مقالات

ورحــل مـن دار الشقــــاء والفـنـــــاء إلـــى دار البقــــــاء/عالم الـمستقبليــات الدكتور محمد بريش في ذمة الله

أ. محمد مصطفى حابس: جنيف / سويسرا/

فقدت الأمة الإسلامية والمغاربية هذا الأسبوع وتحديدًا يوم الفاتح ديسمبر2021م، أحد رموز العلم والخلق والدعوة إلى الله والذي ترك بصماته حيث ما حلّ وارتحل في العديد من دول العالم غرباً وشرقاً شمالاً وجنوبا، إنه عالم المستقبليات المغربي الدكتور محمد بريش (1952-2021)،عن عمر قارب السبعين (70) سنة، إثر مرض عضال ألزمه الفراش في المدة الأخيرة وهنا أحب أن أُقِر أني لا ادعي زمالة المرحوم كغيري ممّن عرفوه معرفة جيدة وعن قرب، ولا أدعي الاحتكاك به والتتلمذ على يديه كما يذكر بعض معاصريه في كلماتهم التأبينية الأخيرة، ولكنني أذكر أني تعرفت عليه عابرا ومن بعيد في ملتقى الفكر الاسلامي في تبسة، وفي “ندوة المستقبل” المنعقدة بنزل الأوراسي والتي حضرها العديد من مشايخ عصرنا الذهبي أمثال الشيخ محمد الغزالي والترابي وغيرهما، في بداية تسعينات القرن الماضي، المهم أنّ المرحوم كان حاملاً لهمّ الصحوة الإسلامية ومدافعاً عنها، كما كان معجبا بـ”ملتقيات الفكر الإسلامي” وبفكر مؤسسها المفكر مالك بمن نبي-رحمه الله – معتبرا هذه الملتقيات مدرسته الدعوية التي تربت وتكونت وتعلمت فيها ومنها أجيال الصحوة المباركة، إذ أصبحت هذه الملتقيات -في نظر الكثيرين – معيار صدق أداء الحكومات الجزائرية المتعاقبة وعربون وفاء لثوابتها الوطنية.
تعرفت على الدكتور محمد بريش، من خلال بعض أساتذتنا ومشايخنا المقيمين في المغرب يوم كان هناك، وكذا عن طريق أخباره التي كانت تصلنا عن جدّه واجتهاده في صفوف جاليتنا ببلجيكا لما كان مديراً للمركز الإسلامي بالعاصمة بروكسال مدة أربع سنوات، وأذكر أنّه في إحدى المرات أرسل لنا إحدى بناته التي جاءت في رحلة دراسية من المغرب إلى سويسرا مع فوج من الطالبات المسلمات، وبقيت أتابع أخباره العلمية والثقافية عن بعد من حين لأخر، وكذا رحلاته وتنقلاته من أوروبا إلى دول الخليج، وآخرها إلى قطر فجزى الله خيرا “ملتقى الفكر الاسلامي” الذي عرفنا بعمالقة الفكر والدين في عصرنا، هذه الكنوز المعرفية الثقافية النادرة جمعتها في مكان واحد، فعرفنا بالشيخ محمد الغزالي من مصر والشيخ الندوي من الهند وشيخ محمد المبارك السوري الجزائري والشيخ التسخيري من إيران والمفكر الفرنسي جاك بيرك وروجي قارودي وغيرهم ..
أو كما كتب -عن فضائل هذا الملتقى- متحسرا الأسبوع الماضي شيخنا الدكتور عبد الرزاق قسوم، في افتتاحية البصائر، تحت عنوان “حدثونا عن ملتقى الفكر الإسلامي فإنا نسيناه!”.. حقا كان كذلك ” الملقى” وأكثر، حيث كتب يقول: كان تاجا فكريا، ظلت تعلقه الجزائر على جبينها الفكري لأكثر من عقدين من الزمن، فتتيه به، فخرا، وإعجابا.. وكان منبرا علميا، طالما فاخرت الجزائر به، الجامعات والمراكز العلمية، بما كانت تستقطب به، من أساطين البحث العلمي، في مختلف ألوان الفكر الإنساني.
