قضايا و آراء

هل فشلت فكرة الدولة القُطْرية؟

أ. عبد القادر قلاتي/

عندما قرّر العرب الانفصال عن الخلافة الاسلامية التي كانت تمثل رمز الدولة المركزية للعالم الإسلامي، كانوا يخططون لبناء دولة قومية عربية موحدة، ولم يكن يدور بخلدهم، أن مصير هذا الانفصال سيتحوّل إلى مجرد دويلات مستقلة ضعيفة، مرتبطة سياسيا واقتصاديا بالمشروع الاستعماري الغربي، الذي كان يقف وراء الانفصال كمرحلة أولى تخترق مفهوم الوحدة الاسلامية الصلب والمتماسك، الذي ظلّ يتحكم في العقل المسلم، ويدير مجال الدولة المتمثلة في الخلافة الإسلامية، التي مارست سلطتها الطبيعية، مستندة للتصور الإسلامي العام للدولة والمجتمع دون أن يكون لها هيمنة مطلقة على جغرافيا العالم الإسلامي انطلاقا من أبعاد قومية أو إثنية، بل كان الدين القاسم المشترك بين أفراد الدولة، فاستمر كيان الخلافة الإسلامي، مع ما أصابها من هزات واضطرابات مع محيطها الجغرافي، ايران وروسيا والدول الأوروبية عموماً، حيث مركز الدولة تحيط به دول كانت في عداء مستمر مع الخلافة العثمانية، كما أن البلاد الاسلامية التابعة لمركز الخلافة، لم تكن تسلم من هذا العداء المستمر والمتواصل، وبدأت مع كلّ هزّة واضطراب تفقد جزءا من كيان هذه الدولة، وشيئا فشيئاً، دبّ الهوان والضعف إليها، في وقت برزت الدول الغربية كنموذج حضاريّ جديد، بدأ دورته، بإضعاف مركز الدولة/ الخلافة، والسيطرة المطلقة على أجزاء كبيرة من الدولة المترامية الأطراف، حيث وصلت مساحتها في فترة من فترات تاريخها إلى (20 مليون كم)، فكانت بحق من أعظم الامبراطوريات التي عرفها التاريخ البشري.
هل كان الرواد الأوائل الذين انقلبوا على الخلافة باسم القومية العربية، يدركون حجم الخسارة التي جلبوها لأقطارهم الصغيرة التي أصبحت لقمة سائغة أمام المشروع الاستعماري الغربي الذي وقف وراء انقلابهم، ثمّ قسمهم إلى دويلات صغيرة متناحرة لا يجمع بينهم سوى كيانات هزيلة انشؤوها كمدخل لوحدتهم الضائعة المزعومة؟. ربما يكن يدرك هؤلاء هذا المصير الذي انتهينا إليه، دول قطرية متنازعة فيما بينها، على الحدود تارة وعلى قضايا هامشية تارة أخرى، دول بدون مشاريع حقيقة، رغم ما تنعم به هذه الجغرافيا من خيرات وثروات، مازال المشروع الاستعماري الغربي، يستحوذ عليها، وينقلها إلى بلاده، بطرق مشروعة وغير مشروعة، في وقت مازلت أغلبها تابعة اقتصاديا لهذا المعسكر أو ذاك.
نعم لقد فشلت الدول العربية القطرية في السياسة والاقتصاد والتعليم والتنمية والصناعة، كما فشلت في كل قضايا القومية والدينية، وفي مقدم ذلك قضية فلسطين، القضية المركزية للأمة جمعاء، وتنصلت أغلب هذه الأقطار من قضية فلسطين، بحجة بناء الدولة، فلا دولاً حقيقة أنشؤوا، ولا كرامة حافظوا، والأدهى والأمر أنّهم هرولوا نحو الكيان الصهيوني، يقدمون له الولاء والطاعة، في وقت تحوّلت علاقاتهم البينية، إلى عداء وصراع، لا ينفع هذه الأقطار في شيء، أما مفهوم الوحدة العربية الذي خرجوا به عن الخلافة الإسلامية، فقد تحوّل إلى وهم وخيال، وانتصروا لمفهوم الدولة القطرية الذي ولد بالأساس ميتاً، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

اظهر المزيد
شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com