حوار

حوار في التاريخ وعن التاريخ مع الدكتور نجيـب بـن خيـــرة، الأستاذ بجامعة الشارقــة:

- للأستاذ الجامعي الجزائري من الذكاء والمهارة والنشاط ما يستطيع به أن يفعل المعجزات لو توفرت له الوسائل. - ما تزال الجامعة الجزائرية متأخرة عن الالتحاق بالركب، ولم تتخلص بعد من عقدة اللغة.

حاوره الدكتور صالح بن سالم/

 

يتذمر عديد الباحثين الجزائريين في الآونة الأخيرة من وضعيتهم الاجتماعية داخل أسوار الجامعة، والكثير منهم يشير لإمكانية الرحيل والهجرة من الجزائر مستقبلا نحو بلاد الخليج بالخصوص. طامحا في حياة معيشية أحسن من حيث الحقوق المادية والمعنوية المتاحة هناك للباحثين، لكن في المقابل هل يدرك هؤلاء قيمة الواجبات المفروضة عليهم هناك؟ وحجم الرهانات العلمية المعقودة عليهم سنويا؟ هذه الأسئلة وأخرى ارتأينا طرحها في هذا الحوار التاريخي على الباحث في التاريخ الوسيط بجامعة الأمير عبد القادر بقسنطينة سابقا والأستاذ حاليا بجامعة الشارقة الإماراتية الدكتور نجيب بن خيرة، وإلى جانب مسيرته الطويلة بالتدريس هناك والتي تمتد عبر 13 سنة، فإنه خاض تجارب بالإدارة الجامعية بالخليج، كما أردنا أيضا أن نرصد من خلاله واقع الدراسات التاريخية الجزائرية بالخليج.

 

نـبــــذة موجــــــــــــــزة

نجيب عبد الرحمن بن خيرة من مواليد بلدة بوسعادة ولاية المسيلة وبعدما حاز على شهادة البكالوريا اختار تخصص التاريخ بجامعة الأمير عبد القادر بقسنطينة الذي نال منها على شهادة الليسانس متصدرا للدفعة سنة 1990م، وعلى شهادة الماجيستير في التاريخ الإسلامي سنة 1995م، وعلى شهادة الدكتوراه في نفس التخصص ومن نفس الجامعة سنة 2004م.
بدأ مشواره في التعليم العالي كأستاذ بجامعة الأمير عبد القادر سنة 1995م لغاية 2008م حيث قرر الانتقال لجامعة الشارقة بالإمارات العربية المتحدة، والتي لا يزال يشتغل بها ليومنا هذا. تقلد خلالها عديد المناصب الإدارية، وعلى مستوى الانتاج العلمي صدر للدكتور نجيب بن خيرة ما يقارب 21 كتابا في التاريخ والحضارة الإسلامية أهمها: (تاريخ عصر الخلافة الراشدة)، (نظرات في التاريخ الإسلامي)، (الأديب موسى الأحمدي نويوات حياته وآثاره)، (سلسلة الفتح الإسلامي للناشئة في 15 جزءا)، (تنوير المسيرة بأنوار السيرة)، (أبحاث في الفكر والتاريخ)، (المجموعة المختارة من أعمال الإمام محمد بن علي السنوسي)، (شفاء الصدر بأريج المسائل العشر من درر الفقه المالكي ويليه إيقاظ الوسنان في العمل بالحديث والقرآن)، (مقدمة موطأ الإمام مالك ويليه الدرر السنية في أخبار السلالة الإدريسية ويليه المسلسلات العشرة في الأحاديث النبوية)، (المسائل العشر المسمى بغية المقاصد في خلاصة المراصد)، (السلسبيل المعين في الطرائق الأربعين ويليه المنهل الروي الرائق في أسانيد العلوم وأصول الطرائق)، (لله … ثم للتاريخ مقالات في الفكر والتاريخ والاجتماع والأدب والرحلة)، (أبو القاسم سعد الله … بعيون مختلفة)، (الأمن الفكري في التاريخ الإسلامي)، (تاريخنا نحو وعي جديد)، (في الإبداع العلمي لإقليم المشرق الإسلامي)، (العصر العباسي دراسات في التاريخ والحضارة)، (الشيخ أحمد حافظ القاسمي فارس المنابر وكافل الأيتام)، (في التاريخ الإسلامي مشرقا ومغربا -تحت الطبع-)، (من روائع الغزالي – تحت الطبع-).

