على بصيرة

جمعية العلماء المسلمين الجزائريين والسياسة

أ.د. عبد الرزاق قسوم
رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين/

يا أيها السابحون في بحر السياسة المتلاطم الأمواج! أيها المتعلقون بشعارات المناصب وكراسي الرئاسة ذات الأبراج !
تعالوا بنا، ننقلكم من العالم الضيق ذي الفجاج، إلى منهجية الكياسة وآفاق العلم الوهاج.
تعالوا نسائلكم عن علاقة التسييس السليم بالدين المستقيم، والعلم القويم، وكيف تجسدت هذه العلاقة في المنهج النبراس، الذي تبنته جمعية العلماء أم الجمعيات، وخير جمعية أخرجت للناس.

سيقول بعض الأغرار من الناس: وما هو موقف الجمعية من السياسة؟ بل وماذا تعني السياسة عندها؟
والجواب البديهي الذي يتبادر إلى أذهاننا يكمن في التساؤل المنطقي: وعن أية سياسة يتحدثون؟
فالسياسة في فهم العلماء الحكماء، هي مثل الدواء، إن أخذته بدون وصفة الطبيب، كان السم القاتل، وإن بالغت في الإدمان عليه، صار المدمن عليه كالمريض المختل غير العاقل، وإن لم يُعلم كنهه، ذهب ضحيته الحاذق والغافل.
ذلك أن السياسة، في منهجها العلمي الأصيل، هي سوس الناس بالحسنى نحو المقصد الأسمى، وفي هذا السياق تكون السياسة مرادفة للحرية، والمسؤولية، والعدل، والإنصاف.
فالسياسة، بهذا المعنى السامي للقيم الإنسانية، تلتقي، بل وتنبثق من الإسلام في نقائه، وصفائه. تبنى السياسة في عرف الإسلام –إذن- على الأخوة التي ديدنها الحب، وعلى الحرية التي تقترن بالمسؤولية، وعلى العدل الذي دعامته الإحسان.
فالإنسان القوي –في عرف الإسلام- إذا كان ظالما، يعتبر ضعيفا حتى يؤخذ الحق منه، وبالمقابل، الإنسان الضعيف المظلوم، يعتبره الإسلام قويا، حتى يأخذ الحق له.
غير أن ما زهد في السياسة، كما يفهمها بعض الناس، أو يحاولون تطبيقها، على غير وجهها الصحيح، هو حصرهم لها في التحاسد على المناصب، والتقاتل على كرسي النيابة، والتنابز بالألقاب لتقديس الشخص، والخروج عن النص، ومحاولة الاستيلاء على الفص.
إن هذا الانحراف بالسياسة عن معناها القويم، والنأي بها عن المنهج السليم، هو الذي جعل جمعية العلماء في مبدئها ومقصدها، ومنذ نشأتها، تنأى عن السياسة بمعناها المظلوم، ومبدئها المحروم، وسياسيها المأزوم.
نادت جمعية العلماء، منذ نشأتها الأولى بتطهير السياسة من التعصب الحزبي المشين، ومن الانقياد الأعمى الهجين، ومن التسلق الهمجي الوحشي غير المتين.
وبكلمة واحدة، فإن القول الفصل في السياسة، من منظور جمعية العلماء، وكل العقلاء، هو العمل على بناء الأمة، بمقوماتها، وثوابتها، وإقامة عوامل وحدتها، وتعميق وعيها بالانتماء، ورفع مستوى الحاكم والمحكوم في الأمة، لتأدية كل واحد دوره على قاعدة الشورى، والعدل، كما كان يفعل سلفنا الصالح.
وما السياسة ضرب فوق مائدة إن السياسة بنيان وتشييد
هكذا صاح فينا مفدي زكريا ذات يوم، حينما أدرك بثاقب بصره، وعي جمعية العلماء للمعنى السياسي الوطني الصحيح، وحين لاحظ بصحيح وطنيته بعض الأضداد الذين جبلوا على الأحقاد، فهم يكيدون للجمعية كيدا، وينصبون لها الفخاخ تآمرا وصيدا، ويؤلبون الأغرار عليها كيدا وحقدا.
من هذه السلبيات والضديات، بَنَت الجمعية مواقفها العامة، فنادت بالإصلاح كمنهج شمولي، وعيا منها بالفساد الشمولي، وإن الوعي بالفساد، يمثل أولى مراحل الإصلاح.
فالإصلاح الشمولي، الذي هو أفضل سياسة نادت بها جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، يتوزع على شرايين الحياة الإنسانية كلها، إصلاح يبدأ ببناء العقيدة على أسس العلم والعقل، وإصلاح الاقتصاد بولوج ميادين الكسب بزحزحة المفسدين والمضاربين في السوق، وذلك بتشجيع المشاريع الرسالية، وإصلاح الثقافة بالعلم الذي يتجلى في بناء المعاهد والنوادي، والجمعيات المختلفة. كما أن الإصلاح المنشود، يتجلى من الناحية النفسية، في بناء المواطن الجزائري على أساس الوعي بإنيته، وانتمائه الحضاري، على أن قمة الإصلاحات كلها، سوف يظل هو الإصلاح السياسي، فهو الضامن لكل إصلاحات الأمة، إذ يفتح لها الآفاق، ويمكنها من النمو، والنهوض، بكل وعي، وبكل إشراق.
في ضوء هذه المعطيات كلها، رسمت جمعية العلماء لنفسها، منهجا، يقوم على الحيادية الإيجابية، بالنسبة لكل الأحزاب السياسية، فهي تنفتح عليها جميعا، في كل ما يعود على الوطن بالنفع العميم.
كما أن الجمعية تلتزم بكل قوانين الأمة التي يصادق عليها الشعب، بالاقتراح الحر، وتشد على يد الحكومة في كل القرارات التي تضرب على أيدي المفسدين، وتشجع مبادرات المواطنين الصالحين.
إن العمل الوطني، يتسع لكل الخيرين، ويحتضن كل المواطنين المخلصين العاملين، إلا من أبى منهم، بغض النظر عن اختلاف في القناعة، أو تباين في الإديولوجيا، أو تنوع في المذهبية، بشرط توفر العقول النيّرة، ذات السلوكات الخيّرة.
وكما يقول إمامنا الإبراهيمي: «لقد تجلت كرامة جمعية العلماء في اجتماع وطن في ناد، وبحر في واد، ووطن في عطن».

اظهر المزيد
شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com