مقاربات

مدينــة عنابـــة بمنــاسبــــة مـــرور ثــلاثين قــرنــا علــى تأسـيـسـهـا صورة عنابة في كتابات الرحالة العرب والمسلمين(4)

أ. د. محمد عيلان/

أما في الجانب الثقافي فإن المراجع لا تتحدث عن الثقافة والمثقفين في المدينة، الا ما كان من أمر القديس أوغسطين، والعالم الفقيه الزاهد أبو مروان، اللذين طبعا المدينة بطابعهما المتشابه في الوظيفة في الديانتين الإسلامية والمسيحية، أما ماعدا ذلك فإن المراجع العربية تنتقل مباشرة لتشير إلى أن مدينة (عنابة) عرفت في الفترة العثمانية ازدهارا ثقافيا ومعرفيا طبعاها بطابع ديني، وبرز فيها (علماء) وشيوخ فضلاء، فقوي تيار الصوفية والمرابطين، ونشطت حركة الزوايا.
وتبرز مدينة (عنابة) بحركتها الثقافية في العهد العثماني، من خلال عديد (العلماء) الذين كانوا فقهاء ومدرسين وأصحاب طرائق صوفية، وأغلبهم كانت له صلة بغيره من (العلماء) في تونس وليبيا والشرق العربي، سواء بالمراسلة أو بالزيارات، وقد اشتهروا بمنح إجازات (العلم) والتدريس، خاصة في القرن الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديين، ولم يتوانوا في ذلك، فأرسلوا الإجازات ومنحوها لمن طلبها، إذ بمجرد أن تأتي قصيدة لشاعر ما يطلب من شيخ أو (عالم) في مدينة (عنابة) أن يتكرم بقراءتها ومنحه إجازة، فيجيبه حسب رغبته وحسب موضوعه، وقد ثار على هذه الطريقة عبد الكريم الفكون القسنطيني، وهاجم أمثال هؤلاء (العلماء) وتدنى مستواهم إلى مستوى الشعوذة والخرافة (31).
ورغم ذلك تبدو (عنابة) منذ القرن السابع عشر ميلادي مدينة تعج بالزوايا وبالطرقيين والمريدين، ويؤمها طالبو (العلم) والمعرفة من أقطار مختلفة من المغرب العربي وغيره، وكتب المناقب والتاريخ الثقافي لهؤلاء الطرقيين مملوءة بأسمائهم، ونذكر منهم فئتين:
1 ــ فئة المرابطين وما يشبههم ممن ادعوا التصوف عن غير دراية، وهؤلاء ابتعدوا شيئا فشيئا عن (العلم) واقترب كثير منهم من التدجيل والخرافة، ولم تكن لهم فلسفة في التوحيد ولا عقيدة واضحة في الدين، وكل ما كانوا يفعلونه هو بناء الزوايا، وادعاء الكرامات، وإعطاء العهود، وحفظ الأوراد، وتلقين الأذكار، وجمع المال والهدايا من الفقراء، واستغلال العامة عقليا وماليا، وقليل منهم من سلك طريق الزهد والتصوف، وعاش لدينه وعلمه ـ ومعظم الطرائق الصوفية كانت نسخا مكررة لبعضها، ولا تكاد تختلف سوى في الزمن أو البيئة أو في الاعتدال أو المبالغة، وأغلب الطرائق مستوردة من المغرب كـ (الدرقاوية)، (الطيبية)، (الزيانية)، أو من المشرق كـ(القادرية)، و(الخلوية)، أو من تونس كـ(الشابية)..(32)
ومع ذلك فقد لعب هؤلاء دورا بارزا من خلال زواياهم التي تعلم فيها الناس القرآن والحديث النبوي الشريف، وحافظوا على تفردهم وتميزهم العربي الإسلامي. وكانت زواياهم قد تراكمت فيها المؤلفات في المناقب والتصوف وعلوم الفقه واللغة، كما كانت وسيلة سياسية يحذرها الحاكم، ويطلب رضاها لخدمة أغراضه سواء في العهد العثماني أو في العهد الاستعماري، وكان الحكام يسعون إلى كسب صداقة هؤلاء الشيوخ ويراسلونهم ويتبرعون إليهم، ويقبلون تدخلاتهم ونصائحهم تجاه العامة، كما فعل يوسف باشا داي الجزائر مع محمد الساسي البوني (33).