يشهد القاصي والداني أن تلك الملتقيات المسماة “ملتقيات التعرّف على الفكر الإسلامي” كانت جامعة متنقلة، تقدّم للمئات ممن يحضرونها من أساتذة وطلبة جامعات وتلاميذ الثانويات، وللآلاف الذين يتابعونها من بعيد، خلاصات الفكر الصحيح، وتعلمّهم الحدّ المطلوب.
والمرحوم الدكتور محمد بريش نهل من معين هذه الملتقيات الفكرية الإسلامية، إذ أصبح بعد ذلك وبجدارة أحد رموز علم المستقبليات وأحد العلماء الكبار الذين انجبهم المغرب الشقيق في هذا التخصص بعد رحيل العلامة الأستاذ الكبير الدكتور المهدي المنجرة -رحمه الله – ذلك أنّ الدكتور المنجرة لم يكن يهتم بالماضي فقط ولا بالحاضر فقط، إنمّا كان اهتمامه بالمستقبل بالدرجة الأولى. لعله يعدّ أحد أكبر علماء الاستشراف في العالم العربي -على حد تعبير أستاذنا الدكتور سليم قلالة حفظه الله – إلى جانب وليد عبد الحي (فلسطين)، وعبد الله النفيسي (الكويت)، وأحمد سعيد نوفل (الأردن)، وأحمد بن عبد الرحمن الصويان (السعودية)، ومحمد زاهي المغيري (ليبيا)، ونبيل عبد الفتاح (مصر)، وولد سيد أحمد فال (موريتانيا)، وقيس الهمامي (تونس)، حتى لا أذكر سوى هؤلاء من حملة أعلى الدرجات العلمية …
ومن باب وشهد شاهد من أهلها، أنقل لكم، هذه الفقرة من الكلمة التأبينية التي كتبها أحد طلبة المرحوم، الدكتور محمد همام، الباحث الأكاديمي المغربي، إنصافا لفضل الجزائر و”ملتقاها الفكري الاسلامي”، حيث كتب يقول: “عرفت المرحوم -الدكتور محمد بريش- منذ أوائل تسعينيات القرن الماضي في دورة فكرية تدريبية من تنظيم المعهد العالمي للفكر الإسلامي في الرباط. كان مثيرا بنقاشاته وأسئلته ومداخله التحليلية، وبالمفاهيم والمصطلحات التي يستعملها. وكانت المرة الأولى التي أسمع فيها (مفكرا إسلاميا) يتحدث عن الدراسات المستقبلية والاستراتيجية، بحماسة فكرية كبيرة. وأول مرة أسمع فيها مصطلحات ثنائية؛ مثل: المستقبلات الممكنة والمستقبلات المفقودة، والخبير والمخبر في المعرفة، والاستشراف والاستبصار، والغيب والغد، وغد الإنجاز وغد الحصيلة، ومنتج المستقبل ومستهلك المستقبل… سأكتشف بعد ذلك أن هذه المفاهيم والمصطلحات مرتبطة بعلم قائم بذاته هو (علم المستقبليات)، وأنه ضمن هذا الجهاز المفاهيمي الذي يستعمله في بحث تفصيلي له نشر بمجلة (المسلم المعاصر، العدد 61، سنة1992)، بعنوان: (حاجتنا إلى علوم المستقبل)، وكان البحث في أصله مداخلة ألقاها الفقيد في (ملتقى الفكر الإسلامي) سنة 1990.
