معالجات إسلامية

الإسلام … واليوم الدولي للتسامح

د. يوسف جمعة سلامة*

يُوافق يوم الثلاثاء القادم السادس عشر من شهر نوفمبر ذكرى اليوم الدولي للتّسامح، ونحن في كلّ مناسبة نُبيِّن وجهة نظر الإسلام كي يكون المُسلم على بَيِّنة من أمرِ دينه.
لقد أنعم الله سبحانه وتعالى على البشريّة جمعاء برسالة سيّدنا محمد –صلّى الله عليه وسلّم- هذه الرسالة التي ختم الله بها الرسالات، وجاءت كاملة شاملة: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا}(1)، ومن المعلوم أنّ الرسالة السماويّة التي نزلت على سيّدنا محمد – صلّى الله عليه وسلّم– في بطحاء مكّة قد انتشرت في أرجاء المعمورة انتشاراً سريعاً خلال فترة وجيزة بفضل الله تعالى وعونه، فديننا الإسلامي انتشر بالأخلاق الطيّبة السّمْحة وفي مقدمتها خُلُق التسامح الذي تَحَلَّى به التجّار المسلمون يوم طافوا البلاد شرقاً وغرباً، فانتشر الدين الإسلامي بالأخلاق الكريمة والصفات الطيّبة من تسامح وصدق وأمانة…الخ، ودخل الناس في دين الله أفواجا.
الإسلام دين التسامح
إِنَّ ديننا الإسلامي الحنيف يحثُّ على التّسامح ويُشجّع عليه، حيث إنّه قائم على السّماحة في العبادات والتشريعات، كما أنّه قائم على التسامح في أخلاقه ومعاملاته مع الغير، فقد زرع في نفوس المؤمنين المعاني الإنسانية والأخلاقية السامية، ورسمَ لهم منهجاً يقوم على التراحم والتعاطف والتسامح والتّرفُّع عن الأحقاد، وقامت حضارة الإسلام على الإخاء الإنسانيّ والتفاعل مع الحضارات الإنسانية الأخرى، ومن الجدير بالذكر أنّ التسامح من أبرز أخلاق رسولنا – صلّى الله عليه وسلّم – كما جاء في الحديث: (بُعِثْتُ بِالْحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ) (2)، وعندما نتصفح كُتُب السيرة فإنّنا نجد صفحات مشرقة عن التسامح الإسلاميّ والأسلوب الطَّـيِّب الذي اتبعه المسلمون في احترام الآخرين والتعامل مع الغير.
أثر التسامح والعفو
لقد كان رسولنا – صلّى الله عليه وسلّم – الأسوة الحسنة في التسامح والعفو والعدل وحُسْن التعامل مع الآخرين، فقد ذكر الإمام ابن حجر في الإصابة: أنّ فُضَالة بن عُمَيْر الليثي ذهب قاصداً قتلَ النبي – صلّى الله عليه وسلّم – أثناء طوافه بالبيت، فلما دَنَا منه، قال الرسول – صلّى الله عليه وسلّم -: «أفضالة؟!» قال: نعم، فضالة يا رسول الله، قال: ماذا كنتَ تُحدِّث به نفسك؟ قال: لا شيء، كنتُ أذكر الله!، فضحك النبي– صلّى الله عليه وسلّم –، ثُمّ قال: استغفر الله، ثم وضع يده على صدره فَسَكَنَ قلبه، فما كان من فُضالة إلا أن قال: والله ما رفع يده عن صدري حتى مَا مِنْ خَلْقِ الله أحبّ إليَّ منه، وأسلم فُضالة بهذا التسامح الكبير والعفو الكريم من رسول الله – صلّى الله عليه وسلّم -، وزالت من قلبه العداوة، وحلَّت محلَّها محبّة رسول الله– صلّى الله عليه وسلّم-.
تأمّل أخي القارئ الكريم هذا الموقف النبوي العظيم، كيف قابل النبي – صلّى الله عليه وسلّم – رغبة القتل والعدوان من فُضالة بالابتسامة الصادقة والمعاملة الكريمة والدعاء له بالهداية والمغفرة، واليدِ الحانية التي كانت بَلْسَماً سَكَنَ به قلب فُضالة، فشرح الله صدره للإيمان، وتحوَّل الموقف من العداوة إلى المحبّة، كما جاء في قوله سبحانه وتعالى: { وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ}(3)، فهذا الموقف يُبَيِّن مدى تسامحه – صلّى الله عليه وسلّم – وعفوه عن الآخرين، وأنه كان يقابل الإساءة بالإحسان.