ماذا تمثل بلدة بوسعادة في وجدان الدكتور نجيب بن خيرة؟ وما هي أسباب تراجع دورها الثقافي والعلمي بعدما كانت حاضرة تستقطب كبار الرحالة والعلماء من داخل وخارج الوطن؟
– مدينة بوسعادة هي الدم في العروق والشوق في الفؤاد والذكر الدائم على اللسان. هي مسقط رأسي ومجمع ناسي وملعب أترابي وموطن خاصتي وعامتي …
بِلادٌ بِها نِيطَتْ عليَّ تَمائِمِي
وأَوَّلُ أَرْضٍ مَسَّ جِلْدِي تُرابُها
بوسعادة تسكن قلبي وعقلي، فحبها في دمي وذكرها في فمي … حيثما شرقت وغربت. فهي مراتع الصبا، ومراضع القِيم، وذكريات الطفولة … جمع الله لها جمال المكان، وطيبة الناس، لما خصوا به من المجد والعلم وبارع الخلال …
بوسعاديٌ أنا: أباً عنْ جد … من الطرفين … فأبي من حي أولاد عتيق بالعرقوب، وأمي من (دار شيبوب) بحي القصر حول مسجد سيدي ثامر العتيق.
أما القول بتراجع دورها الثقافي، فأنا أرى عكس ذلك تماما، فتاريخ بوسعادة الثقافي كان محصورا في شخصيات معينة وفي بعض العائلات فحسب، والذين انحسر نشاطهم في بعض التآليف أو الأنشطة التدريسية الخاصة بالثقافة التقليدية، لكن اليوم بوسعادة تزخر بالطاقات والمواهب والملكات، وتعج بحملة الشهادات العليا في تخصصات مختلفة من العلوم الشرعية والأدبية والإنسانية والاجتماعية والتطبيقية … ومن جميع أهلها على اختلاف أعراشهم وقبائلهم وأنسابهم، ولو أن النيات صدقت، والجهود توحدت لأتى أهلها بالعجائب وجعلوا منها قبلة ثقافية، ومنتجعا علميا، يرده كل ظامئ للعلم مستزيدا من المعرفة.
بعدما قضى الدكتور نجيب بن خيرة سنوات طويلة بالجامعة الجزائرية قرر خوض تجربة مهنية بالخليج العربي. بكل صراحة ما نوع التحدي الذي قاده لجامعة الشارقة؟
– في الحقيقة أن أول زيارة قادتني إلى إمارة الشارقة كانت عام 2006م، حيث صحبني أحد الناشرين الفضلاء معه إلى معرض الشارقة الدولي للكتاب، ومكثت هناك أقل من أسبوع على ما أذكر، وزرت جامعة الشارقة يومها وجامعة الإمارات في مدينة العين، وشجعني صديقي على أن أودع ملفي في جامعة الشارقة فقلت له يومها: “إن اختصاصي هو التاريخ الإسلامي في العصر الوسيط والخاص بالمشرق، فهل أطلب تدريس تاريخ المشرق في بلاد المشرق … وهل أبيع الماء في حارة السقائين؟؟ !!!”، ولكن أخذا بالأسباب أودعتُ الملف ونسيته …!!، وشاءت الأقدار أن يحتاج قسم التاريخ في جامعة الشارقة متخصصا في التاريخ العباسي عام 2008م، فالذي كان يُدرس هذا المساق والقريب منه من المساقات الأخرى هو أستاذ الجيل الدكتور حسام الدين السامرائي رحمة الله عليه، الذي خرج إلى التقاعد في نهاية ذلك العام.
ولما أُرسل إليَ عرضُ العقد من قبل رئيس قسم التاريخ يومها الأستاذ الكبير والمؤرخ الثبت الدكتور خالد السعدون أحببت أن أخوض التجربة، وأسافر إلى بلاد الخليج، وأتعرف على نظام آخر في التدريس والتسيير والمنهج. وكنت أعتقد أني سأمكث عاما أو عامين كأستاذ زائر، ولكن القدر شاء أن تمتد إلى ثلاثة عشر عاما.
