مقاربات

مدينــة عنابـــة بمنــاسبــــة مـــرور ثــلاثين قــرنــا علــى تأسـيـسـهـا البنيــــة الاجتماعيــــــــة لمدينــــة عنابـــــة (6)

أ. د. محمد عيلان */

 

 

إن البنية الاجتماعية لمدينة عنابة يمكن تقسيمها تاريخيا إلى خمس فئات هي:
1 ـ فئة ربان البحر ورياسه، وهؤلاء في الأغلب هم ملاك السفن ومستأجروها ومحتكرو تجارة السمك، وعمليات الاستيراد والتصدير للبضائع المختلفة، كالحبوب، والحيوانات، والصوف، والجلود، والعسل.. وعقد الصفقات، وإبرام العقود، وإعداد الحماية للمدينة وبالتالي الممتلكات، وهي سلطة لها أثرها الاجتماعي والتاريخي على المدينة،.ـ كما أنهم يشكلون الطبقة الحضرية الثرية مع بعض أتباعها والدائرين في فلكها، التي تتوج بالسلطة الزمنية في مواقع متباينة إلى أن جاء الاحتلال فدخلت في وضع غير وضعها إقصاء أو انجذابا.
2 ـ الفئة الثانية؛ فئة الحرفيين والصناع ومالكي الورشات الكبرى لصناعة ووإصلاح السفن، وهؤلاء أكثر انفتاحا على الثقافات في مجال مهنهم، وأكثرهم تحسسا للذوق العام، وسيطرة على التوجه العام للصناعة، كما أنهم على دراية بصنوف المواد والمشغولات والخامات، وأصناف النقش والطرز والرسوم والتشكيل، إضافة إلى دراسة الاحتياجات التي يتطلبها التطور، ومواكبة صناعة السفن وأدوات الإنتاج الفلاحي والخشبي، وهذه فئة يغلب عليها الطابع الحضري أيضا، وتفرز تقاليد وسلوكات وثقافة لا تبعدها في أصولها وملامحها عن الثقافة العامة، ولكنها تبدي ذوقا وتميزا يخُصانها ويبرزان معالمها لكننا لا نعدم التأثير الثقافي المتوسطي والأسيوي في منتوجهم وإبداعهم مما يحعلها تؤسس باستمرار لثقافة حرفية متطورة منفتحة على التطور.
3 ـ الفئة الثالثة هي فئة العاملين في الموانئ والصيادين الذين يجوبون البحر، يغيبون فيه أياما بحثا عن السمك وجلبه إلى مؤجريهم من أثرياء المدينة وتجارها وأرباب السفن والسماسرة. وهذا الصنف مع غيره من الحرفيين البسطاء وصغار التجار الذين يعرضون خدماتهم على الأثرياء، يشكلون البنية العريضة من سكان المدينة عبر التاريخ، ويطبع حياة هؤلاء الفقر الدائم، وتنتشر في أوساطهم ثقافة تعكس صراعهم وعلاقاتهم مع أرباب العمل وتطلعاتهم وأحلامهم وآلامهم ومختلف مظاهر حياتهم، ويتوسلون في دفع الصراع وإذكائه وتخفيف آثاره النفسية والاجتماعية عليهم بوسائل، يزيحون عن أنفسهم من خلالها ثقل الحياة ورتابتها، وهذه الوسائل هي تلك المتمثلة في المنطوق وفي الاحتماء بالقوى الخفية، وبخوارقها.
4 ـــ الفئة الرابعة فئة الاقطاعيين وملاك الأراضي الزراعية وبساتين الغلال الشاسعة التي تعرف بها منطقة (عنابة)، وهم صنف ثري يفرز ويتسبب باستمرار في نمو ثقافة تقليدية غير متطوره، ترتبط بالأخلاق وبالأفكار التي لا طائل وراءها سوى تكريس الاستغلال والذل والإهانة، وأخذ حقوق الفلاحين والفقراء علنا واحتيالا، وفرض سيطرة اجتماعية وفكرية على مختلف الفلاحين، وقد عكست الثقافة المتوارثة هذه النماذج بطباعها وأخلاقها، كما عكست في نفس الوقت صفات وأخلاق وطباع الكادحين المحرومين من لذة الحياة ومن متعة الراحة، فكانت ثقافة يغلب عليها الصراع، وتَتَبَدى فيها ملامح العجز والاحتماء بالخرافات والأساطير.
