مقالات

إشكالية حضور النُّخب في البناء الوطني والحضاري في الجزائر

أ.د. عمر أحمد بوقرورة/

المؤكد أننا نواجه في بداية هذا القرن الجديد أسئلة الوجود الحضاري من جديد كما واجهها أسلافنا في نهاية القرن التاسع عشر وفي بداية القرن العشرين، ولعل المواجهة في هذا الزمان الجديد أشد وأمر، ففي الراهن الوطني، بل وفي الراهن العربي المعاصر بأكمله تفكك ونكوص واستسلام في الإرادة العربية التي بلغت مرحلة اليأس، لقد عادت الدورة الحضارية بنا إلى زمن الصفر حيث لم يستطع العرب أن ينجزوا من الأسئلة مايمكن أن يدفعهم نحو الأمام، فبهذا نرى أن من أخطر الأسئلة التي يجب على الدرس الحضاري العام إنجازها في وطننا بصفة خاصة، وفي العالم العربي إن أراد ذلك إنما يتعلق بأسئلة بناء الذات الحضارية في ظل كينونة عربية متهالكة تقابلها ذوات بهويات أخرى ذات سند كولنيالي استعلائي متجبر.

ومن الأسئلة ما يتعلق بالنخب الوطنية التي ينتظر منها أن تتحمل مسؤوليتها في إنجاز أسئلة الوجود الحضاري، ولعل من أكبر الأسئلة في هذا المجال ما يتعلق بماهية وحقيقة هذه النخب نفسها، فهل هذه النخب موجودة في واقعنا؟ وهل استطاعت أن تقوم بدورها في البناء الحضاري؟ وهل تملك إنياتها وذواتها أم أنها نخب تابعة خاضعة لإملاءات سياسية ودينية وثقافية وسلوكية تسيّجها وتجعلها غير فاعلة في واقعها؟
حديث الدكتور الطيب عن النخب
بهذا التقديم المفاهيمي نأتي إلى الموضوع الذي نورده بداية بمحاورة جدلية بناء على بعض المفاهيم والرؤى الحضارية التي تحضر باستمرار في الخطاب الفكري عند الدكتور الطيب برغوث ومن المفاهيم والرؤى ما يتعلق بقضية النخب التي يسِمُها الدكتور الطيب برغوث بالوطنية المندمجة في الرؤية الإسلامية وفي النموذج الحضاري الشامل، ويعقد كل آماله وكل رؤاه الحضارية المؤيدة بالسننية الحضارية على هذه النخب. ففي رأي الطيب برغوث أن النهضة الحضارية في المجتمع هي محصلة ثقافة سننية متكاملة ومتوازنة، تحملها نخبته، وتعمم الوعي بها لدى كل أجياله، وترسِّخ العمل بها في جميع مؤسساته ومناهج عمله.
وحديث الدكتور الطيب برغوث عن النخب جيد وجاد ودال أيضا على همّ حضاري تولاه الدكتور الطيب برغوث بالرعاية والعناية تأسيسا وتأصيلا منذ أمد بعيد، فقد كتب منذ مطلع الثمانينيات من القرن الماضي، على سبيل المثال عن النموذج الحضاري، وعن القدوة الإسلامية، والواقعية في الدعوة إلى الإسلام، والدعوة الإسلامية والمعادلة الاجتماعية، وخصائص التغيير وضوابطه، وتصدر عنه منذ بداية الألفية الثانية «سلسلة آفاق في الوعي السنني» التي اتجه فيها الدكتور الطيب برغوث إلى محاولة بلورة نظرية كلية في فلسفة التغيير والإصلاح والتجديد، وفي فلسفة التاريخ والحضارة بصفة عامة، وآخر الجهد ما يتعلق بتأسيس أكاديمية الثقافة السننية للتجديد الحضاري، لكن الذي نخشاه في هذا المجال أن يكون حديث الطيب برغوث قابعا في المأمول الذي لا يأتي، فالنخب إذا لم تتأيد بفعل حضاري ووطني وأخلاقي يجعلها فاعلة في واقعها واعية بماهية الانتماء إلى وطنها لايمكنها أن تكون نخبة أو نخبا، وبغياب هذا التأييد الحضاري المذكور يدخل الحديث عن النخب في دائرة التنظير التي قد تدخلنا في حال من الاغتراب عن الواقع وعن التاريخ أيضا.
