على هامش التنوير

«تنوير» عربي بعقلانيـــة غربيــــة

أ.د. عبد الملك بومنجل/

العقل يهدي إلى الحق لا شك، ولكنه قد يضلل عنه. والعقلانية محمودة بلا شك، ولكن ليس كل عقلانية. إن العقل يتأثر بما حوله، وكثيرا ما يصدر أحكاما تعارض الحق. وهل أتاك حديث عقلانية تنكر الوحي وتتمرد على النور!
العقلانية الغربية عقلانية جاحدة للحق الأول الذي هو الله. معرضة عن النور الأكبر الذي هو نور الله؛ ومع ذلك فقد اتخذها «التنوير» العربي مرجعا وملاذا، حَكَما ومعيارا؛ فكانت الثمرة مُرّة والحصاد بوارا. ولن نمثل لذلك بمن أظهروا عداء سافرا إزاء نور الوحي، بل نكتفي بمن سلمت نياتهم من مناهضة الوحي، ولكن قصُرتْ مشاربهم عن النهل من نوره: المفكر المصري المعروف زكي نجيب محمود، في كتابه «المعقول واللامعقول».
عمل زكي نجيب محمود على أن يختط لنفسه منهجا خاصا في التعامل مع المنقول الغربي والمعقول و اللامعقول في تراثنا الفكري، وحاول– جاهدا- أن يكون تصوره متكاملا، وموقفه متناسقا، وأن يكون وفيا لمنهجه العقلاني، فوفق في ذلك إلى حد مقبول، لولا أن العقلانية التي كان يتبناها، ويدافع عنها، ويتخذها مرجعا في تقويم التراث هي عقلانية الغرب.
لقد انطلق زكي من مقدمة هي أقرب ما تكون إلى الصواب، وهي أن الذي يصلنا بالماضي ويعنينا من تراثنا الفكري هو جانبه المعقول دون غير المعقول، وأصوله الجوهرية دون فصوله العرضية والمظهرية، ولكنه وصل إلى نتيجة أقرب ما تكون إلى الخطأ، لاسيما في دراسته لفكر الغزالي، وكان السبب هو أنه توسل في معالجته بعقلانية الغرب.
يمكن إجمال الفكر العقلاني لزكي نجيب محمود والظروف التي نشأ في ظلالها فأثرت فيه ووجهته، على النحو التالي:
– ثقافته الغربية الواسعة الخالصة التي عكف على تعلمها وتعليمها طوال شبيبته وكهولته، ولم يتحول عنها إلى التراث العربي إلا في آخر العمر، فكان تحصيله- باعترافه-تحصيل السائح العجلان الذي «يعدو من غرفة إلى غرفة، يلقي النظرات العجلى هنا وهناك ليكتمل له شيء من الزاد قبل الرحيل».
– إيمانه خلال هذه المرحلة الأولى بأنموذجية الحضارة الغربية القائمة على أساس المذهب التجريبي العلمي ومذهب التحليل المنطقي، أي عقلانية التجريب والاستدلال بمفهومه الغربي. واعتقاده أن سبيل النهضة الغربية هو الانقطاع عن التراث وتبني هذه العقلانية الغربية بكل حذافيرها.
– دراسته العجلى للتراث الفكري العربي (الإسلامي) بهدف تحقيق هذا التوفيق باختيار العناصر التراثية المنسجمة مع مبدأ العقلانية، والقادرة على التفاعل مع قضايا العصر، وقد قام بذلك في كتابيه: «تجديد الفكر العربي» و«المعقول واللامعقول في تراثنا الفكري».
– معالجته التراث العربي بمنظار غربي، وخلفية معرفية غربية، صعبت عليه مهمة التوفيق بين العقل والنقل والأصالة والمعاصرة، وشوشت على عقلانيته، فاتسمت معالجته بكثير من التناقض والاضطراب.
– تردده بين عقلانية العرب التي اكتشفها أخيرا، وعقلانية الغرب التي تبناها طويلا، وتأثير ذلك على سلامة منهجه واتساق موقفه وتصوره.
حين نأتي إلى تفصيل هذا الإجمال نسجل اعترافه الخطير بثقافته الغربية الخالصة، وجهله الذي يكاد يكون تاما بالتراث العربي حيث «كانت أسماء الأعلام والمذاهب في التراث العربي لا تجيئه إلا أصداء مفككة متناثرة كالأشباح الغامضة يلمحها وهي طافية على أسطر الكاتبين»، ثم اعترافه الأخطر، بأنه استيقظ، بعد أن فات الأوان أو كاد، «فإذا هو يحس بالحيرة تؤرقه في بضعه الأعوام الأخيرة، التي قد لا تزيد عن السبعة أو الثمانية، يزدرد تراث آبائه، ازدراد العجلان، كأنه سائح مر بمدينة باريس، وليس بين يديه إلا يومان، ولابد له خلالهما أن يريح ضميره…». إن هذا الاعتراف ليفرض علينا أن نتساءل: وماذا ستكون نتيجة هذا الجهل بالتراث العربي الإسلامي، وهذا التأخر في الإقبال عليه، سوى أن يخلو الجو في ذهنه لعقلانية غربية فيها من الخروج عن العقل مقدار ما فيها من العقل؟
إن تحول زكي إلى التراث العربي يقرؤه ويستلهمه، وإيمانه بما فيه من عناصر البناء والعقلانية التي ينبغي أن نتصل بها ونبعثها من جديد، لم يستطع أن يتغلب على رواسب ثقافة ترعرع في ظلالها فكره وتشكلت من خلالها عقلانيته. لذلك تراه منذ صحا وأخذه القلق وبدأ البحث عن الحل، لا يتصرف ولا يتحرك ولا يختار ولا يميز إلا بمعية الموجه الغربي وتأثير النموذج الغربي.

اظهر المزيد
شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com