حوار

الدكتور عبد الله الــعــشي يتحدث عن: واقــع اللغــة العربيـــة فــي الجزائــر وسبــل تفعيلهـا في الـمجتمـــع

حاورتـــه: فاطمــة طاهـــي/

ـــــــــــــــــــــــــــ

تحدث الدكتور عبد الله العشي، أستاذ الأدب العربي بجامعة باتنة كلية قسم اللغة العربية وآدابها، في اليوم العالمي للغة العربية المصادف لـ 18 ديسمبر، عن واقع اللغة العربية في الجزائر وفي التعليم الجامعي لدى طلاب اللغة مشيرا إلى التحديات التي تعيق البحث اللساني العربي حتى يكون بحثا منتجا، كما أشار الباحث الأكاديمي إلى أسباب ركود اللغة العربية التي أدت إلى تأخرها عن الالتحاق بركب اللغات العالمية الأخرى، مشيرا في هذا السياق إلى الدور الذي ينبغي أن تؤديه الهيئات التي أُسست لأجل ترقيتها حتى تكون هذه اللغة فاعلة في المجتمع وتنهض بها من مستوى التنظير إلى الممارسة التعليمية والتواصلية، مقدما اقتراحات تُحسن الأداء التواصلي والتعليمي باللغة العربية.

في البداية دكتور لو تقدم لنا نبذة عن شخصكم الكريم؟
-الدكتور عبد الله العشي، أستاذ التعليم العالي برتبة بروفيسور في اللّغة العربية وآدابها بجامعة باتنة، بدأت التدريس الأكاديمي منذ سنة 1981م، تحصلت على شهادة دكتوراه دولة في النقد الأدبي ونظرية الأدب عام 1992م، درّست في عدد من الجامعات الجزائرية والعربية، أشرفت وناقشت عشرات الرسائل العلمية في الجامعات الجزائرية والعربية، شاركت بأوراق بحث في عدد من المؤتمرات الوطنية والعربية والعالمية في مجالات الأدب والفكر، عضو في لجان علمية على مستوى الجامعة ووزارة التعليم العالي، عضو اتحاد الكتاب الجزائريين، عضو في عدد من الجمعيات الثقافية، عضو خبير في عدد من المجلات الأكاديمية، خبير في لجان الدراسات العليا وترقية الأساتذة وتأهيلهم، رئيس المجلس العلمي بجامعة باتنة وعضو لجانه العلمية لعدة سنوات، مؤسس مخبر الشعرية، نلت عدة جوائز وتكريمات من الجامعات والجمعيات الثقافية، رئيس عدة مشاريع بحث تابعة لوزارة التعليم العالي، ورئيس مشروع وطني للبحث العلمي حول الشعر الجزائري، مسؤول تخصص نظرية الشعر في الدراسات العليا.


