اتجاهات

حاجتنا إلى المواعــــظ

عبد العزيز كحيل/

ماذا أقول عن زماننا هذا؟ كل شيء قد قيل:غلبة النزعة المادية، رقة الدين، تراجع الأخلاق، سطوة الآفات من كل نوع، خفوت صوت الدعوة، ارتفاع صوت الإلحاد… والحل؟ هو – إجمالا – إحياء القلوب: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ؟}[سورة الحديد:16] …أجل، آن أوان تعليم القلب الخشوع والعين الدموع، لابد من مضاعفة الاهتمام بحال القلوب وربطها بعلام الغيوب… والقلب محل نظر الله تعالى، وهو المحطة الأولى في صلاح الإنسان، وحاجته إلى التغذية التي تديم عليه الحياة والصحة كحاجة الجسم، وإنما يتمثل طعامه وشرابه في المواعظ الرقيقة المؤثرة، وأحسن موعظة هي كلام الله تعالى ووصايا الرسول صلى الله عليه سلم، وقد اشتغل بذلك أرباب القلوب وأساطين التربية الروحية من قديم، فاستخرجوا الدرر والجواهر من الوحي المنزل وكلام المعصوم صلى الله عليه وسلم… وتبقى المواعظ حاجة ملحة لازمة ما بقي في الناس إسلام وإيمان، لهذا شرعت خطبة الجمعة واعتمد الخطباء تشنيف أسماع المؤمنين بالمُلح الرقيقة التي تخشع لها القلوب وتدمع لها العيون، والمكتبة الإسلامية تطفح بكتب المواعظ والرقائق والتحلية النفسية، على رأسها أسفار متميزة كتب الله لها الانتشار الباهر والقبول الحسن، مثل «إحياء علوم الدين» لحجة الإسلام أبي حامد الغزالي، و«مدارج السالكين» للإمام ابن القيم، و«الحكم العطائية»، و«الرسالة القشيرية»، و«حلية الأولياء» للأصفهاني.
حري بهذه المواعظ أن تقاوم نزعات الشر التي استولت على النفوس وتغالبها بمسحات الخير حتى يستقيم المسلمون عاطفيا، إننا في حاجة إلى إحياء الأثر القديم «تعال نؤمن بربنا ساعة» لنتحرر ولو جزئيا من نير الحياة المادية الطاغية التي امتد لهيبها إلى القلوب فضلا عن السلوك، وإنما يعني هذا تزكية النفوس وإحياء خلق المراقبة وتسليط الضوء عليه حتى نعبد الله كأننا نراه، وحتى نتصرف في حياتنا ونحن نشعر أن عينه التي لا تنام ترقبنا.
وأمراض القلوب مجال متشعب في حاجة إلى أطباء مهرة نطاسيين وأدوية قوية فعالة لمعالجة آفات الكبْر والحقد والشحناء والحسد والقسوة التي عششت في قلوب كثير من المتدينين فضلا عن غيرهم.
هذه الأمراض عششت في قلوب كثير من الناس وباضت وفرخت فانعكس ذلك على السلوك وعلى العلاقات وعلى الحياة كلها فجرّها إلى التباغض والتناحر والتقاطع، فوجب التنادي بإشاعة كل ما من شأنه أن يمكّن في النفوس للألفة والرقة والرحمة والمسامحة، والاهتمام بالقلب يقود حتما إلى الاهتمام بالجوارح، والعلاقة جدلية معروفة بين العواطف والسلوك، والبداية تكون بإحياء روح العبادات وتجديد الصلة بالله من خلال الخشوع في الصلاة بدل مجرد تأديتها، وبتلاوة المسلم للقرآن ليس ليختم المصحف فحسب بل ليستمع إلى آي الذكر الحكيم وهي تخاطبه هو وكأنها تتنزل عليه، فيتفاعل معها، تنشط عقله وترقق قلبه وتطهر حواسه وتجعلها إيجابية مستقيمة، هذا بدل التلاوة الباردة والأداء الطقوسي الرتيب، والفرق بين الأمرْين واضح وشاسع، فالقرآن الكريم ينبعث من البيوت والمحلات والسيارات والحافلات لكن تأثيره على الناس لا يكاد يُذكر… وهذا ما يحتاج إلى سحر الموعظة… ذكروا أن الحسن البصري تلا قول الله تعالى {إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَن خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيّاً} فسجد ثم قال: «هذا السجود فأين البكاء؟»…أجل، هذه هي المشكلة.