والواقع إن الفلاحين يفرزون ثقافة أكثر ارتباطا بالأرض، وبظروف المناخ وعجز الإنسان أمام تقلباته.. وكانت تلك الثقافة أداة قوية حمتها الإقطاعية فرعتها وكرستها.
لقد طغى على مدينة (عنابة) أدب فلاحي له حضور قوي إلى يومنا هذا، بعضه نشأ على أطراف المدينة وأحوازها، وبعضه الآخر وفد مع من وفد من عمق المناطق المجاورة طلبا للعمل، وهؤلاء الكادحون كونوا طبقة مؤثرة بثقافتها، وتأثيرها لا في مجال الحرف والفنون، بل أيضا في مجال المنطوق؛ لذلك فإن لهذا الإبداع القولي (الأدب) أثرا على مجتمع المدينة بعفويته وبساطته وصدقه في تصوير معاناة أصحابه، واحتضنه سكان المدينة من الحرافيش والحرفيين والتجار وغيرهم، وتأثروا به تمثلا وإضافة، تنفيسا عن واقع مرير غير متكافئ. وهو أدب يعكس صور مبدعيه النفسية والاجتماعية والعقلية، كما يعكس ظاهرة الاتكال وعدم مقاومة الواقع، وهو راجع إلى كونهم لا يبحثون عن الأسباب لحل مشاكلهم، بل يكلونها إلى القوى الغيبية فيتخلصون من عناء التفكير فيها، شأنهم في ذلك شأن المجتمعات الفقيرة المحرومة المعدومة، تتغذى بالخرافات، وتعيش على صداها في انتظار البطل المنقذ، وما يلاحظ في كل ذلك أن ظاهرة التعاضد والعصبية الـتي تعـرف بها المـدن الداخلية والقـرى، لا مجـال لهـا بمدينة (عـنابة) لكون سكان المدينة خليـطا غير متـجانـس في أصوله وبنياته.
5 ــ الفئة الخامسة: فئة مسالمة، هي فئة الجاليات التي استقرت بمدينة (عنابة) منذ زمن طويل، وتعيش باعتبارها طوائف إثنية ساكنة، أو أُسرا قليلة العدد وضعها لا يؤهلها إلى ارتقاء السلم الطبقي، بحكم ضعفها وبحكم عدم تجانسها الإثني، ومن هؤلاء يمكن ذكر المهاجرين، وبعض الأفراد من الشعوب المتوسطية أو الشرقية غير العربية، فهؤلاء يكونون جيوبا بالمدينة ولكنهم يقدمون الخدمات التي تجعل الطبقات الأعلى في حاجة إلى خدماتهم، ولذلك فأغلبهم منخرط في مجال الحرف والمشغولات اليدوية أو الصناعة الطبية..
أما ما تلتقي فيه الفئات بأنواعها؛ المسحوقة والمقهورة المكونة للبنية الاجتماعية وأساس الحركة الاقتصادية، فهي أنها عرضة لاستغلال ثالوث المدينة:
أ ــ أصحاب الحرف والتجار الكبار والصناعيين.
ب ــ ملاكو سفن .الصيد والتجارة.
ج ــ الاقطاعيون ملاكي الأراضي.
وتظهر هذه الفئات (المسحوقة) كفئة واحدة موازية لذلك الثالوث؛ فئة أمية عاجزة، تعاني فقرا مدقعا لا تملك وسائل العيش الهانئ والادخار الاقتصادي الأسري. هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فإن هذه الفئات الضعيفة المتصارعة، يعكس إبداعها في جانب آخر طموحها الاجتماعي والاقتصادي، وقد تجلى ذلك في جوانب ثقافية عدة منطوقة ومادية. فالفلاحون المتوسطون المقيمون على أطراف المدن يحلمون ويطمحون في أن يصبحوا من ملاك الأراضي ويشغِّلون خدمًا وخماسين، ولهم مواش وأراض، ويقيمون كما يقيم الإقطاعي بالمدينة، وينتقلون مثله.. ومثلهم الحرافيش الذين ليس لهم ارتباط بفئة معينة، يتطلعون إلى الفئات النموذج .