2 ــ فئة المرابطين (العلماء) والفقهاءوالمتصوفة (ليسوا عرفانيين)، ومن هؤلاء في مدينة (عنابة) من تجاوز التأليف العادي والفكر الصوفي البادي إلى التأليف في الفقه والنحو والتصوف المعمق والشعر والطب، ولكن رغم (علمهم) ظلوا مثل علماء عصرهم، في بعض البلدان بالمشرق العربي مهتمين بالشرح والحواشي والتقاييد والتعليقات والفهارس والتلاخيص ونظم المنثور (34) نذكر منهم:
1 ــ محمد الساسي البوني، قال عنه الدكتور سعد الله رحمه الله بأنه: كان مرابطا وعالما بارزا في عنابة خلال النصف الأول من القرن الحادي عشر الهجري (17م). (35). وقال في موضع آخر ناقلا من مخطوط عبد الكريم بن الفكون بعنوان: (منشور الهداية في كشف حال من ادعى العلم والولاية) موضحا دروشة هذا الشيخ وتحوله عن الطريقة الصوفية الصحيحة، من خلال إقامته للحفلات الراقصة التي كان يقيمها تحت عنوان «الحضرة» وما كان يفرضه على الناس من أجلها تحت أسماء مختلفة، كختم القرآن حيث يقام (محفل من ذكور وإناث وإنشاد وأشعار بالجامع الأعظم ورقص وغناء) (36) ويضيف سعد الله واصفا أحوال هذا العالم المرابط بقوله: (ويؤثر عنه أنه قال في كلام غَنَّى به: «كنت صاحب الخِضْر عليه السلام، والآن أنا سيده». وكان يذكر في قصائده أنه عرج إلى السماء وكُشف له الحجاب، وقد اتخذ من داره مُسْتحما سماه: «حمام أهل الصَّفا»، وكان يجمع الأموال عن كل طفل في البلد. ومن أهل البادية كان يأخذ زكوات وجبايات، كما كان يأخذ الأموال من أهل الأندلس القاطنين في (عنابة).
وقد قدِم عليه رجل مغربي يدعى: (علي خنجل) كان في طريقه إلى المشرق، وكان يدَّعي أنه «شيخ المشايخ» فاجتمع له الناس وعلى رأسهم محمد ساسي البوني، وجُعلت له (ليالي من آلات وتصفيق وشطح وأناشيد)، وعند وداعه حمله الشيخ محمد ساسي على كتفيه إلى السفينة، وكان (أي محمد ساسي البوني ) ينشد الأشعار والجمع يرد عليه، بينما كان على خنجل «يزجل بزجله» أيضا والجمع يصفق ويشطح ويصيح. (37) ويضيف أيضا الدكتور سعد الله في موضع آخر مكملا صورة هذا المرابط ــــ وفي الوقت نفسه يمكن استخلاص صورة سكان المدينة وحالهم الاجتماعية ـــــ فيقول: (وقد انتصب محمد ساسي للـتدريس في جامع الجمعة «سيدي أبي مروان» (وصار عند أهل عنابة رئيس علم الظاهر والباطن.. لم يقدر أحد أن يرد قوله أو يعترض عليه، بل كان مسموع القول عند الخاصة والعامة) (38).
ويظهر أثر ذلك في مهادنة الحكام العثمانيين له، ونفاذ كلمته لديهم كما ذكرت، آنفا عند عفو الباشا يوسف عن أهل مدينة (عنابة) في ثورة ابن الصخري إثر رسالة أرسلها إليه محمد ساسي البوني. وهذا الأخير هو جد عالم آخر اسمه أحمد قاسم ساسي البوني، صاحب التصانيف العديدة كما سيأتي ذكره .
2 ــ أحمد قاسم ساسي البوني، له حوالي 100 مؤلف، توفي بعنابة عام 1139 هـ 1726م (39) يتمتع بسمعة دينية وعلمية ليس في مدينة (عنابة) فقط، ولكن في خارجها أيضا، فقد أخذ العلم في تونس ومصر والحرمين(40)، وقد نَسَبَ أحَدَ حكام الترك وهو (محمد بكداش باشا) إلى أسرة الرسول صلى الله عليه وسلم، وجعله هاشميا. وهو صاحب لغز ذكره ابن حمدوش في رحلته (41).