شاعر وناقد لدي مجموعة من الكتب النقدية والدواوين الشعرية من بينها: كتاب زحام الخطابات، مدخل تصنيفي لأشكال الخطابات الواصفة، أسئلة الشعرية، بحث في آليات الإبداع الشعري، جمالية الدعاء النبوي، أحمد معاش: الشاعر وتجربته، بلاغة النص الجديد، مقام البوح، يطوف بالأسماء، صحوة الغيم، إضافة إلى عدد من البحوث في مجلات محكمة.
كما أشتغل حاليا على المسائل الفكرية والثقافية والأدبية الجزائرية بشكل خاص والعربية والدولية بشكل عام.
جهود بُذلت لتنمية وترقية اللغة العربية، لكن تبقى اللغة العربية متأخرة عند مقارنتها بتطور اللغات الأجنبية الأخرى، ما السبب في تجدد المصطلحات وتتطور العلوم، ولا تزال اللغة العربية متأخرة في الالتحاق بالركب؟
-المسألة اللغوية مسألة في غاية من التعقيد إلى درجة أننا نتحدث عنها دون أن نعرف عما نتحدث، هل نتحدث في الحقيقة عن مشكلة في النحو والإعراب أو في تركيب اللغة والكلمات والمعجم، أم أننا نتحدث عن الثقافة التي تحملها اللغة، فإذا كنا نتحدث عن اللغة من منظور لساني بحت فليس هناك مشكلة على الاطلاق في اللغة، فاللغة العربية مثلها مثل اللغات الأخرى وُضعت لتقوم بعملية التواصل بين البشر ولتعبر عن أفكار الناس وعواطفهم وهذا ما تقوم به كل اللغات.
في الحقيقة المشكلة في اللغة العربية ليست مشكلة داخل اللغة، إنما المشكل له علاقة باللغة مثل الجامعات والإعلام والفنون والتربية وغير ذلك، وهذا يدخل في مسألة المصطلحات، والمصطلحات ليست لغة بل هي مفاهيم وأفكار، فحينما ننتج نحن أفكارا ومفاهيم حينها نستطيع أن نضع لها مصطلحات، أي نضع لها أسماء، ولكن حينما لا نستطيع أن نبدع فلا ينبغي أن نتحدث عن عجز اللغة لأن العجز هنا لا يتعلق باللغة وإنما يتعلق بالثقافة.
ما هو تقييمكم لمستوى خريجي اللغة العربية بالجامعات الجزائرية؟ وإذا كانت النتائج تشكو الضعف أو القصور فماهي الأسباب؟
-ليس من وظيفة الجامعة ترقية اللغة، بل وظيفتها البحث العلمي في إطار اللغة، ففي كليات الآداب والذي يعتبر فيها قسم اللغة العربية واحد من أقسامها، يتم الاهتمام بالأدب العالمي: الاهتمام بالشعر وبالرواية. وبالتالي الاهتمام باللغة العربية في الجامعة هو مجرد اهتمام جزئي حول قضية اللغة في إطار اللسانيات، فمن يبحث في مسألة اللغة داخل كليات الآداب لا يبحث من أجل تطويرها، وإنما البحث من أجل وصفها وتحليلها ومعرفة مكوناتها، فإذا كنا نعتقد بأننا سنرقي اللغة العربية في الجامعة، فهذا غير ممكن فالجامعة ربما تلعب جزءا بسيطا فقط، لكن بإمكانها أن تنظم أنشطة أخرى كالمسابقة المتعلقة بالشعر والقصة وبالرواية والمسرح والفنون والخطابة إلى غير ذلك، فالانشغال لدى الطلبة اليوم ليس حول من ينتج نصا عربيا جميلا، بل في كيف يمكن أن نفتح موقعا الكترونيا جديدا وكيف يمكن أن نتفرج على اليوتيوب يوميا وكيف ندردش عبر الماسنجر، وبالتالي هذه الاهتمامات وجهت الطلاب إلى وجهة أخرى.
ينبغي أن نرقي اللغة داخل المؤسسات والإدارات وفي مختلف القطاعات فمثلا في المدارس والإعلام وغيرها من المؤسسات المختلفة التي ينبغي أن تكون فيها اللغة قيد الاستعمال وليس قيد التعلم، مع أن هناك ترابطا بين هذا وذاك ولكن الحقيقة الجامعة لا يبدو أن وظيفتها هي ترقية اللغة بل وظيفتها كيف يمكن أن نبحث في خصائص اللغة وفي بنيتها، فالثانويات والمدارس الابتدائية هي المعنية بالدرجة الأولى في تعليم اللغة العربية للناشئة.