حالة النخب الجزائرية
ونأتي إلى موضوع النخب في إطاره الخاص الخاضع للوطن الجزائري، وبه نسأل الآتي: هل وجدت هذه النخب بالكيفية الحضارية الإيجابية التي نرجوها ويرجو المفكر الطيب برغوث نفسه حضورها في المجتمع الجزائري أم أن القضية لا تعدو أن تكون جهودا فردية وجماعية لم تكتمل ولم تبلغ مرحلة النخب أصلا؟
الجواب يقودنا إلى استقراء الواقع الحضاري العام في الجزائر وذلك من خلال بعض المحطات التي تشكّل البنيات الحضارية الأساسية للوطن والتي نوردها مختصرة لندلل بها على نخب لم تكتمل ولم تبلغ أبدا مرحلة النضج الذي يجعلها نخبا فاعلة إيجابيا في المسيرة الحضارية للوطن الجزائري ولعل الأسوأ في هذا المجال أن نجد بعض هذه النخب وهي تقتات في مسيرة بنائها وتشكلها من سيئات سياسية واجتماعية وثقافية ودينية لحقت المسار الحضاري العام للوطن طيلة القرن العشرين، وبذلك كان تشكلها السيئ الذي آل بها إلى نخب فاشلة، فاقدة لماهية وجودها، عاجزة عن انصهارها في النسيج الاجتماعي والحضاري الوطني المؤيد أصلا بزمن الشهداء زمن التضحيات الكبرى، بعيدة عن أداء أدوارها الحضارية والوطنية وحتى الأدوار السلوكية والأخلاقية العامة في المجتمع، والنتيجة بكل ذلك أن تغدو هذه النخب مدانة في الواقع ، بهذا يأتي الموضوع الذي تحكمه العناصر الآتية التي نجلّيها بالأسباب التي تفصح عن غياب هذه النخب عن المشاركة بإيجابية وبفعالية في البناء الوطني والحضاري العام، وأسباب الغياب عديدة لكننا نأتي بها مختصرة لحاجات معرفية ومنهجية يفرضها سياق الموضوع.
مفهوم النخب
تدل كلمة النُّخبة في اللغة العربية على المختار من كل شيء وعلى الاصطفاء في كل أمر، فقد جاء في القاموس المحيط وفي لسان العرب: نخب ينخب نخبا: أخذ نخبة الشيء، أي: المختار منه، ونخبة القوم ونخبتهم خيارهم، ومن الألفاظ المقاربة في هذا المجال: الجماعة، الملأ، الخاصة، الصفوة، وعليّة القوم، وكبار القوم، وسراة القوم، وعموما فإن التداول الاصطلاحي لمفهوم النخبة إنما يتمحور في الأشخاص الذين يمتلكون القدرة على التـأثير الديني والفكري والاجتماعي والسياسي والسلوكي العام في المجتمع.فالنخبة أو النخب لايمكن أن تطلق إلا على مجموع الأشخاص الذين يتوفر فيهم الرصيد المعرفي والثقافي والحضاري والأخلاقي الذي يجعلهم قادرين على تبوأ المكانة التي تجعلهم أهلا للاحترام والتقدير في وطنهم، كما تجعلهم أهلا للإجماع، بهذا تحضر النخب، أما معايير الحضور فأهمها تحول هذا النخب إلى قدوات، فبذلك تملك هذه النخب قوة التأثير في مسارات البناء الحضاري للوطن.