3 ــ أحمد بن يوسف بن على البوني المالكي، ولد سنة 520 ه ببونة/عنابة، وتوفي بالقاهرة سنة 622 ه ألف مايقارب أربعين مؤلفا، لكنه اشتهر بكتابه (شمس المعارف الكبرى)، وقدذكرها حاجي خليفة في كتابه (كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون.
4 ــــ ابن العنابي المفتي محمد بن محمود بن حسين (عالم) جليل وداعية عظيم، تأثر بالحداثة الأوروبية، كتب كتابا طالب فيه بالتجديد في الحياة العامة وفي التوجه الحضاري حذو الأوروبيين، وخاصة دعوته التي دعا فيها إلى تحديث الجيش، وتطوير شؤون السياسة مع الخارج وفي الداخل، وقد كان سباقا إلى هذه الدعوة وجريئا في مواجهة أنصار التقليد في المغرب العربي وفي المشرق أيضا، وكان متأثرا بأحداث الثورة الفرنسية، وبمحمد علي بمصر. ألف كتابا اسمه: «السعي المحمود في نظام الجنود» نادى فيه بجرأة حادة تقليد الأوروبيين، وسماهم (الكفار). في المبتكرات والصنائع وفي تطوير لغتهم وتقنياتهم وأسلحتهم، لأن ذلك حسب نظره من الدين، وطالب بالكف عن الافتخار بما فعله السلف، وتجنب ما يصنعه الأوروبيون في الحِرف، بدعوى أنه من عمل النصارى، إذ كان يرى أن ذلك ليس من الدين بحجة أنه من عمل النصارى. عاش إلى سنة 1130 هـ (42).
5 ــ محمد بن عبد الرحمن البوني: كاتب وشاعر، ناقش وعارض أقرانه بشعره في علوم الأدب، وله نماذج أوردها مؤلف كتاب: تعريف الخلف برجال السلف، توفي عام 1018 هـ (43).
6 ــ مصطفى بن رمضان العنابي، من أهل القرن 18 م (44) توفي عام 1130 هـ (45). ألف كتابا سماه : «الروض البهيج في أحكام التزويج»، وله تآليف أخرى، نذكر منها أرجوزة في الفقه الحنفي «الفرائض» أولها: (يقول راجي رحمة الوهابِ الحنفي مصطفى العنابي) (46).
ويقول عن مدينة (عنابة) مسقط رأسه بعد ما غادرها إلى الجزائر العاصمة: «.. وبعد؛ لما انتقلت من بلدي، بلد العُنَّاب دار القرابة والأحباب، بلاد بها نيطت علي تمائمي، وأول أرض مس يدي ترابها، واستوطنت الجزائر المعجبة لكل زائر..»(47). وهو مفتي الحنفية، وتولى عدة وظائف في الدولة.
7 ــ علي بن محمد من عنابة ،كان فقيه البدن (طبيبا) ووليا صالحا، توفي سنة 957 هـ (48).
8 ــ أحمد بن بلقاسم التميمي البوني، نشأ بمدينة (عنابة) وتوفي بها سنة 1726م. ذهب إلى المشرق، كتب كتابا سماه: الأدوية المفردة للأذكياء (49).
ولَعلِّي بعد الإشارات السابقة لعنابة ومعالم من تاريخها وعلمائها قد أبنت بإيجاز عما حل بهذه المدينة منذ أن ظهر عمرانها وبدأ أهلها يواجهون الحياة، فقد بينت صورتها في التاريخ وصورتها عند الرحالة العرب، وأحوالها الثقافية التي جاءت متأخرة بتأثير الثقافة العربية الإسلامية في الشرق العربي، وخاصة في عصور الانحطاط التي تميزت بعدم الاستقرار، وأما صورتها الاجتماعية فإننا نقوم بتوضيحها من خلال دراسة الأقوال والنصوص التي أُثِرت عن باحثين ومقارنين ومتقصِّين ومتتبعين لتلك الصور الاجتماعية، فنجليها ونحدد ملامحها بهدي من التاريخ وكتب الرحالة، ومن الأوضاع البشرية المتطورة عبر الأحداث، أوعبر الموروث الشفوي والمادي الشاهد المترسب، ومثل هذا لا يذكره التاريخ. إنها قراءة أخرى لاستخلاص التاريخ الاجتماعي.

يتبع

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com