أما الحرفيون الصغار فإنهم يتطلعون إلى أن يكونوا كأصحاب المصانع والورشات الكبرى التي تنتج وافرا، وتوزع كثيرا وتقبض أموالا طائلة .
والعاملون في البحر يطمحون إلى أن يكون لهم سفن صيد تجوب البحر، وتعود محملة بالسمك، ويتصرفون تصرف ملاكي سفن الصيد ــ سواء أكان صيد غوص بحثا عن المرجان، أم صيد شباك، أم مراكب كبرى تنقل البضائع عبر المتوسط في البيع والمقايضة، وفي كل المظاهر الممارسة في التجارة والصناعة. وخير ما يدلنا على ذلك أدب المدينة الشفوي، من الأقوال والأمثال والقصص.. وهكذا تختلف وتتنوع الثقافة باختلاف الطبقة التي تنمو فيها.
المؤثرات الخارجية في ثقافة مدينة (عنابة)
لقد تعاقب على منطقة عنابة شعوب عديدة استهدفتها لما تزخر به من ثروات باطنية وزراعية وحيوانية دائمة، وما ذلك إلا لاعتدال مناخها، حيث إن مناخها مناخ البحر الأبيض المتوسط، بارد شتاء، حار صيفا، معتدل ربيعا وخريفا، وهذه الشعوب بلغت قوتها وتأثيرها بحيث سميت عصور باسمها وطبعت تاريخ الجزائر بها حيث نجد الرومان والوندال والبزنطيين والعرب والعثمانيين والفرنسيين وكل هذه الشعوب على اختلاف أجناسها ومعتقداتها وتقاليدها وما لها من قيم حضارية اختلطت بسكان المنطقة وتم ذلك عن طريق العلاقات الاجتماعية اليومية، وكذا عن طريق الجاليات التي استوطنت، وأصبحت تنسب للمنطقة، ومن ذلك الكثير من الأسماء التي مازالت موجودة بأصلها إلى يومنا هذا بالمدينة يحملها أصحابها، ثم إن هذه الشعوب بما لها من موروث ممارس منحدر من ماضيها، فإنها قد أثَّرَت بطريقة أو بأخرى في الحياة العامة بمختلف مظاهرها وألوانها بما فيها الحياة الثقافية للمدينة ومناطقها..
وساعد على ذلك كون مدينة (عنابة) تتميز اجتماعيا وثقافيا بانفتاحها وسرعة تقبلها للوافد، وتهيئة الجو المناسب للاندماج ثقافيا واجتماعيا، كما أن مدينة عنابة وأحوازها لا تقبل التنوع العرقي أو الطائفي. لذلك كان سكانها قليلي النعرات العرقية والجهوية، بل تنعدم فيها. ومن يدرس ثقافة المدينة يجدها تعكس تأثرها بالقيم الإسلامية و الانفتاح على الثقافات الوطنية الداخلية والوافدة، تمتصها وتكون منها مزيجا ثقافيا له خصوبة الاحتواء والثراء، دون خصوصية الانكماش والانغلاق والتطرف، وهو ما لا يتوفر بدرجة أيسر في ثقافة المدن الداخلية أو المدن المحافظة التي من خصائصها أن بنيتها الثقافية والاجتماعية منغلقة، وغير قابلة للوافد إلا بحذر شديد، وتظل بطيئة النمو والتطور، وأشد تمسكا بعناصرها الثقافية.
وهكذا فإن التركيبة الاجتماعية للمدينة كما ذكرنا تتميز محليا كما تتميز حضاريا، إذ نجدها خليطا من شعوب البحر المتوسط وفدت عبر السنين، فانصهرت مع السكان المحليين في كيان اجتماعي واحد. وثقافتها امتزجت وتلونت وتأثر البعض منها ببعضها الآخر، ثم سارت مسرى آخر باندماجها بالموروث الإسلامي المستمد من الشريعة الإسلامية السمحة.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com