تفعيل اللغة العربية يحتاج إلى قرار سياسي جريء

وحسب رأيكم دكتور إلى ماذا يعود مستوى التدني في تدريس اللغة العربية هل يعود إلى المناهج أو إلى طرق التدريس أو إلى المصادر والكتب أم أيضا إلى المنهاج في الجامعات الذي يغفل عن المحادثة والتعبير الشفهي الذي يعتبر عاملا مهما في العملية التعليمية ومع ذلك تتجاهله الجامعات؟
-هذا صحيح ينبغي أن تكون اللغة العربية لغة اهتمام من الابتدائي إلى الجامعي، وفي الجامعة ليس فقط في كلية اللغة العربية وآدابها وإنما حتى في الكليات العلمية، كما يجب أن تكون هناك نصوص تقرأ وتحفظ وتحاكى ويكتب مثلها في الابتدائي، في الوقت الراهن لا أعتقد أن التلميذ في الابتدائي يستطيع أن يتعلم نصا واحدا جيدا، وذلك بسبب كثرة المواد التي لا أظن أنها تساعد التلميذ على التركيز في اللغة العربية، وبالتالي هذا ما يشتت ذهنه بشكل كبير وتقذف به في متاهات، فبعض التلاميذ اليوم لا يفرقون بين البرلمان ومجلس الأمة حيث لا يمكنهم أن يعرفوا الفروق الجوهرية والمجردة بين هذه المؤسسات، فالتلميذ في الابتدائي لابد أن تُملأ حقيبته اللغوية بالنصوص مثلما كانت سابقا كالأناشيد والمحفوظات، في الحقيقة كل شيء يحتاج إلى إعادة نظر، وأعيد وأكرر بأن المشكلة ليست لغوية فقط إنما هي مشكلة ثقافية.