الرجل كان يشتغل بعيدا عن الأضواء
كما كتب الباحث المغربي في الجماعات الإسلامية الدكتور إدريس الكنبوري تدوينة، على صفحته بـ”فيسبوك”، ينعي فيها عالم المستقبليات الدكتور محمد بريش، إذ قال الكنبوري: “لا إله إلا الله؛ علمت هذا الصباح بخبر وفاة المفكر المغربي الدكتور محمد بريش -رحمه الله – هذا الرجل الذي كان يعمل في صمت وزهادة. تعرفت عليه قبل سنوات طوال وحاورته حول علم المستقبليات الذي كان يبز أقرانه العرب فيه. لكن الرجل كان يشتغل بعيدا عن الأضواء وأخذته الوظائف وصرفته عن العطاء الكثير”، مضيفا بقوله: “ولد الراحل في الصويرة عام 1952. حاصل على الدكتوراه في الهندسة المدنية. عمل خبيرا في منظمات دولية واقليمية في مجال الدراسات المستقبلية والتخطيط. كما عمل خبيرا في وزارة الأوقاف الكويتية في تطوير التعليم الديني. كان رئيس تحرير مجلة “الهدى” التي كانت تصدر بفاس في الثمانينات والتسعينات. له مؤلفات من بينها: حاجتنا إلى علوم المستقبل –استشراف علوم التربية – حصيلة الدراسات المستقبلية حول العالم العربي”.
وتابع الدكتور الكنبوري: “كان -رحمه الله – يربط علم المستقبليات بعلم الغيب ويرى أن المسلمين أول من اهتم بدراسة المستقبليات في التاريخ نزولا عند القرآن والسنة اللذين دعيا إلى الاهتمام بالغد والنظر في المستقبل وربط الماضي بالحاضر. وفي مناخ من سريان العلمنة في هذا التيار لم يتم الاهتمام بالرجل الذي كان يواصل طريقه غير آبه. رحمه الله وأسكنه فسيح جناته.”
المرحوم محمد بريش يمثل
بحق نموذج المثقف المسلم الرسالي المتوازن:
من جهته، كتب المفكر الجزائري الدكتور الطيب برغوث، معزيا بقوله: “انتقل إلى رحمة الله تعالى يوم الأربعاء 26 ربيع الثاني 1443هـ ، الموافق 01 ديسمبر 2021 م، الأخ العزيز محمد الرجراجي بريش من المغرب الشقيق، عن عمر قارب السبعين سنة، قضى جلّها في ساحات العمل التربوي الإصلاحي التجديدي التنويري المتوازن، فهو من جيل الصحوة الروحية والثقافية والاجتماعية الذهبي في المغرب الشقيق. وقد عرفته منذ زمن طويل وأحببته وأحبني، والتقيت به عدة مرات في المغرب، ثمّ التقيت آخر مرة في الدوحة بقطر في ملتقى مالك بن نبي وسؤال النهضة، واحتفى بي كعادته كثيرا، وسألني كثيرا عن مشروع السننية، فوجدته متابعا لحركة الفكر السنني في العالم الإسلامي عامة والعربي خاصة، ومهتما بكتاباتي كثيرا، رغم ندرة ما يصل منها إليهم، وشجعني على المضي في المشروع، وحملته بدوري مسئولية المساهمة في هذا المجال، باعتباره من الجيل الذهبي المساهم في بناء الاتجاه الحضاري السنني في الفكر الإسلامي المعاصر، من خلال كتاباته ودروسه ومحاضراته وأنشطته الفكرية والثقافية والتربوية والاجتماعية المختلفة”، ثم أردف يقول: “إن سي محمد بريش يمثل بحق نموذج المثقف المسلم الرسالي المتوازن، الذي يجمع بين المعرفة الشرعية المتوازنة، والمعرفة العلمية التخصصية الدقيقة، والثقافة الإنسانية الواسعة، والخبرة الدعوية الجادة، والأخلاقية الرسالة العالية، والروحانية المتماسكة، والغيرة بل والحرقة الكبيرة على الأمة ودينها ورسالتها في هذا العالم.. كما يؤكد ذلك مشواره الطويل الخصب المتميز في ساحات الصحوة في المغرب الشقيق وخارجه..
