قضايا و آراء

مشاعــــر النـــاس ليســــت لـعــبـــــة

أ. لخضر لقدي/

الإنسان كتلة من المشاعر والعواطف والأحاسيس، وليست الكلمات وحدها من يجرح المشاعر، فنكران الجميل وخيانة الصديق وظلم ذوي القربى جروح لا يداويها الزمن ولا تمحوها حوادث الزمان.
وقديما قال طرفة بن العبد:
وظُلْمُ ذَوِي القُرْبَى أَشَدُّ مَضَاضَـةً  عَلَى المَرْءِ مِنْ وَقْعِ الحُسَامِ المُهَنَّـدِ
ومن المعروف الذي يسديه الإنسان لنفسه أن يكف شره المادي والمعنوي عن الناس فيكون ممتنا لنفسه في الآخرة فمن التوجيه النبوي: «تَكُفُّ شَرَّكَ عَنِ النَّاسِ فإنَّها صَدَقَةٌ مِنْكَ علَى نَفْسِكَ». والحكمة تقول: إن لم تنفع فلا تضر.
والمسلم صاحب خير وفضل ودين، وأجمل ما فيه صدقته بالعواطف بمراعاة شعور الناس وعدم مس مشاعرهم، والإحساس بآلامهم، وعدم الإساءة إليهم فلا يخدش أحاسيسهم، ولا يفخر أمام فقير بماله، ولا يتحدث بين يدي عقيم عن كثرة ولده، ويعلم أبناءه أن نصف السعادة في الإحسان إلى الناس، ونصفها الآخر في الصبر على إساءتهم، وأن مشاعر الناس ليست لعبة، وأن بعض الكلمات جارحة وربما قاتلة، وأنه لا فخر على الآخرين بغلاء لباس، ولا بالبلد الذي تقضى فيه الإجازات، ذلك أن الافتخار ممقوت بلسان الشرع ويجلب المصائب والحسد وربما تمنى بعض الناس زوال النعمة عنه، وربما دعوا عليه بالفقر والإفلاس.
والصدقة كما تكون بالمال تكون باللسان وتكون بالحال، والإحسان إذا كان مقترنا بالأذى كدّر الصفو.
وقد كانت سيدتنا عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، تطيب دراهم ودنانير الصدقة بالمسك، وعندما سئلت عن ذلك، أجابت: لأنه يقع في يد الله سبحانه وتعالى قبل أن يقع في يد الفقير والمسكين والمحتاج.
ويقول الشيخ على الطنطاوي رحمه الله: رأيت البنت البارحة، قد أخذت شيئا من الفاصوليا، وشيئا من الرز، وضعتهما في طبق كبير من النحاس، ووضعت عليهما قليلا من الباذنجان، ورمت في الطبق خيارة وحبات من المشمش، وذهبت به، فقلت: لمن هذا يا بنت؟ قالت للحارس، أمرتني ستي أن أدفعه إليه.
قلت: ارجعي يا قليلة الذوق، هاتي صينية، وأربعة صحون صغار، وملعقة وسكينا وكأس ماء، وضعي كل جنس من الطعام في صحن نظيف، فوضعت ذلك كله في الصينية، مع الملعقة والسكين والكأس.
وقلت: الآن اذهبي به إليه.
فذهبت وهي ساخطة تبربر وتقول: كلاما لا يفهم.
فقلت: ويحك هل خسرت شيئا؟ إن هذا الترتيب أفضل من الطعام، لأن الطعام صدقة بالمال، وهذه صدقة بالعاطفة، وذلك يملأ البطن، وهذا يملأ القلب، وذلك يذلّ الحارس، ويشعره أنه شحاد منَّ عليه ببقايا الطعام، وهذا يشعره أنه صديق عزيز، أو ضيف كريم.
وتلك يا أيها القراء، الصدقة بالمادة، وهي هذه الصدقة بالروح، وهذه أعظم عند الله، وأكبر عند الفقير، لأن الفرنك تعطيه السائل، وأنت مبتسم له، أندى على قلبه من نصف الليرة تدفعها إليه، متنكراً له متكبراً عليه.
والكلمة الحلوة تباسط فيها الخادم، أبرد على كبده من العطية الجزيلة، مع النظرة القاسية، وأن تستقبل يا أيها الموظف الكبير، رفيقك في المدرسة، مرحبا مؤنسا طارحا الكلفة مظهرا الألفة، ثم تقضي له بعض حاجته، أبرّ به وأسرّ إلى نفسه من أن تقضي له حاجته كلها، وأنت متجهم له، مترفع عليه، تعامله كما يعامل الموظف الكبير المراجع لا يعرفه.
فيا أيها المحسنون، أعطوا من نفوسكم، كما تعطون من أموالكم، وأشعروا الفقراء أنكم إخوانهم، وأنكم مثلهم، وانزلوا إلى مكانتهم، لتدفعوا إليهم الصدقة يداً بيد، لا تلقوها عليهم من فوق، فإن صرة الذهب إن وضعت في يد الفقير أغنته، وإن ألقيت على رأسه من الطبقة السادسة قتلته! « […من كتابه مقالات في كلمات].

اظهر المزيد
شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com