ماذا تقصد دكتور هنا بأن المشكلة ثقافية، ممكن توضيح أكثر؟
-عندما أقول بأن مشكلة اللغة في ذاتها يعني ينقصها معجم البنية التركيبية: بنية في الجمل، بنية في الكلمة. واللغة العربية ليس فيها مشاكل من هذا النوع فيها معجم ضخم جدا يتجاوز كل معاجم اللغات المختلفة، لها نحوها وصرفها وبلاغتها. إذن أين المشكلة، المشكلة هي أننا لا نهتم بها بالقدر الكافي لا نوظفها في الإدارة ولا نوظفها في المجتمع ولا نستعملها في الإعلام ولا في الفنون وغيرها من مجالات الحياة المختلفة، ومعنى هذا أننا لا نعطيها حقها كلغة، لا ننتج ولا نبدع بها، هذه هي مشكلة اللغة العربية ليست في ذاتها بل فيها كل الصفات التي تؤهلها بأن تكون لغة سوية وعالمية ولكن حينما تكون لها كل هذه الصفات الكاملة ولكن لا تُوظف إذن ينبغي أن نبحث عن سبب آخر لقصور هذه اللغة إذا جاز لنا أن نستخدم كلمة «قصور»، اليوم يُقال بأن اللغة العربية هي اللغة الرابعة أو الخامسة في العالم، إذن أين يكمن المشكل مادامت اللغة جيدة في بنيتها ومدام يتكلم بها مئات الملايين عبر أنحاء العالم؟ وما معنى أن تكون اللغة العربية رابعة في العالم ولكنها في بيئتها منبوذة ولا يُنظر إليها؟، أعتقد أنه سيقع لهذه اللغة كما وقع للشباب المهاجرين، ستهاجر اللغة العربية، وفعلا بدأت تخرج من بلادها، حيث يمكن للغة العربية أن تنشأ في روسيا وأن تتطور في الصين، كما يمكن أن تتطور في الهند، ولكن أين مكانة اللغة العربية في بلادها، ليس هناك برنامج سياسي واجتماعي لتنمية اللغة العربية، فقم بترقية اللغة العربية كما شئت ولكن ستبقى حبيسة في بيتك لن تجد مكانتها في المجتمع.
ما العوائق التي حالت دون انتقال البحث اللساني العربي من مرحلة الاستهلاك إلى مرحلة الإنتاج؟
-أولا ربما ليس هناك الوعي الكافي عند الباحثين بضرورة الإنتاج، مادام هذا الباحث يجد اليوم كل شيء جاهزا، فكيف يمكنه أن ينتج وهو يجد أمامه كل هذه النظريات الكبرى في العالم، فهذا واحد من الأسباب التي تعرقل الباحث، ثانيا ليس هناك برامج جيدة في الجامعة تقوم على عملية الإنتاج ويكون هدفها جعل الباحث ينتج وليس تعليمه كيف يمكن أن ينقل المعلومات من جهة إلى جهة أخرى كجسر تعبر عليه الثقافة الأوروبية، كما لا يوجد هناك تنافس علمي حقيقي ولا تشجيع على مستوى عال للباحثين في مجال اللسانيات ومجال البحوث اللغوية بشكل عام.
ما دور المجامع اللغوية في النهوض باللغة العربية على مستويات التنظير والممارسة؟
– فيما يتعلق بمجامع اللغة العربية مهمتها أكاديمية بمعنى أنها تهتم بوضع المصطلحات بشكل أساسي للأشياء والمفاهيم التي تنتج في الغرب وليس لها مرادف في اللغة العربية، وذلك حتى تسهل للباحثين في العلوم المختلفة أن يبحثوا باللغة العربية، هذا هو الهدف الأساسي والمركزي لمجامع اللغة العربية، إضافة إلى بعض الأعمال الأخرى المتعلقة بما يسمى تطوير اللغة العربية وإدخالها في الإدارة والسياحة وغيرها من المجالات الأخرى، لكن مجامع اللغة العربية مهمتها كما أشرت هي مهمة تنظيرية، لكن المؤسسات والمسؤولين عن هذه المؤسسات لا يدرجونها ضمن إدخال اللغة العربية في الحياة العامة، والحقيقة كلما تحدثنا عن ترقية اللغة العربية إلا وجدنا أنفسنا أمام تدهور لهذه اللغة، وبالتالي كيف يمكننا أن نتحدث عن تطوير اللغة العربية في إذاعات عربية تخدم اللغة الفرنسية أو تخدم لغة لا أدري كيف أصفها لا هي بعامية ولا هي بنصف عربية ولا هي بنصف أجنبية، فرق كبير بين ما كنا نسمعه سابقا عبر الإذاعات الجهوية والوطنية في فترة السبعينيات والثمانينيات وبين ما نسمعه اليوم. حيث كنا نستمع إلى لغة عربية فصيحة، وإن لم تكن فصيحة على الأقل دارجة مهذبة وجميلة ومفهومة وواضحة أيضا، الآن هناك لغة هجينة تتكون من كلمات يصعب على المتلقي أن يفهمها، وكأننا نسير نحو اللا لغة وهذا في الوقت الذي نتحدث فيه عن الاهتمام باللغة العربية واليوم العالمي للغة العربية، فأرى أن كل هذا مجرد احتفالات فلكلورية، ليس لها في الحقيقة بعد عملي، بالعكس نجد أنفسنا نسير نحو نهاية اللغة.
ما هو تقييمكم لحصيلة البحث اللساني في الثقافة العربية؟
-البحث اللساني تطور في الخمسين أو الستين سنة الأخيرة تطورا كبيرا جدا، حيث أعيد وصف اللغة العربية في ضوء النظريات المختلفة للسانيات، اللسانيات البنيوية واللسانيات التوليدية، اللسانيات المعرفية، بالإضافة إلى إعادة نظر في الكثير من القضايا التي كانت تدرس بطريقة ربما فيها بعض الانشائيات، ولكنها كما قلت هي دراسة أكاديمية مهمتها أن تصف وأن تحلل وتبين المكونات وليس أكثر، اتجه بعضها نحو اللغات أو اللهجات العامية وبعضها نحو اللغات الأخرى التابعة كالأمازيغية، هناك دراسات في هذا المجال وهي دراسات في غاية الأهمية، ولكن دائما يبقى للبعد الاجتماعي والواقعي دور في هذه الدراسات.
كيف يمكن للغة العربية أن تصبح فاعلة في محيطها؟
-حتى نكون أكثر وضوحا، اللغة العربية تحتاج إلى قرار سياسي حتى تسير بشكل سريع جدا نحو تحقيق أهدافها، لا ينقص اللغة العربية لا نحو ولا صرف ولا بلاغة ولا عروض، اللغة العربية مكتملة إلى حد كبير مثلها مثل اللغات الأخرى يمكنها أن تمارس دورها باعتبارها لغة للتعبير والتواصل، لهذا تحتاج إلى قرار سياسي جريء وبدون هذا فنحن ندور في حلقة تكاد تكون مفرغة، هناك لغات أقل بكثير في نظامها اللغوي من اللغة العربية ولكن بوجود قرار سياسي تحولت من لغة عفا عنها الزمن إلى لغة تكتب وتقرأ وينتج بها العلم والمعرفة.

