عين البصائر

نقرأ التاريخ للاعتبار وليس للنسج على الـمنوال

أ. لخضر لقدي/

التاريخ وعاء الخبرة البشرية، وهو للأمة تراث وكنز، وهو مقياس عظمتها وديوانها الذي تحتفظ فيه بذاكرتها، وهو مغترف العبر والعظات. ولحكمة يعلمها الله أن جعل كل شيء متحركا جمادا وحيوانا وأرضا وسماء وجبالا وأنهارا، ذلك أن السكون الدائم والجمود التام من علامات الموت. ومن قرأ التاريخ بهذا القصد فإنه يضيف إلى تجربته تجارب ملايين الأشخاص، وتجارب آلاف السنين. وقد جاء في القرآن الكريم كثير من القصص – ثلثه تقريبا- ولم يكن هدف القرآن من ذلك تسليتنا بإخبارنا بما حدث من قبلنا أو معنا، وإنما لفت نظرنا للاعتبار بما حدث وأخذ العبرة والعظة منه. وأعجب العجب أن يستفيد أعداؤنا من دراسة تاريخنا، واستخلاص العبر والنتائج منه، وأعجب من ذلك أنهم أصبحوا يحاربوننا الآن باستقرائهم لتاريخنا وبجهلنا له!!!. ويحدثنا التاريخ أن القائد الفرنسي شارل مارتل قرر إرجاء الدخول في معركة مع المسلمين في الأندلس، وخطب في قومه قائلا: «الرأي عندي ألا تعترضوهم في خرجتهم هذه، فإنهم كالسيل يحمل ما يصادفه وهم في إقبال أمرهم، ولهم نيات تغني عن كثرة العدد، وقلوب تغني عن حصانة الدروع، ولكن أمهلوهم حتى تمتلئ أيديهم من الغنائم، ويتخذوا المساكن، ويتنافسوا في الرئاسة، ويستعين بعضهم على بعض، فحينئذ تتمكنون منهم بأيسر منهم». فلما التقوا في معركة بلاط الشهداء بعد عدة سنوات كانت الغلبة للأعداء والهزيمة الساحقة للمسلمين. والمسلم يعيش عصره بالإسلام مستمسكا بقيمه ومبادئه ومفاهيمه، ويقرأ تاريخ أسلافه لغاية تبدأ بربط الصلة بين الماضي والحاضر، واستنباط العبر والعظات، وخلق الصيغة المناسبة منه التي تتناسب مع الحاضر.  ولكنك تجد منا من يقرأ التاريخ لمحاكاة الماضي واستنساخ تجارب الأسلاف، يعيشون التاريخ، ويحلمون بإعادة إنتاجه واستنساخه، بينما الواجب أخذ العبرة من التاريخ، وشق الطريق المناسب للعصر. لقد قص القرآن سير بعض أنبيائه، ثم عقب بالقول: {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [البقرة…] كأنه يقول: إذا كان أولئك الأنبياء على إمامتهم وفضلهم يجازوْن بكسبهم فأنتم أحرى وأولى. والعاقل البصير يرى أن تاريخ الإسلام إنما هو تاريخ المسلمين، وهؤلاء ليسوا بدعا من البشر، بل يسري عليهم كل ما يسري على البشر من ارتقاء وانحدار. ونحن لا نريد استنساخ التاريخ، ولا نريد محوه، بل نريد أخذ العبرة منه، والاعتزاز بما فيه من إبداع، ونريد أيضا وهذا حقنا وواجبنا أن نعيش عصرنا بالإسلام ومبادئه وأحكامه. والذي أعلمه أن كل شعب يلبس ما يشاء، وأن لباس النبي صلى الله عليه وسلم ما كان يختلف في شيء عن لباس قومه ولباس أبي جهل وصناديد قريش، وأن التوجيه النبوي: «كُلْ مَا شِئْتَ، وَالبَسْ مَا شِئْتَ مَا أَخْطَأَتْكَ اثْنَتَانِ: سَرَفٌ، أَوْ مَخِيلَةٌ» فقط تجنب الحرام المنصوص عليه في شأن اللباس، فكيف نجد من يلبس قماشا صنع في الصين وصمم في إندونيسيا  وخيط في باكستان، ثم يسميه زيا إسلاميا. لقد تغير الحال وتعددت الحاجات وزادت المطالب وتعددت المشارب، ولسنا مطالبين إلا بأحكام الإسلام. أما الأحكام المطلقة غير المحدّدة شرعا، والمستندة إلى الأعراف والعوائد والمصالح، فلنا أن ننظر فيها ونختار منها ما يناسبنا، وعلماؤنا يقولون: لَا يُنكر تغير الْأَحْكَام بِتَغَيُّر الْأَزْمَان.  والخوف أن يصدق فينا قول القائل: أطفالنا بالأمس كانوا رجالا فلماذا أصبح رجال اليوم أطفالا؟!.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com