، بهذا الإنجاز، عن قدرتهم وتأهلهم اللوجستيكي، لتنظيم كأس العالم، وهو ما يؤكد على أن العقل العربي، إذا ألهم الرشد والسداد، قادر على أن يحسن ترشيد النفقات، واستغلال الكفاءات، وتنظيم التجمعات.
2- الوجه الرياضي الذي تحلى به الرياضيون والمشجعون، مجسدا، في التسامح، وأدب المنافسة، فرسمت بذلك صورة للتحضر الإنساني، سما عن الصور البشعة التي غالبا ما تقدم من ملاعبنا، في منافسات أقل أهمية من هذه.
3- الإمتاع الفني، والمؤانسة الرياضية، التي أظهرتها الفرق المتنافسة، على اختلاف بلدانها، فدللت بذلك على حسن الإعداد والاستعداد من المدربين، الذين حشدوا لهذه المنافسة، كل الإمكانيات البدنية، والنفسية، والمعنوية.
4- إشاعة جو الفرح والمرح، لدى الجماهير العربية، التي تعاني قتامة البؤس والحزن بسبب ظروفها السياسية، والاجتماعية، والمعنوية.
5- كان عُرسان الإبداع والإمتاع في المقابلات، الفريق الجزائري، بإجماع المراقبين المحايدين، فقد أبهر لاعبو المنتخب الجزائري، بفنياتهم ومهاراتهم، وتضحياتهم، أبهروا الجميع وقدموا صورة رائعة عن الجزائريين، عكس ما كانت ترتسم – ظلما- لدى البعض، عن اتهام الجزائريين، بتقطيب الوجه، على غرار الحارس المتألق، رايس مبولحي، وإنه لظلم له وللجزائريين عموما.
6- لقد تعودنا أن يصعد المتوجون إلى الحاكم ليسلم لهم الكأس، ولكن فوجئنا بالتقليد الحسن، من ولي أمر قطر، الذي ينزل إلى حلبة اللاعبين، ويقدم لهم بكل ابتسامة وأبوة رياضية الكأس، وإن في تلك اللفتة لمعنى ينبغي أن يستغل لاحقا.
إن هذه العينات من النتائج الإيجابية المستخلصة من الملعب، بمناسبة انعقاد «كأس العرب» لتؤكد على أن إمكانية توحيد الأمة العربية ممكن، وسهل.
فقد نجحت «الجلدة المنفوخة» على حد تعبير المغفور له العقيد القذافي، نجحت في توحيد العرب من المحيط إلى الخليج، على اختلاف توجهاتهم، واحباطاتهم، على العكس مما فعلته مقابلة «أم درمان» السيئة الذكر، التي كادت أن تشعل حربا بين بلدين شقيقين.
فإذا كان اللعب، علاجا، لأزماتنا العميقة فهيا نلعب!
لقد أخفقت تنظيماتنا العربية المختلفة بدءا بالجامعة العربية، أخفقت في توحيد صفوفنا، ولم شملنا، كما عجزت عن مسح دمعنا، وضم جمعنا، والقضاء على قمعنا.
فيا أبناء وطننا العرب!
إذا كانت السياسة قد فرقتنا، والحروب قد مزقتنا، والثقافة قد شتتنا، فهبوا بنا إلى الرياضة، لنعيد بها الوئام المفقود، والسلام المنشود، والتآخي المحمود.
فلنأخذ «كأس العرب» كمثال للوحدة المنشودة، ولننظم «كأس المغرب العربي» وكأس الخليج العربي «وكأس الشام العربي»، ولنجتمع على هذه الكؤوس الرياضية الحلال، ففيها تهدئة للنفوس، وإزالة للعبوس، ودفن للشواقير، والسيوف والفؤوس.
﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [سورة ق، الآية 37].

اظهر المزيد
شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com