هل نتعامل مع اللغات الأجنبية على أنها لغات ثقافية أم استعمارية؟

الانجذاب اللغوي نحو اللغات الأجنبية هل ترونه سببا من أسباب التأخر في تطور اللغة العربية، وكذلك من جهة أخرى هل ترى أيضا العاميات والدوارج من تحديات اللغة العربية؟
-فيما يتعلق بالعلاقة بين اللغة العربية واللغات العالمية أعتقد بأن الأمر طبيعي ولا أنظر إليه على أنه مشكلة، ولكن هل فعلا الآن هناك حوار بين العربية واللغات الأجنبية أم أن هناك عملية إكراه اللغات الأجنبية على أن تجد مكانها في واقع ثقافي بطريقة لا علاقة لها بالحوار الثقافي الذي عرفه العرب في القرن الثالث والرابع والخامس، ولأن العربية في ذلك الوقت كانت تتكئ على ثقافة قوية فواجهت هذا الآخر الذي يعرف بالثقافة اليونانية، أما الآن فالأمر يختلف، الثقافة الأجنبية لا تعتبر محاورا للغة العربية إنما هي مستعمر لها ومستعمر للثقافة العربية، وهنا المشكل، هل نتعامل مع اللغات الأجنبية على أنها لغات ثقافية أم أننا نتعامل معها على أنها لغات استعمارية، حينما نلاحظ العلاقة بين العربية والفرنسية في الجزائر هي مختلفة تماما عن العلاقة العربية مع الروسية، فهناك لغات تدخل ضمن تنافس اللغات وهذا أمر عادي، وهناك لغات هي في الحقيقة تقوم على علاقة استعمارية.
أما فيما يتعلق بسؤالك الثاني حول العاميات والدوارج لا أظن أنها مشكلة بالنسبة للغة العربية لأن العاميات لها نظامها الخاص بما يتعلق بالجملة وبالمفردة ولها أيضا نظامها المنطقي والبلاغي وغير ذلك، فهي لا تشكل عبئا على اللغة العربية، لكن هناك من لا يقبلها هذه هي المشكلة، فكل اللغات لها عاميات تلحق بها فمثلا اللغة الفرنسية هناك لغة شفوية يتحدثون بها وأخرى يكتبون بها، ولا نستطيع أن نفرض على إنسان أمي غير متعلم أن يتحدث اللغة العربية الفصحى، هذه العامية هي أيضا لغة ونظام متكامل مثلها مثل اللغة العربية.
وهل يمكن أن نقول بأن العربية عربيات؟ عربية قديمة تراثية، وعربية حديثة كالتي نستعملها اليوم في الصحافة مثلا؟
– أولا أقول لك هناك من يدرس اللغة العربية في مسارها التاريخي الطويل يوجد اليوم معجم تاريخ اللغة العربية يبحث في تطور دلالات الكلمات، المشكلة ليست في أن اللغة العربية في العصر الجاهلي تختلف عن العصر العباسي أو تختلف عن لغة اليوم فكل اللغات تخضع للتطور، دائما تكون هناك كلمات جديدة ولكن الذي لا يتغير هو نظام اللغة المنطقي والنحوي: فعل فاعل مفعول به أو مسند ومسند إليه، لكن الكلمات تتغير أما نظام اللغة المنطقي الداخلي فلا يتغير، ولذلك لا نستطيع في الحقيقة أن نقول هناك عربيات مختلفة أو عربية قريش وعربيتنا اليوم، لا أستطيع في الحقيقة أن أقول بأن هذه المسألة فيها شيء من الصحة.
حدثنا أيضا دكتور عن دور وسائل الإعلام الجماهيرية في نشر لغة عربية صحيحة ودروها كذلك في ترقيتها؟
-وسائل الإعلام مهمتها أن توصل الخبر إلى المتلقي بالطريقة المناسبة والبسيطة لإيصال الخبر إلى الجمهور، لا يهم لهذه الوسائل أن تكتب لغة جميلة وبلاغية مع أنه ينبغي أن يتعلم الصحفي اللغة والبلاغة وأن يقرأ الكثير من النصوص اللغوية الراقية حتى يكتب شيئا يمكن من خلاله أن يؤدي به وظيفة لغوية أو بلاغية، بالإضافة إلى الوظيفة الإبلاغية، المطلوب من وسائل الإعلام أن تكتب على الأقل كتابة صحيحة سليمة تنتمي إلى اللغة العربية لا إلى العامية، وهذه الوسائل خاصة الالكترونية منها قد أساءت كثيرا إلى اللغة العربية، أما السمعية والبصرية فكان ينبغي أن ترقى باللغة حتى في برامجها الترفيهية، لكن لو تسألين مسؤول هذه البرامج سيقول لك أن هدفه ترفيهي وليس تعليم اللغة العربية، هناك الكثير من التعقيدات ولا وجود لإرادة تجعل اللغة العربية لغة التكلم والكتابة ولغة التعليم، للأسف هناك نوع من التراخي المتعمد أو غير المتعمد.