المرحوم لم يفقد توازنه الفكري والنفسي والسلوكي ولم ينجرف في متاهاتها:
لقد عاصر الدكتور محمد بريش رحمه الله، فترة الأعاصير الفكرية والثقافية الأيديولجية الكبرى في العالم عامة، وفي العالم العربي والمغرب الإسلامي الكبير، والمغرب الشقيق خاصة، بل وكان في عمق هذه الأعاصير الأيديولجية العاصفة، فانتفع بها، ولم يفقد توازنه الفكري والنفسي والسلوكي والأخلاقي والرسالي، ولم ينجرف في متاهاتها ودواماتها المنهكة والمهلكة، ولم يعان من عقدة النقص تجاهها، ولم تستلبه، بل ظلّ متماسكا ومنغرسا في عمق هويته الثقافية والحضارية، ومعتزا بها، ومدافعا عنها، ومجددا وناشرا لإشعاعها في الجامعة والمجتمع وأينما حلّ، لقد كان -رحمه الله تعالى – كالغيث أينما وقع نفع. وهو نموذج الإنسان الرسالي المتوازن الذي تحتاجه الأمة بل والإنسانية حقا.”
المرحوم بالإضافة لتخصصه الدراسي في الهندسة التي اختارها حبا في الرسم والفن وفهماً للرياضيات، فنال درجة الدكتوراه في الهندسة المدنية وتقلد عدة مناصب في قطاع الأشغال العامة في المغرب، ولج عالما موازيا صار فيه قامة متميزة ونادرة، ألا وهو المستقبليات والاستشراف، تقلد المرحوم بصفته خبيرا في الدراسات المستقبلية والإستراتيجية والتنمية لدى منظمات إقليمية ودولية، ومختصا في تشخيص القضايا ودراسات بدائل الحلول الأنسب، عدة مناصب في قطاع الأشغال العامة بالمغرب، نذكر منها:
– مسؤول جهوي وإقليمي في أكثر من وزارة
– رئيس تحرير مجلة (الهدى) الثقافية الفكرية الإسلامية التي تصدر في (فاس).
– خبير لدى منظمة (الإسيسكو) ومنسق فريق الخبراء المكلف بصياغة استراتيجية الثقافة الإسلامية.
– مستشار أكاديمي بالمعهد العالمي للفكر الإسلامي بواشنطن.
– عضو لجنة الخبراء المكلفة من جانب المجموعة الأوروبية.
– عضو الجمعية الدولية للمستقبلية والمركز الإسلامي للدراسات المستقبلية بلندن
– مدير ثقافي بالمركز الإسلامي والثقافي في بروكسل.
– خبير غير متفرّغ بالمجموعة الأوروبية.
– منسق العمل الثقافي بأوروبا لوزارة شؤون الجالية المغربية بالخارج بدرجة وزير مفوض
– مدير مشروع تطوير التعليم الديني بوزارة التربية والتعليم بدولة الإمارات ثم قطر
– وكان للفقيد مشاركات في العديد من البرامج الإعلامية مع قنوات فضائية
– وكتابات صحفية وأبحاث متخصصة نشرت بأكثر من لغة في مجلات ومواقع الكترونية.
إنّ العالم الاسلامي بوفاته يكون قد خسر كنزا من كنوز المعرفة والخبرة والحكمة والرسالية العالية، وهو في قمة نضجه وعطائه الفكري والروحي والتربوي والاجتماعي. فاللهم ارحمه رحمة واسعة، وجازه خير الجزاء على ما قدمه لدينه ومجتمعه وأمته وجيله، وألحقه بالرساليين من عبادك الصالحين المصلحين من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا، واخلفنا بمثله أو بخير منه، ولا تحرمنا اللهم أجره ولا تفتنا بعده، ووفقنا لنمضي على خط الرسالية المبارك الذي مضى عليه هو ومن قبله، لا مغيرين ولا مبدلين..
كما ندعو الله أن يفرغ صبره على أهله الأقربين والأبعدين، و طلبته والمحبين، متضرعين له سبحانه بأن يتغمد الفقيد بواسع رحمته، وأن يفسح له في جنته، ويلحقه بعباده الصالحين، اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده،
والحمد لله على ما أعطى وعلى ما أخذ، و”إنا لله وإنا إليه راجعون.”

اظهر المزيد
شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com