المرأة و الأسرة

بيني وبين صديقتي المغتربة

أ. / أمال السائحي/

أيام جميلة ومفيدة قضيتها مع صديقتي المغتربة، التي سنحت لها الفرصة أخيرا لتزور بلدها الأم، بعد غياب طال وامتد ثلاث سنوات كاملة، وهذا راجع إلى السبب الرئيس الذي يعرفه الصغير قبل الكبير، أعني بذلك جائحة كورونا وما تعلق بها من تبعات، إغلاق الدول لمجالها الجوي والبري والبحري، فكانت الهواتف هي التي نابت عن التواصل الأسري المباشر، وخاصة مع جاليتنا الموجودة في الخارج كل حسب منطقته….
ولما انحسرت جائحة كورونا بعض الشيء وخفّت حدّتها، وفتحت المجالات الجوية والبرية والبحرية، تسنّى للجالية المغتربة التي كانت لا تعرف متى تجد الفرصة لزيارة الأهل والأقارب والأحباب، من زيارتهم، وبفضل الله ومنته تمكنت صديقتي من زيارتي واختصتني ببعض من وقتها، وقد كان لتلك الزيارة وقع خاص لما احتوته من مناقشات هادفة ومميزة.
بداية أريد أن أخصّ بالحديث كلّ شابة وشاب مّمن يظنون أن كل مغترب، يعيش عيشة تضييع الوقت، وهو يلهث راكضا وراء كل شيء جميل في بلاد الجن والملائكة كما يلقبونها، ومغترب أو مغتربة قد رضي الله عنهما، لأنهما لا يعانيان من تلك المشاكل التي يعاني منها الشاب أو الشابة مثلهما في بلدهما الأم، وأنهما ينعمان بالعيش الكريم …إلخ من هذه المكرمات التي ليس لها أول من آخر.. إن مكانة الإنسان تتحدّد من خلال ما يحمله من فكر وعلم، وما تتعلق بهم همّته، وما تتطلّع إليه نفسه من آمال ومطامح، ومقدار ما يبذله من جهد صادق لبلورة تلك الآمال، وتحقيق تلك المطامح، ومبلغ الصبر عليها كيفما كان العنت والمشقة…
وفي الحديث الشيق الذي دار بيني وبين صديقتي المغتربة، سألتها عن أحوالها في المهجر وكيف تقضي يومها بين العمل والبيت، وغير ذلك من الأسئلة، فقد كان الحوار مفتوحا.. فأجابتني مبتسمة:
بعد انقضاء اليوم في العمل والعودة إلى البيت، والفراغ من إعداد متطلبات البيت، فأنا كغيري من الكثير من الشباب المهاجر المسلم، أهتم بالأمور الشرعية وأحاول أن أنهل منها قدر استطاعتي حتى أتفقه في الدين ..
وهذا ما استوقفني في هذا الحوار على وجه الخصوص، لأنه يدلّ على أن هذا الشباب المغترب، لا يكتفي بالاستزادة من العلوم، وتحصيل الشهادات العليا للتّرقي في العمل، وتحسين أوضاعه المادية، وتحسين مكانته الاجتماعية، ولكن استغل فرص التعلم المتاحة، وسائل التكنولوجية المتطورة لا لخدمة دنياه فحسب، بل كرسها بالموازاة إلى ذلك لخدمة آخرته، فقد وظف كلّ ذلك للاطلاع على دينه، وتحسين فهمه له، وذلك من خلال الحضور في دروس السيرة، والفقه، والحديث، وأحكام التجويد، عبر منصة الزوم، أو تطبيق الواتس آب، مع مشايخ ليسوا بالكبار في السن زاولوا دراستهم عبر جامعات مرموقة في الشريعة الإسلامية، وتخرجوا منها وأصبحت لديهم أكاديميات تحت اسمهم، ويدعون من خلالها الشباب للانخراط لمعرفة دينهم بالعلم والعمل، أما فئة الشباب المنخرطة في التعلم هي من كل بلدان العالم فتجد عبر هذه المنصة البرتغالي والألماني والفرنسي والجزائري، والصومالي، والتونسي الجنسية..
فلا مجال البتة للمقارنة مع بعض شبابنا الذي يشتري لهو الحديث، ويتفنن في تضييع الوقت، الذي قصّر في حق نفسه وغيره، وخذل نفسه ومجتمعه، وبات عالة على الدولة والمجتمع، وبين هذا الشباب الطموح الذي يتصيد الفرص، ولا ينتظر المساعدة من أحد، بل يبادر بنفسه ويسعى ويجتهد، هذا الشباب الذي يريد أن يكون له شأن والذي حتما يحقق مناه، ويدرك مبتغاه.
ولو سألنا المختصين: ما الذي جعل هذه الفئة من الشباب مجتهدة وطموحة وتلك سلبية ومتقاعسة؟ لكان الجواب هو: أنّ الكثير من المختصين في مجال التربية، عكفوا على دراسة الأسباب التي تجعل هذا مستقيما وجادا ومنضبطا، وذاك منحرفا ومتقاعسا ومتهورا، واجتهدوا في البحث عن الكيفية التي يمكن بها انتشال شبابنا من هذا المستنقع الذي غرقت فيه نسبة كبيرة منهم، فكانت الاستنتاجات التالية، واعتبروها بداية للدخول إلى هذه القلوب انعدام التواصل وغياب الحوار بين الأصول والفروع، فانعدام عناية الأسرة الأم والأب، الجد والجدة بالحوار اليومي، ولو لمدة خمس دقائق حال دون توجيه الخلف الوجهة السليمة، في الحياة، فما يتخلل ذلك التواصل من أوامر ونواهي وتنبيه وتحذير يكون له التأثير الإيجابي، وما هو مجرد كلمات عابرة فقولهم: هل صليت، أو هل فعلت كذا، مع المداومة والتكرار وما يصاحبها من تعابير وجهية عن رضا والسخط، تتدخل كآليات تحمله على أن يتذكر، فيفكر، فينجز.
مع ملاحظة أنه يتوجب على الناصح لهذه الفئة، أن يبتعد في بداية الأمر عن استخدام أسلوب العنف أثناء توجيه الشباب إلى أداء العبادات، فالشباب دومًا يبحثون عن أهوائهم، وبالإمكان توجيه تفكيرهم إلى أداء العبادات، ولكن بالطرق المحببة التي يرجونها ويتعلمون بها بالدرجة الأولى.

 

اظهر المزيد
شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com