سلسلــــة الاقتصــــاد والأخــــــلاق

نحو مقاربـــة تراحميـــة للاقتصـــاد : دراســـة نقديـــــة للاقتصـــاد التعاقـــــدي جائحـة كورونا وسقوط ورقة التوت عن الاقتصاد التعاقدي النيوليبرالي

د. لحلو بوخاري */

كشفت جائحة فيروس كورونا عن مدى هشاشة الحياة البشرية، وعمق الأزمة في الحضارة المعاصرة، والنظام الرأسمالي النيوليبرالي، إذ لم يسبق للبشرية أن عرفت مثل هذا التدهور الأخلاقي وتآكل القيم الإنسانية، مثلما تشهده اليوم، وذلك نتيجة هيمنة القيم التعاقدية على كل جوانب الحياة البشرية، فقد تم اختزال دوافع الإنسان وفق هذه القيم في السعي وراء الربح والمصلحة الذاتية، جاعلة منه مجرد كائن مادي تتأسس معاملاته على المنفعة الخالية من كل حس عاطفي، هدفه الوحيد هو تعظيم الثروة والاستهلاك، واعتبار ”السوق الحرة” الطريق الأكثر جدارة إلى تحقيق الرخاء المشترك لجميع البشر، وقياس التنمية على أساس الأرقام فقط، كل ذلك على حساب القيم التراحمية المؤسسة على الأخلاق الفاضلة، كالتعاون والتكافل والتضامن والمساواة، والسمو الروحي، والأخوة الإنسانية، والانسجام العائلي والاجتماعي، والعدالة الاجتماعية، والحفاظ على البيئة، وهو ما يعتبر نفيا لسنن التاريخ البشري، فقد ذهب المفكر مالك بن نبي إلى أن أي نظام اقتصادي إنما توجهه القوى الأخلاقية التي تخلع عليه تفسيرا إنسانيا وغاية تاريخية، وهو ما افتقدته البشرية في ظل الرأسمالية النيوليبرالية، هذا النظام الذي لا يحمل أي مشروع إنساني قادر على إعطاء الحياة والتاريخ معنى، نظام أقصى غاياته هي تحقيق النمو من أجل النمو، نمو لا غاية له، ينتج كل شيء نافع وغير نافع، ومؤذ بل مميت، كالأسلحة والمخدرات، ويرسل البعثات الاستكشافية إلى الفضاء البعيد عن كوكب الأرض بملايين الكيلومترات، في حين يعجز عن الوصول إلى بطون الملايين من الجائعين والمشردين على كوكب الأرض، لقد مات حوالي 360 مليون إنسان من الجوع والأمراض القابلة للعلاج في وقت السلم، في العشرين عامًا التي تلت نهاية الحرب الباردة، أكثر من الذين ماتوا في جميع الحروب الأهلية والقمع الحكومي طوال القرن العشرين، كما يستمر الفقر في الانتشار، مثلما تؤكد ذلك الإحصاءات الرسمية، حيث يعاني 963 مليون شخص من سوء التغذية المزمن.
في الوقت الذي بلغ فيه حجم التجارة العالمية حوالي 20 تريليون دولار من السلع والخدمات المختلفة، تفاجأ العالم بعد انتشار جائحة فيروس كورونا بقصور كبير في إنتاج أجهزة التنفس والكمامات وأجهزة الرعاية الصحية الأخرى، كما لم تجد الدول الغربية حرجا في ترك كبار السن غير المنتجين يلقون حتفهم نتيجة الإهمال، ووجدت العديد من الدول نفسها غير قادرة على أداء أبسط وظائف الحكم كحماية الأرواح وتأمين سبل العيش، فقد تم تقويض سلطة الدولة واستنفاذ قدراتها باسم الكفاءة المتفوقة للسوق، مما أدى إلى تفتيت الأنظمة الصحية وخصخصتها في العديد من البلدان وتمت التضحية بصحة السكان على مذبح الربح دون أي اعتبار لقدسية النفس البشرية.
تلخص هذه الصورة فشل نظام الإنتاج والتبادل الرأسمالي النيوليبرالي، كما تبين هذه الجائحة وغيرها من الأزمات الاقتصادية والمالية السابقة على غرار أزمة 2008، أن الأزمة لم تكن أزمة داخل النظام وإنما هي أزمة نظام بأكمله، لقد فشلت الأصولية اليمينية التي ترى أنه يحب أن نترك كل شيء للسوق”تأليه السوق”، وأن الأسواق الحرة يجب ألا تكون حرة فحسب، بل وخالية من القيم أيضا.
أمام هذا الفشل المستمر لنظام الإنتاج والتبادل الرأسمالي النيوليبرالي في التصدي للأزمة وتحقيق الرخاء الذي بشرت به، تصاعدت الدعوات بضرورة عودة الاقتصاد إلى جذوره الكامنة في الأخلاق، وتحرير الاقتصاد نظرية وممارسة من سلطة رأس المال المالي واقتصاديات الكازينو، وتكريس الجهود للنهوض الاجتماعي القائم على الإنسان والعلاقات الإنسانية التراحمية، واستحضار كيفيات الوجود وكيفيات التضامن، وجودة الحياة والثروات الإنسانية غير القابلة للعد ولا للقياس أو البيع، من خلال إيجاد بدائل قادرة على تحدي قوة رأس المال، وهذا ما سنحاول التطرق إليه من خلال هذه السلسلة من المقالات، التي آثرنا أن ننشرها في جريدة البصائر المباركة. حيث سنحاول في السلسلة الأولى من المقالات، الوقوف على الجذور الأخلاقية للاقتصاد، من خلال العودة إلى التاريخ الطويل للبشرية، وهدم العديد من المسلمات في النظرية الاقتصادية، حيث يقوم التيار السائد في الاقتصاد في كل الجامعات وكليات الاقتصاد في العالم على قبول الفرضيات والنظريات المؤسسة لعلم الاقتصاد السائد، مثل الافتراض القائل بأن السلوك البشري يتحدد بالكامل من خلال المصلحة الذاتية، وفكرة العقلانية، والمنفعة. الوقوف على المنعرجات الكبرى لانفصال الاقتصاد عن الأخلاق، بداية بصعود المذهب التجاري وصولا إلى أثر حركة التنوير، والتي انبثق منها علم الاقتصاد النيوكلاسيكي، وتطبيق قوانين الفيزياء النيوتنية على علم الاقتصاد على حساب البحث التاريخي ومناهج العلوم الاجتماعية.
* جامعة برج بوعريريج

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com