النخب وإشكالية غياب المرجع المعرفي المؤسِّس للنخب
ليس خفيا على أي باحث في هذا المجال أن النُّخب تشكّل ظاهرة اجتماعية وسياسية وثقافية وأخلاقية معقدة البنيان، وعليه فإن تكوين وتأسيس هذه النخب بهذه الكفية لا يمكن أن يكون إلا بالمرجع الذي يؤسس ويؤصل للنخب، فالوعي بالمرجع المنتج للنخب مهم، فعلى أي باحث في هذا المجال أن يعمل على امتلاك الوعي الذي يؤهله لممارسة أسئلة تأسيس النخب أصلا، ولن يتأتى ذلك إلا برصد ماهية المرجع، والمرجع هنا متعدد السياقات والأنساق فهو مرجع ديني ووطني وثقافي وسياسي وأخلاقي، والسياقات والأنساق مشروط تعددها بالانسجام والتكامل والتواصل، إذ لايمكن لنخبة من النخب في الجزائر أن تنال شرف النخبة دون أن تكون نخبة أو نخبا وطنية مشمولة بكل المقومات التي تحكم الوطن (دين وثقافة وتاريخ وسلوك…) وبهذا المفهوم نسأل هل توفرت مرجعية التأسيس لهذه النخب بهذا التماسك في بلدنا سواء قبل الاستقلال أو بعده؟ والجواب بـ(نعم) صعب، فالجزائر قد حكمتها طيلة القرن العشرين وفي بدايات القرن الجديد مرجعيات مفككة متناقضة ومتصارعة ومتصادمة في أحيان كثيرة، ويكفي أن نذكر أن هذه المرجعيات قد امتدت في سياقاتها التأسيسية وحتى التأصيلية من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، ففي الجزائر ندّيات قومية وسياسية ودينية وسلوكية، وهي في طبيعتها محكومة بالضد الخفي الذي يطفو إلى السطح كلما حل نقاش أو حوار أو سجال جديد في شأن ماهية وجوهر أي مسار من مسارات بناء الوطن.
الجامعات وغياب ثقافة النخب
المشكلة الكبرى في جامعاتنا أنها لا تستطيع التأسيس للنخب أصلا فهي جامعات محكومة في حركتها الوجودية أصلا بالواقع الذي يملي عليها المرجع والمنهج وكل ما يتعلق بكيانها الوجودي، وبهذا التأسيس الفج غير المتوازن لا يمكننا أن ننتظر من الجامعة أن تمنحنا النخب تأسيسا وتأصيلا إلا في إطار المنْح العليل السقيم الذي نجد به نخبا في الجامعات لكنها نخب سلبية عاجزة عن امتلاك ذاتها أولا فهي نخب موجودة بفعل الواقع الذي يهيكلها سياسيا ودينيا وسلوكيا، وهي عاجزة أيضا عن امتلاك الإرادة التي تجعلها نخبا حاضنة للبناء والتطور قادرة على امتلاك ناصية القرار الذي يجعلها نخبا تمتلك حق الريادة والسيادة، ويكفي أن نذكر ماوقع للاتحادات الطلابية التي يفترض في تأسيسها أن تكون نواة لنخب وطنية ذات تأثير إيجابي في بناء الوطن، لكن واقع وجودها وماهية تموقعها في الجامعات دال يقينا على أنها اتحادات بمرجع مختلف يصعب جمعه، فالواقع الجامعي يؤكد أن هذه الاتحادات لم تجتمع أبدا ولم يحصل بينها إجماع كما أنها لم تملك إرادتها أصلا فهي اتحادات تابعة لكيانات أنشأتها لتأكيد وجودها في الجامعة.
