إصدارات

قراءة في كتاب “العلامة محمد البشير الابراهيمي وآفاق الحداثة: سؤال التنوير”

أ.زين العابدين شنافي*

صدقت الفيلسوفة الأمريكية حنة آرندت حينما قالت: «إننا لا نتعلم الفكر إلا حينما نطبق المعايير النقدية على فكرنا أيضا، وهذا ما لا يمكن تحقيقه دون عمومية ودون الاختبار الذي ينتج عن احتكاكنا بتفكير الآخرين». وصدق أيضا الفيلسوف الألماني ايمانويل كانط حينما قال: «الاستعمال العمومي لعقلنا يجب أن يكون دائما حرا وهو وحده الذي يمكنه نشر الأنوار واشعالها بين البشر».
يعد هذا الكتاب الذي بين أيدينا من الدراسات الفكرية المتفردة في فكر الابراهيمي التنويري خاصة من زاوية فلسفة الأنوار، كأفق جديد يتيح لنا فرصة المساءلة والمراجعة لسؤال التنوير بغية ترسميه وتمثله داخل نصوص فكرية وفلسفية وأدبية متخارجة عما أنتجه العقل الغربي، المنطلق في ذلك ضرورة التأكيد على أنه لا يمكن اعتبار التنوير تجربة استثنائية ارتبطت أنطولوجيا بقومية وجغرافيا معينة.
يندرج كتاب “العلامة محمد البشير الابراهيمي وآفاق الحداثة” ضمن مسار جديد وأفق طريف وكإضافة جديدة ومهمة تثري المكتبة العربية التي تفتقد إلى طرح إشكاليات فلسفية تناولت قضايا الأنوار، فتبرز أهمية هذا الجهد الفكري الفلسفي من زاويتين اثنتين: الأولى تتجلى في مسؤولية الإشراف التي تحمل أعباءها الدكتور محمد صادق بلم رحمه الله الذي يعد من المتفردين بفتح حوار ونقاش فلسفي عميق حول فلسفة التنوير عند الابراهيمي، أي أن نفكر فلسفيا مع الابراهيمي، فكان له الجهد الوافر في أن يخرج هذا العمل إلى الوجود بالفعل، من خلال التقديم والتنسيق لفصوله ومتونه.
وتكمن الأهمية الثانية: في أن هذا الجهد الفكري المغاربي هو ثمرة جهد أكاديمي جماعي بذله المتعاقدون في النهوض بالفكر الفلسفي والثقافي، من خلال استئناف سؤال التنوير والتفكير من جديد في روح الأنوار والممارسات الاستعمارية خاصة عندما يتعلق الأمر بسؤال التنوير العربي الإسلامي الذي يظل مغيبا منذ اللحظة الرشدية بسبب أحكام القيمة المسكونة بذاتية مغشوشة لا تدرك الآخر إلا كعدو أبدي مفرغ من كل قيمة، أو يمكن أن نصفه باللغة الكانطية: «وهم العقل الذي يدعي حيازته على كل معرفة، وهو ذاته العقل الكسول الذي يصبح مكانا للحلم لا للتفكير».
وسؤال التنوير حسب الدكتور محمد صادق بلم يمكن اعتباره أفقا للمستقبل لا نريده زينة لفظية، وانما نريد أن نجعل منه مضمونا فكريا و ثقافيا حافلا بأسئلة الراهن، المؤسسة على قاعدة حرية النقد التي بدورها تبقي على الانسان في العالم.
أول هذه الأسئلة الحارقة بلغة البشير ربوح رحمه الله التي طرحها هذا الكتاب الذي احتوى على العديد من الأبحاث والدراسات المتميزة المقدمة في الملتقى المغاربي الأول المنعقد بمدينة رأس الوادي ولاية برج بوعريريج، الموسوم “الابراهيمي و أفاق الحداثة”: سؤال التنوير أيام 10-12-11 أفريل 2015، كيف يمكن أن يكون التنوير فعلا وجوديا يروم تغيير نظرتنا إلى ذاتنا و إلى العالم؟ و بأي رؤية يمكن استثمار قيمة التنوير في واقع مأزوم يعاني الكثير من الاعطاب والأعطال؟ هل بالإمكان أن تكون نصوص العلامة البشير الابراهيمي حاضنا لسؤال التنوير بكل مضامينه النظرية والعلمية؟ وكيف يمكن أن يكون التنوير عند الابراهيمي مستنبتا من داخل الانسان؟ وفي أفق الإصلاح والتغيير كيف يمكن أن تسعفنا رؤية الابراهيمي التنويرية في أن ندشن مشروع التقدم؟
وفق هذا المنظور لا يغدو التنوير سوى قدرة على النقد والمراجعة الذاتية، ونبذ كل أشكال التسلط الأبوي وذلك لا يكون إلا من خلال استنطاق نصوص الابراهيمي كمنطلق لفتح دروب جديدة تنتشلنا من الإعياء الأنطولوجي، تخرجنا من الإقامة داخل كهوف محجوب عنها النور، بذلك يكون التنوير محكوما بالعود الأبدي الذي ليس له سوى إمكانية أنطولوجية تحوّل دون المماهاة بين حقبة تاريخية معينة وسؤال التنوير.
هكذا يقحمنا الابراهيمي حسب توصيف الدكتور محمد الصادق بلم داخل مشروع تنويري تقدمي يؤسس لدرب العلم و العمل، وفي منأى عن الأقوال الفارغة التي تكرر ذاتها دون أن تحول الصحراء إلى واحة بلغة المفكرة الألمانية حنة آرندت، فالإبراهيمي يمتلك عينا فلسفية بتعبير كانط، تدرك و تؤكد التأكيد والالحاح الدائم للذات العربية الإسلامية في وحدتها المستمر، بما أن الوجود داخل العالم هو دأب على الوجود والبحث عن كوجيتو النقد والجراءة في اتخاذ القرار والاحتفاظ للذات بزاوية نظر.
جامعة الجزائر 2*

اظهر المزيد
شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com