ولعل أول دواء فعال لما نشكوه هو إحياء معاني حب الله ورسوله… والمسألة ليست مباحث كلامية ولا ترديدا لآيات وأحاديث، بل هي سرّ خفي غاب عن القلوب يجب أن يعود إليها، هذا الحب عندما يسكن القلوب يفعل فعل السحر فتصبح القلوب غير القلوب، ويصبح الإنسان غير الإنسان…هذا الحب يجعل صاحبه يمشي على الأرض وهو معلق بالسماء لا يكاد يبالي بمن على البسيطة ولا ما عليها، شعاره «وكل الذي فوق التراب تراب»… وحب الله ورسوله يفضي حتما إلى الحب بين المسلمين وينمي الأخوة الإيمانية ويحملهم إلى ظلال الأثر النبوي الكريم: «إِنَّ الله تَعَالى يَقُول يَوْمَ القِيَامَة: أَيْنَ المُتَحَابُّونَ بِجَلاَلِي؟ اليَوم أُظِلُّهُم فِي ظِلِّي يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلاَّ ظِلِّي». [رواه مسلم].
ما أحوجنا إلى إحياء هذه المعاني الرفيعة وإحياء القلوب بنورها وتزكية النفوس بعبقها… إنه واجب الوقت، يقتضي تجاوز المباحث التجريدية والخوض في المسائل الفرعية الخلافية وشغل الناس بما لا ينبني عليه عمل…نعم، نحتاج إلى العقل الذكي والفكر الراقي لكن ذلك لا يجدي شيئا في غياب القلب الحي والمشاعر الرقيقة…إن غياب التربية الروحية خطر كبير على الإنسان، وعلى المسلم قبل غيره، وهي تلتمس في مجالس العلم بين أيدي العارفين بالله المتجردين من الأهواء المخلصين لربهم ودينهم، في حلقات إيمانية يجب أن تعمر بها المساجد ويؤمها السائرون في طريق الله، يتعلمون فيها العلم والأدب والأخلاق انطلاقا من تصحيح مسار القلوب وصقل النفوس على يد أطباء بارعين يُلتقط أطايب كلامهم كما يُلتقط أطايب الثمر.
إن جوع الروح يغوّل سلطان النفس والهوى فينعكس ذلك على كيان الإنسان وعلى الأسرة والمجتمع والإنسانية، وها نحن أولاء نكتوي بتلك النار، ولن ننجو منها إلا بتكثيف المواعظ التي تتولى التخلية والتحلية، تفرغنا ثم تملؤنا، تغسل القلوب من أدرانها وتداوي النفوس من أسقامها، مواعظ تتناول ضعف الإيمان ومظاهره وطرق تقويته، وتعرّج على تجديد الصلة بالله، وتغرس في النفوس «جعلت قرة عيني في الصلاة»، وتعرض مشاهد القبر والعرض والحساب والجنة والنار كأنها رأي العين…لعل كل هذا يحرك إيمان المؤمنين، ويعيد الرقة إلى القلوب فتخشع، والتأثر إلى العيون فتدمع…والقلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن تقلب كيف يشاء، والسعيد من ثبت الله قلبه في الدنيا والآخرة، والشقي من وُكل إلى نفسه وأضاع قلبه في أودية الشهوات والشبهات، ولا يدخل الجنة إلا من أتى الله بقلب سليم…فالأولوية للقلب السليم.

اظهر المزيد
شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com