من سماحة الإسلام
لقد جاءت آيات القرآن الكريم والسُّنَّة النبوية الشريفة تُؤكّد على سماحة الإسلام وتدعو إلى اليُسْر والرّفق ورفع الحرج، كما جاء في الحديث الشريف عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِيِّ، قَالَ : (بَيْنَا أَنَا أُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، إِذْ عَطَسَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ، فَقُلْتُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ، فَرَمَانِي الْقَوْمُ بأَبْصَارِهِمْ، فَقُلْتُ: وَا ثُكْلَ أُمِّيَاهْ، مَا شَأْنُكُمْ تَنْظُرُونَ إِلَيَّ؟ فَجَعَلُوا يَضْرِبُونَ بأَيْدِيهِمْ عَلَى أَفْخَاذِهِمْ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُمْ يُصَمِّتُونَنِي، لَكِنِّي سَكَتُّ، فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَبأَبي هُوَ وَأُمِّي، مَا رَأَيْتُ مُعَلِّمًا قَبْلَهُ وَلا بَعْدَهُ أَحْسَنَ تَعْلِيمًا مِنْهُ، فَوَاللَّهِ مَا كَهَرَنِي وَلا ضَرَبَنِي وَلا شَتَمَنِي، قَالَ: إِنَّ هَذِهِ الصَّلاةَ، لا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلامِ النَّاسِ، إِنَّمَا هُوَ التَّسْبيحُ وَالتَّكْبيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ، أَوْ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-)(4).
هذا الموقف من رسولنا – صلّى الله عليه وسلّم- يُظهر سماحة الإسلام وَيُسْره، وسماحته– صلّى الله عليه وسلّم- وحكمته ورفقه بأصحابه – رضى الله عنهم أجمعين-، والمُتَتَبِّع لأفعاله – عليه الصلاة والسلام- وهدايته لقومه وتعليمه لأصحابه– رضى الله عنهم أجمعين- في مناسبات مختلفة يعتقد تمام الاعتقاد أنَّ الإسلام يُسْرٌ لا عُسْر؛ لذلك يجب على الداعية أن يكون واعياً بما يدور حوله، مُتسامحاً مع الآخرين، بعيداً عن تنفير الناس، وأن يكون عالماً بأسلوب الدعوة والتوجيه خصوصاً مع مَنْ يجهلون الأحكام الشرعية، فقد نصح النبي–صلّى الله عليه وسلّم – معاذ بن جبل وأبا موسى الأشعري –رضي الله عنهما– حين أرسلهما إلى اليمن، قائلاً: (يَسِّرَا وَلا تُعَسِّرَا، وَبَشِّرَا وَلا تُنَفِّرَا)(5).
اذهبـوا فأنتم الطلقاء
ذكرت كُتُبُ السيرة أنّ رسولنا – صلّى الله عليه وسلّم – عاد إلى مكّة المكّرمة فاتحاً بعد أن أُخْرج منها، فقد عاد إليها- صلّى الله عليه وسلّم – على رأس جيش بلغ أكثر من عشرة آلاف من المسلمين، ودخل – صلّى الله عليه وسلّم – مكّة دخول الشاكرين لله -عزَّ وجلَّ-، دخلها وهو راكبٌ على ناقته تواضعاً وشكراً لله عزَّ وجلَّ، وكادت جبهته – صلّى الله عليه وسلّم – أن تَمَسَّ عُنُقَ ناقته، وكان يُرَدّد قوله سبحانه وتعالى: {وَقُلْ جَاء الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا}(6).
