الحـــق الـمر

كيمياء النميمة…

يكتبه د. محمّد قماري/

يحكى أن راهبًا أراد تقديم قربان لله، وفكّر في شراء كبش من حر ماله، إذ أن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا، وفعلاً وجد ضالته واشترى كبشًا يسر الناظرين، ومرّ به يسوقه وفي طريقه صادف أشقياء من عصابةٍ، خطف الكبش ألبابها لبهاء منظره وصحة قوامه، وفكروا في خطة لينتزعوا به الكبش من الراهب…واتفقوا أن يوهموا الراهب أنه اشترى كلبًا لا كبشًا، وفي كل مرة يأتيه أحدهم، يتعجب من أمره، كيف يقدم الراهب كلبًا قربانا إلى السماء؟
تزعزعت ثقة الراهب في نفسه، فهل يعقل أن يرى كل هؤلاء الكبش كلبًا، ويراه هو كبشًا مكتملاً، وقدّر أن الشيطان أراد أن يغويه فصوّر له الكلب كبشًا، فإذا قدمه قربانا لن يتقبل منه، واقدم على إطلاق الكبش وهو يستغفر من غواية الشيطان!
قرأت هذه القصة، وتذكرت حال تلك العصابات التي تقصد أبواب مسؤولين، يحرضونهم على أناس كل ذنبهم أنهم على جانب من الأخلاق ونظافة اليد، وهم في ذلك يقومون بأدوار لا تختلف عن العصابة التي أغرت الراهب بتسريح كبشه المكتمل، إذ يدخل الأول فيقص بداية قصة يتم بعض فصولها شريكه، ويختمها ثالث ورابع، فيقع في نفس المسؤول ارباك، ويسعى في التخلص من معاونه الأمين…
أعرف أن كثيرًا منكم وقف على مثال من هذه القصة، وأعرف أن بعض الطيبين بلغ حد الجنون بسبب بهتان محبوك نسجه خصومه وحاسدوه، وهذه الآفة رافقت البشر منذ القديم، وهي آفة النميمة، لكنها في المجتمعات التي تعمر أوقاتها بالعمل سرعان ما يطويها صمت العاملين، أما في المجتمعات البطّالة حيث تعمر الأوقات بالثرثرة فإنها آلة قاتلة، تجعل العملة الرديئة تحاصر العملة الجيّدة، ولا ترضى إلا بعد أن تكتم أنفاسها، وتضطرها إلى الانسحاب والموت المعنوي…
وأذكر من القصص ما حدث معي في بداية عملي بالمستشفى، إذ طلب مني الطبيب رئيس القسم أن أضحي بعطلتي الصيفيّة، وأن يأخذ هو مدة الصيف كلها لأنه بعيد عن أهله، وليس له من وقت يجتمع فيه بالعائلة إلا الصيف، وقبلت واشتغلت الصيف كله، وخرجت أنا مع بداية فصل الخريف…
ويوم عودتي وجدت الرجل مقطب الجبين، يتقّد الشرر من عينيه، واستقبلني ببرود من (تأبط شرًا)، ورحت أعتصر ذاكرتي عساي قصرت في حقه أو حق المصلحة، فما راعني إلا هاتف المكتب يرن ليخبرني أن الرجل قد كتب تقارير إلى مدير المستشفى ومدير الصحة والوزارة، ولا أعرف أنا من فحوى تلك التقارير شيئًا!
ومرت الأيام، والتقيت الرجل خافض الرأس، ممتقع المحيا وهو يخاطبني معتذرًا: اسمح لي لقد اخطأت في حقك، وطيلة الأيام التي خرجت فيها لعطلتك، كثر زواري وبدون مناسبة، وكل واحد منهم لا يخرج إلا بعد أن يأتي على سيرتك، وتشكّلت لدي صورة سلبيّة أقسمت معها ألا تضع رجلك في هذه المصلحة ما دمت فيها، وبعد خروجك منها شهد العمال على كذب ذلك الافتراء…وأراد أهل النميمة أمرًا، ونسجت الأقدار منحة ساقتني في طريق أخصب وأجدى.
وفي القديم كانت الكيمياء مصطلحًا يدل على شيء واحد، وهو التمكن من صناعة الإكسير، والإِكْسِير هو مادَّة مركَّبة، كان الأَقْدَمون يزعُمون أَنها تحوِّل المعْدِن الرَّخيص إِلى ذهبٍ، وهم لم يحصلوا طبعًا على ذهب ولا فضة، حتى جاء علم الكيمياء الحديث فعمل على تصنيف المادة، وحدد أوزانها الذرية، ومنه عرفت خصائصها ونفاسة كل عنصر فيها، فرقائق السيلكون كانت في الأصل مادة تافهة، فجعلت منها أبحاث الكيمياء، وادا لمصانع تدر ذهبًا في أمريكا.
وإكسير أهل النميمة يختلف عن إكسير أهل الكيمياء القدامى، هو هواية مقامرين يريدون تحويل الناجحين من عباد الله إلى كائنات لا تزعج اخفاقاتهم، ولكنه إكسير فعّال ومدمر، يزيد المجتمعات المتخلفة تخلفًا، ويحرمها من كفاءاتها، ويقذف بأنصاف المواهب والتافهين إلى الصدارة، وتلك كيمياء أخرى تحدث عنها ابن الرومي في بيت شعر بليغ:
إن للحظ كيمياءً إذا ما
مَسَّ كلباً أحالهُ إنسانًا
ولعل ابن الرومي اكتفى بالإشارة لكيمياء (الحظ) في زمنه، وربما لو أدرك زمن تغوّل (النميمة) لكان له رأي آخر، صحيح أن المعنى واحد وهو ذلك (الإكسير) الذي يمس التافهين فيجعلهم يتصدرون، وموقعهم أن يكونوا تابعين لا متبوعين، لأن في تقدمهم ضياع مصالح العباد، وفساد حياتهم، وفقدان المجتمع لوجهته السليمة.
وربما لفداحة كل تلك المخاطر، أوصى القرآن الكريم بضرورة (التبيّن) والفرز في الأخبار التي ينقلها الفسقة، والفاسق هو كل من يخرج عن ضوابط الشهامة الأخلاقيّة بمعناها الحضاري.

اظهر المزيد
شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com