عين البصائر

الوجه الآخر للبطالة … خَتْلُ الدنيا بالدين

أ. لخضر لقدي/

جمعتني جلسة مع ثلة من خيرة شباب الجامعات، أكمل أكثرهم دراسته الجامعية، ولم يستطيعوا العمل في رعي ولا زراعة فقد خانتهم الإمكانيات وسدت في وجوههم كل فرص العمل، وقفوا طويلا في طوابير الحصول على وظائف تُؤمِّن حاجاتهم وتحفظ كرامتهم، وذاقوا البطالة لسنوات، وغاب في بلدهم التخطيط الاستراتيجي والرؤية المستقبلية لاستيعاب الطاقات الشبابيّة وتوفير فرص العمل، وتعدد الفساد الإداري والمالي فخسر البلد موارده المالية والبشرية الهائلة التي كان بالإمكان استخدامها في دعم العملية التنموية.
قال محدثهم ناطقا بلسانهم: لكم تمنيت السلامة والنجاح والتفوق والسعادة وأن أكون نعم العبد.
قلت وما يمنعك؟ خذ بالنصيحة النبوية: اسْتَعِنْ بِاللهِ يُغْنِكَ اللهُ… احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَلَا تَعْجَزْ……ف:كُلٌّ مُيَسَّرٌ(ومُهَيَّأٌ) لِمَا خُلِقَ لَهُ.
قال يا شيخ الحياة صعبة والأفق مسدود والمستقبل مظلم, ولم يبق لنا إلا شد الرحال إلى بلاد الغرب ففيها بعض الأمل والعمل.
قال الثاني: يا شيخ ما رأيك في فتح محل للرقية الشرعية، قلت: العلاج بالقرآن والرقية بآياته من الأمور المشروعة، أما التخصص والتفرّغ للرقية وفتح محل لها (الذي يسمى ظلما العيادة القرآنية) فلم يكن معروفا زمن النبي صلى الله عليه وسلم ولا زمن أصحابه ولا في عهد السلف الصالح والأئمة المتبوعين، وانتشار مهنة الرقية ليس من الشرع لا من قريب ولا من بعيد، ثم ألستم ترون أن الرقية اتخذها الدجالون والمشعوذون والأفاكون والبطالون مهنة، وفي فعلهم إساءة للدين ومس بقدسيته.
قال الثالث: وما رأيك في اتخاذ الحجامة مهنة؟ قلت :لكي أختصر الطريق لك ولزملائك أقول: إن علماءنا رحمهم الله قسموا المهن والحِرف إلى شريفة ودنيئة، والحرفة الدنيئة هي كل حرفة دلت ملابستها على انحطاط المروءة وسقوط النفس, والحجامة جائزة اتفاقا، وأخذ الأجرة عليها مختلف فيه, قيل مباح وهو الصحيح وقيل مكروه وقيل حرام.
والذي يعنيني أنها ليست مهنة للدخلاء، اتركوها للأطباء والمتخصصين فقد كثرت الأمراض المتنقلة والأوبئة الفتاكة.
قال الرابع: يا شيخ أريد أن أكون إماما، قلت مهنة الإمامة شرفها عظيم، وتولاها رسول رب العالمين، وهي وظيفة تعبدية لها تبعات وواجبات دينية واجتماعية، وتتطلب قدوة ومثالية في التدين وفقها وعلما ونزاهة وبلاغة وقدرة على قول الحق في كل الظروف، كما تتطلب المحافظة على سمعة الإسلام، ورأيي أنها أخطر مهنة، كما هي أشرفها، ولا ينبغي أن يتقدم لها إلا من كان أهلا لها: فطنة وذكاء وفقها وعلما وزهدا والتزاما، وهنا أسوق مثالا ذكره الشيخ محمد الغزالي رحمه الله: كان لرجل ثري ولد مريض البصر، جلس الأب يوما فقال لأصحابه: أنا وهبت ابنى لله، وسوف أدخله الأزهر بعد أن يحفظ القرآن، بدأ الولد الحفظ وبعد فترة صحَّ بصرُ الولد، فحار الوالد، لقد وهب ابنه للأزهر على أساس أنه أعمى أو شبه أعمى…(وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ ..)…ذلك مبلغ عناية المسلمين بدينهم، لا يهبون لتعلمه إلا طوائف من الناس فيها العمياء، والعوراء، والمتردية، والنطيحة، وما أكل السبع. انتهى من كتاب معالم الحقّ.
وليست الإمامة مهنة للغنى والثراء، فتسعة أعشار الرزق في التجارة، يقول ابن خلدون في المقدمة: المعاش تجارة وفلاحة وصناعة….والذين يعتمدون على عطايا السلطان يبقون فقراء.
وقال خامسهم: يا شيخ نريد نصيحة ونحن نبحث عن عمل أو حرفة…قلت أعلم أنكم في حيرة، وربنا قد وسَّع أبواب الرزق وما ضيَّقها، اعملوا كل عمل شريف، ولا تمارسوا حراما ,ولا تتخذوا دينكم فخا تنالون به الدنيا، فنبينا صلى الله عليه وسلم يقول: بِئْسَ العَبْدُ عَبْدٌ يَخْتِلُ الدُّنْيَا بِالدِّينِ، بِئْسَ العَبْدُ عَبْدٌ يَخْتِلُ الدِّينَ بِالشُّبُهَاتِ، بِئْسَ العَبْدُ عَبْدٌ طَمَعٌ يَقُودُهُ، بِئْسَ العَبْدُ عَبْدٌ هَوًى يُضِلُّهُ، بِئْسَ العَبْدُ عَبْدٌ رَغَبٌ يُذِلُّهُ. الترمذي…..
ملاحظة: ما جاء في هذا المقال من حوار، بعضه حقيقي جرى فعلا، وبعضه افتراضي يؤكده الواقع ويعضده.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com