المنظومة التعليمية وفوضى التأسيس في زمن الاستقلال
من المشكلات الحضارية الكبرى المعقدة التي يعاني منها الواقع الثقافي واللغوي والحضاري العام في الوطن الجزائري بعد الاستقلال ما يتعلق بالمنظومة التعليمية التي تأسست – وبفعل عوامل تاريخية – بثلاث منظومات تعليمية متضاربة ومتناقضة (تعليم مفرنس وتعليم مزدوج وتعليم معرب) والمنظومات بهذه الكيفية لا يمكنها أن تلتقي ولا مجال فيها للتأسيس لثقافة النخب التي نرى باجتماعها على مبادئ وطنية موحدة جامعة، وبالمفارقة الحضارية المؤلمة تغدو تلك التنظيمات التعليمية عائقا في مسار البناء الوطني، وبها نصل إلى الخلاصة القيمية التي تلقي بنا في مفارقة عجيبة مفادها أن التعليم بهذه الكيفية قد لا ينتج بالضرورة نخبا وطنية مثقفة ذات انتماء حضاري سليم.
النخب وإشكالية الفردانية في زمن الاستقلال
يتضاءل مفهوم النخب في زمن الاستقلال إلى درجة أنه بات منحصرا في أشخاص، وهنا ينتفي الجمع ويحل محله النخبة (الفرد) فالكل يرى نفسه نخبة، ويكفي أن نقرأ في التاريخ السياسي والديني والثقافي للجزائر المعاصرة، جزائر ما بعد الاستقلال هذه المصطلحات النخبوية الفردانية (جماعة فلان..حزب فلان.. حركة فلان، فرقة فلان، مذهب فلان، طائفة فلان…) ولنا أن تصور بعد ذلك ما قد يحدث من تشرذم وتفكك، نتيجة لهذه التصورات والاختيارات الخاطئة التي لا تعمل إلا على تشتيت كل جهد حضاري يمكنه أن يتأسس بإيجابيات تقود الوطن نحو التماسك والازدهار.
الخلاصة
إن مشكلة هذه النخب إنما تكمن أساسا في تأسيسها بمختلف مرجعي يجعلها غير فاعلة إيجابيا في واقعها، فهي نخب لا تقدر على جمع المختلفين ولا تعمل على تجسيد الانتماء للوطن، والحل أن نفكر أولا في المرجع المؤيد بالسياق الوطني والحضاري الجامع الذي يؤسس للانتماء الإيجابي لهذا الوطن، وفي سبيل ذلك نكتفي بذكر مقترحات أولية نرى بحضورها إذا ما تعلق الأمر بالبناء والاتحاد والتماسك:
أ – البحث عن إجماع وطني بنسق معرفي وحضاري كلي يضمن ولاء هذه النخب للوطن في إطار الأفق الحضاري المتنوع، المؤيد بوعي كامل بمتغيرات القرن الواحد والعشرين، تلك المتغيرات التي تعني أن تشتغل هذه النخب إن وجدت بتفاهم وتواصل وتفاعل مؤثر ومتأثر لايلغي ولا يقصي ولا يستأنف.
ب – حضور المنظومة الأخلاقية في منظومة تكوين النخب وفي أفعالها وسلوكاتها: فلعل أقوى مؤشرات حضور النخب الدالة على أحقيتها في وجودها وفي التأثير في الواقع من حولها، إنما يكمن في مقدار ما تحظى به هذه النخب من تفاعل وتداخل قوي مع المنظومة الأخلاقية المؤيدة بمنظومة القيم الشاملة في المجتمع، فذلك التداخل هو الذي يمنح هذه النخب قوتها ومتانتها في ذاتها وفي علاقتها بالواقع من حولها.
ج – الاعتماد على الوعي المعرفي، وعلى الانتماء الوطني والحضاري السليم في التمكين لهذه النخب تأسيسا وتأصيلا، فلعل أهم السبل التي آلت إلى غياب الوعي المؤيد بالكفاءة والنزاهة والاستقامة أو جعله ثانويا في تشكيل النخب الوطنية إنما يكمن في رهن التأسيس والتأصيل النخبوي لحسابات هامشية منها الاعتماد على المكون اللحظي الآني الخاضع لحسابات سياسية وجهوية وعشائرية ومذهبية، والنتيجة صعود نخب فاشلة.

اظهر المزيد
شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com