عين البصائر

الوجه الآخر للهجرة والحرقة

أ. لخضر لقدي/

«الهجرة أو الحرقة» طاحونة لا ترحم المهاجر ولا أولاده ولا أحفاده، وهي قصة أليمة غالبا ما تكون خاتمتها حزينة، إنها تسرق من الأمهات فلذات أكبادها، وتسرق من المهاجر شبابه ودينه وأولاده وأحفاده ووطنه.
وقد يخدع المهاجر للغرب نفسه فيقول: لن يكون هناك تأثير علي أو على أسرتي. فالعبرة بالتربية وليس بالمكان، وقد يستبد به الغرور فيقول: سأسيطر على أموري وعلى أولادي إن وجدوا.
والهجرة شرعية أو حرقة (غير شرعية) لغير ضرورة إلى بلاد الغرب لها وجهان:
أما الأول فيبدو مضيئا وهو غير ذلك: فالمهاجر يحلم برفاهية عيش وتنعم بنسائم الحرية ولم لا الزواج بأجنبية شقراء ولو كانت عجوزا شمطاء يتمتع بها حينا ويسوي وثائقه مع العمل والجنسية.
أما الوجه الثاني الحقيقي فبشع جدا يبدأ بالإذلال والاستعباد فكم من شباب احتجزتهم العصابات واستعملتهم في رعي الأبقار والخنازير وكان مبيتهم في اسطبلات الحيوان، فإذا نجا من هذه وقلما ينجو فهروب دائم من أجهزة مطاردة المهاجرين وانغماس في الرذيلة والمخدرات، فإذا نجا من هاتين وبدا له بريق النجاة والنجاح, ولم يضع في حسابه سلامة دينه ولا عاقبة أمره, وتزوج أجنبية فتنته في دينه فتركه ومال أو كاد يميل إلى دينها ووالى أهل مِلّتِها، ولم يضع في حسابه سلامة ذريته وهو يرى بعينيه ويسمع بأذنيه زوجة تغرس في نفوس أطفاله الكفر، وتستأثر بتربيتهم وتنشئتهم على معتقداتها وعاداتها وأخلاقها، فلا يستطيع تحريك ساكن, ولا تسكين متحرك.
والشاطر يتعلم من أخطاء غيره ,وهنا تذكر حفيدة الشيخ علي الطنطاوي أنها عندما بدأت في إجراءات الهجرة إلى كندا فقال الشيخ علي الطنطاوي لها ولزوجها: «إن اختيار العيش في بلاد الكفر يضيع النسل، فإن استطعتم حماية أولادكم فلن تضمنوا ذرياتكم، فلا تحملوا وزرهم».
وقصص مآسي الهجرة لا تنتهي، فالغرب يتبع سياسة الاندماج وهو يعول على الأجيال الثاني والثالث والرابع, وتؤكد السيدة المباركة مؤمنة العظم حفيدة الشيخ على الطنطاوي أن إحصاءات من هاجر الى بلاد الكفار تؤكد أن من هاجروا منذ 100 عام.. 96% من ذريتهم لم تعد مسلمة، ومن هاجروا منذ 80عاما 75% من أحفادهم لم يعودوا مسلمين، ومن هاجر منذ 60 سنة.. 40% على النصرانية، ومن هاجر منذ 40 سنة 25% منهم تركوا الاسلام.
وقد قرأت منذ أكثر من ثلاثين سنة أن الاستعمار الهولندي أخذ الآلاف من مسلمي أندونيسيا منذ قرنين وبعد هذه المدة لم يبق منهم على الإسلام شخص واحد، وتحولوا كلهم إلى نصارى أو لا دينيين، وتركوا أسماء محمد وأحمد وعبد الرحمن وأصبحوا دان ولوكاس وليفي وسام وفين….
فكيف يضيع المسلم أولاده وذريته إلى يوم القيامة، ويكون سببا في تحولهم عن الإسلام وضياع دينهم أو يكون سببا في دخولهم جهنم إن الدنيا زائلة، وعمرنا فيها قصير، ونحن ضيوف، فليضح المسلم من أجل أولاده.
ومن تزوج بامرأة على غير دينه فقد يختلفان في طريقة تربية الأبناء، وقد تنفصل زوجته عنه آخذة ذريته وماله، ولا ينجو إلا بثيابه، وقد تدفنه زوجته في مقابر النصارى يتأذى بمجاورتهم ويتألم بمشاهدة حالهم، وتفعل نفس الشيء مع أولاده.
وفي تاريخنا القريب قصة طريفة لأبيات شعر قالها محمد الأمين العمودي -من وادي سوف-الكاتب العام لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وقد تزوج صديقه الدّكتور سعدان من ميلة-رحمهما الله جميعا- بفرنسية وله منها غلام سماه أبوه «صالحا» وسمته أمه «موريس»، وكان الوالد سعدان يريد تنشئته على ما نشأه عليه أبواه من حنين عظيم إلى كل ما يتصل بالعروبة والإسلام. وكانت أمه تريد أن تنشئه على ما نشّأها عليه أبواها، فتنازعا فيه، فسجل ذلك محمد الأمين العمودي في أبيات لطيفة ليعتبر بها أمثال سعدان.
حيث يقول العمودي:
حَيِّ الطَّبِيبَ لا تُهْمِل قَرِينَتَهُ
فَهُوَ سُلَيمَانُ، والمَدَامُ بَلْقِيسُ
لَهُ غُلَامُ أَطَالَ اللَّه مُدَتَه
تَنَازَعَتِ العَرَبُ فِيه والفَرَنْسِيسُ
لاَ تعذِلُوهُ إنْ خَانَ مِلَتَه
فَنِصْفُه صَالِحُ والنِّصْفُ مُوِرِيس .

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com