غياب الإرادة التي تجعل من العربية: لغة المحادثة والمعاملات الإدارية

ما هي متطلبات تقليص الفجوة الرقمية بين اللغة العربية واللغات الأخرى المتقدمة معلوماتيا؟
فيما يخص مسألة الرقمية أعتقد أننا سنظل أسرى لما ينتجه الغرب في هذا المجال، لأننا لحد الآن لم نتمكن من تطوير تكنولوجيا لثقافتنا، حيث يمكن في لحظة من اللحظات أن نستيقظ صباحا ولا نجد أي موقع من مواقع المكتبات أو المدونات العربية، لا أحد يستطيع أن يضمن أن ما ينشره في الإنترنت سيجده بعد عشر أو عشرين سنة، لأن صانع الأمر بإمكانه أن يلغي ما كتبه العرب بضغط على زر واحد في لحظة واحدة، فقبل حوالي شهر تم توقيف الفايسبوك وانتهى كل ما كتبه الناس وما نشروه، فكيف يمكن أن نراهن على شيء لا نضمن الدفاع عنه ولا نضمن بقاءه.
كيف ترون سبل النهوض باللغة العربية؟ وما هي اقتراحاتكم لتحسين الأداء التواصلي للغة العربية في التعليم الجزائري؟
– في ثقافتنا نردد كثيرا كلمة وهي أن تكون هناك إرادة، هذه الإرادة ينبغي أن نفهمها ونفعلها، أن نفهم بأن هذه اللغة لغتنا وهويتنا وبأننا مسؤولون عنها، كما ينبغي أن نتحمس لها تحمسا لا يقل عن تحمسنا للدين وللوطن، ينبغي أن لا نفهم اللغة بأنها مجرد وسيط أو وسيلة، لابد أن نحبها فالبعد العاطفي للغة مهم وأن نغرس هذا الحب لدى أبنائنا، كنا في يوم من الأيام نقدس اللغة عندما نقول بأن اللغة العربية هي لغة القرآن وهي لغة أهل الجنة، فمثلما كنا نقدس اللغة ينبغي اليوم أن نقيم علاقة عاطفية بيننا وبين اللغة العربية، للأسف المتداول اليوم حتى نكون صرحاء لا يظهر فينا حب اللغة العربية، وبالتالي أقول وأكرر علينا أولا أن نحب هذه اللغة لنحافظ عليها ونسعى إلى تنميتها، فبرامج تطوير اللغة العربية والمؤسسات متوفرة وليس هذا المشكل، حتى أن المشكلة ليست في اللغة ذاتها، فحينما تكون هناك علاقة وجدانية مع اللغة العربية سنتمكن من تطويرها ومن الإبداع فيها حتى ننافس بها الثقافات الأخرى، ربما كلمة نحبها قد يراها البعض مجرد كلمة انشائية عاطفية ولكنها هي الكلمة الحقيقية التي سيتم من خلالها تفعيل الإرادة.
القرآن الكريم هو المعجزة الخالدة ومن وجوه إعجازه احتواؤه على أعلى درجة من الفصاحة والبلاغة، حدثنا أستاذ عن هذا الجانب؟
-بالتأكيد النص القرآني الهدف منه هو أن يقنع الآخرين الذين نزل إليهم بمضمونه ولا يمكن أن تتم عملية الاقناع إلا بعدة وسائل ومن بين هذه الوسائل بلاغة اللغة، فعندما أريد أن أخطب بالناس لأبلغهم شيئا معينا لا أستطيع إبلاغهم وإقناعهم إلا إذا كنت أتحدث بطريقة جيدة، ولذلك في القرآن الكريم كان لابد أن ينزل بهذه اللغة الراقية والبليغة، هذه اللغة التي عرف العرب بعضها ولم يعرف بعضها الآخر، لذلك استطاع أن يقنع الكثير منهم بل وأقنعهم جميعا ومازال يقنع البشرية إلى يوم الناس هذا ببلاغته وبمنطقه بالإضافة إلى ما فيه من أحكام.