وسيطر الرّعب على أهل مكّة خوفاً من أن ينتقم منهم – صلّى الله عليه وسلّم – نتيجة أفعالهم معه ومع أصحابه- رضي الله عنهم أجمعين -، فقد طردوهم وعذّبوهم وصادروا أموالهم وممتلكاتهم، فقال لهم النبي- صلّى الله عليه وسلّم-: (يا معشر قريش، ما تظنون أنّي فاعل بكم؟ قالوا: خيراً، أخ كريم وابن أخ كريم)، فما كان منه – صلّى الله عليه وسلّم – إلا أنْ قال لهم قولته المشهورة: (اذهبوا فأنتم الطلقاء)، أقول لكم ما قاله أخي يوسف – عليه الصلاة والسلام – لإخوته {لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ}(7)، وفي هذا الموقف العظيم سامحهم رسول الله – صلّى الله عليه وسلّم – وعفا عنهم، فلم يقتل – صلّى الله عليه وسلّم – أحداً، ولم يُصادر أرضاً، ولم يمنع ماء، ولم يقطع طريقاً، ولم ينفِ أحداً، ولم يعتقل، بل كان –عليه الصلاة والسلام – رحمة للعالمين.
لقد أثّر هذا الموقف العظيم وهذا التسامح الكبير مِنْ رسولنا – صلّى الله عليه وسلّم- في نفوس أهل مكّة، حيث أقبلوا مُعْلنين إسلامهم وإيمانهم برسالة الإسلام، ودخلوا في دين الله أفواجا.
العهـدة العُمـرية … نموذج للتسامح
عندما نتصفّح كُتُب التاريخ فإنّنا نجد صفحات مُشرقة من التسامح الإسلاميّ مع أهل الديانات الأخرى، وقد تجلَّى ذلك في أبهى صُوَره في العهدة العُمرية التي وَقَّعها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- مع بطريرك الروم صفرونيوس في السنة الخامسة عشر للهجرة، والتي تُمَثّل لوحة فنيّة ونموذجاً فريداً في التسامح الإسلاميّ الذي لا نظيرَ له في التاريخ، التسامح بين المسلمين والمسيحيّين في فلسطين الحبيبة، حيث إنّهم يسيرون على هَدْي العُهْدة العُمرية، هذه العلاقة الطيّبة التي ما زالت وستبقى إن شاء الله.
ومن المعلوم أنّ عمر بن الخطاب –رضي الله عنه – قد تسلّم مفاتيح المدينة المُقدّسة من البطريرك، وعندما حَانَ وقت الصلاة وهو في الكنيسة، عَرَضَ عليه أسقف بيت المقدس أنْ يُصَلِّي فيها، فاعتذر عمر –رضي الله عنه – قائلاً: لو صَلَّيْتُ هنا لوثبَ المسلمون على المكان وقالوا: هنا صَلَّى عمر– رضي الله عنه- وجعلوه مسجداً، ولا شكَّ أنّ تلك سماحة تتخطّى الحاضر إلى المستقبل وتعتمد على بصيرة بعيدة ، حيث يريد عمر–رضي الله عنه- مِمَّن يجيئون بعده أن يكونوا سُمَحاء مثله.
إنّ العهدة العمرية تدلّ على الأخلاق الإسلاميّة السَّمْحة، وعلى عدالة الإسلام التي التزم بها القادة المسلمون على مَرِّ العصور، وعلى التسامح الإسلاميّ الذي ينبع من موقف القوّة لا موقف الضعف، ومن الناحية القانونيّة فإنّ هذه الوثيقة تُقرر حقوق الإنسان قبل أن يعرف العالم هذه الحقوق.
أين العالم من خُلُقِ التسامح؟ ونحن في هذه الأيام نجد أنَّ كرامة الإنسان قدْ دِيِسَتْ، وأنّ الاعتداء على حياته أصبح سهلاً وهـيّناً، فنسمع عن حوادث قتلِ المسلمين في أماكن متعددة، حيث يُقَتّل الرجال، ويُيَتَّمُ الأطفال، وتُرَمَّل النساء، وتُخَرّب البيوت، وهذا كله مخالف للشرائع السماوية والقوانين الوضعية.
وما موقف العالم من الاعتداءات الإسرائيلية المُتكررة على مدينة القدس، والمسجد الأقصى المبارك، والمقابر الإسلامية، والمقدسات الإسلامية والمسيحية؟!!
وماذا فعل العالم أمام جرائم الاحتلال الإسرائيلي ضدَّ شعبنا الفلسطيني وأرضه ومقدساته ومؤسساته؟!!
وصلّى الله على سيّدنا محمد T وعلى آله وأصحابه أجمعين
الهوامش:
1- سورة المائدة الآية (3)
2- أخرجه أحمد
3- سورة فصلت الآية (34)
4- أخرجه مسلم
5- أخرجه مسلم
6- سورة الإسراء الآية (81)
7- سورة يوسف الآية (92)

* خطيب المسـجد الأقصى المبـارك
وزير الأوقاف والشئون الدينية السابق
www.yousefsalama.com

اظهر المزيد
شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com