لم نتمكن بعد من تطوير تكنولوجيا خاصة بثقافتنا العربية

ما هي القضايا التي تشغلكم حاليا؟
-حاليا أنا أرأس المنتدى الثقافي الجزائري، حيث ننظم ندوات فكرية وعليمة أسبوعية متعلقة بالثقافة الجزائرية، إذن الثقافة الجزائرية هي التي تشغلني حاليا حتى أؤكد على ضرورة الاهتمام بالثقافة الجزائرية: بلغتها وبثقافتها وتاريخها وأعلامها.. في القديم والحديث، وهذا لما رأيت من إهمال للثقافة الجزائرية، حيث هذه الثقافة لم تعد محل اهتمام سواء في الجامعة أو غيرها من المنابر، ما يكتب في الجامعات الجزائرية من أطروحات أو مذكرات لا تصب في الثقافة الجزائرية بل في الثقافة العربية أو الإسلامية، وأنا بحكم خبرتي تقريبا أربعين سنة وأنا في الجامعة أريد أن أنبه بضرورة الاهتمام بالثقافة الجزائرية.
شكرا لك دكتور، كلمة ختامية قل ما شئت ولمن شئت؟
-ينبغي أن نحتفل باللغة العربية الاحتفال الذي يليق بها، أن نخرج من دائرة الحديث عن عبقرية اللغة لا توجد عبقرية في اللغة كل اللغات متساوية، ينبغي أن نتحدث عن الكيفية التي نستطيع بها أن نجعل هذه اللغة العربية لغة فاعلة لها وجود في المجتمع لا لغة في الإنترنت وفقط، ليست هذه المشكلات الأساسية للغة العربية ينبغي أن نطرح الأسئلة الحقيقية التي تجعل اللغة العربية تتقدم وتمضي قدما وهذا التقدم لا يعني أن تنتشر في العالم ليس ذلك ما يهمنا، أن تتقدم اللغة العربية يعني أن أجدها في العالم المحيط بي والمتمثل في الإدارة والمدرسة والإعلام والسياحة وشركة الطيران….. حين تصبح اللغة العربية في مثل هذه المواقع أستطيع أن أقول اللغة العربية بدأت تشق طريقها نحو الحياة، أما أن تنتشر اللغة العربية عبر العالم في كوريا وفي اليابان … فهذا لا أسميه انتصارا للغة العربية وهو في الحقيقة نوع من «البريستيج».

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com