إلى جانب التدريس مارس الدكتور نجيب بن خيرة الإدارة بجامعة الشارقة، هل يمكن أن تحدثنا عن هذه التجربة؟ وهل يمكن أن ترصد لنا جوانب التشابه والاختلاف عموما بين الادارة (الجامعية) الجزائرية والامارتية؟
-حظي أني وصلت إلى جامعة الشارقة في نفس العام الذي تم فيه فتح فرع للجامعة في مدينة خورفكان التي تبعد عن مدينة الشارقة حوالي 130 كلم، وتسمى عروس الساحل الشرقي، حيث تطل على المحيط الهندي، وتجمع بين جمال البحر وروعة الجبل وفتنة الطبيعة، وقد كلفني يومها رئيس القسم الجديد سعادة الأستاذ الدكتور سلامة البلوي بمهمة فتح قسم التاريخ في خورفكان، فرحلت مع عائلتي إلى خورفكان، وسكنتها، وعاشرت أهلها، وشاركتهم الأفراح والأتراح، وتعرفت على عائلاتهم وقبائلهم وأعراقهم وأنسابهم لمدة ثماني سنوات، فكانت من أجمل السنوات في حياتي لما لقيت منهم من خالص الوُد، وطيب المعشر، وكريم الخصال.
ولما كان عدد الهيئة التدريسية بالفرع قليلا، تم اختياري في البداية كمنسق لكلية الآداب عام 2009م، وبعدها مساعدا لنائب مدير جامعة الشارقة للشؤون الأكاديمية شهر فيفري 2013م، ثم نائبا أكاديميا لمساعد مدير الجامعة لشؤون الفروع حتى سنة 2016م، وكانت تجربة جديدة في حياتي، بل مغامرة أجبرتني عليها الظروف، فما كنت أحسب أني أتولى منصبا إداريا يوما ما، لما بيني وبين العمل الإداري من جفوة ونفور.
وبالرغم من أن الفروع كانت في طور التأسيس وأقصد فرع مدينة (خورفكان) وفرع مدينة (كلباء)، وبالرغم من أن جامعة الشارقة حديثة التأسيس 1997م، فهي أنموذج للجامعة الراقية المتكاملة، التي تملك إمكانيات قفزت بها عقودا من الزمن على الجامعات العريقة في طول بلاد العرب وعرضها، وهذا بفضل رعايتها من قِبل صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي حاكم الشارقة، فهو يقول دوما “إن جامعة الشارقة هي بيتي”، فسخر لها كل الإمكانات، وجلب لها كل حديث من الوسائل، واختار لها أكفأ المدرسين. مما جعلها تتبوأ المرتبة الأولى في الدولة عام 2019م، والمركز 135 في قارة آسيا والمركز 398 عالميا وفقا لتصنيف جرين ماتريك (MetriC Green UI). كما أن الجامعة مستمرة في الترشح لتكون من ضمن أفضل 100 جامعة وفق معايير نظم التصنيفات العالمية للجامعات المتميزة على مستوي العالم. لقد تمكنت جامعة الشارقة في عام 2019م من تحقيق المركز 662 وفق تصنيف (كيو إس QS)، والمركز 801 وفق التصنيف العالمي. وذلك بتحقيق أعلى تصنيفات في مؤشر تنوع الهيئة التدريسية بحيث تضم نخبة كبيرة من دول العالم وكذلك الأمر بالنسبة لمؤشر تنوّع الطلاب.
ولظروف عائلية طلبتُ الانتقال من خورفكان إلى مركز الجامعة في الشارقة، وطُلب مني أن أتولى رئاسة قسم التاريخ والحضارة الإسلامية، وكانت تجربة إدارية أخرى بين سنتي 2016-2018م، ورغم العناء فيها، فقد تعلمت منها الكثير.
أما عن أوجه التشابه بين العمل الإداري في الجامعة الجزائرية وجامعة الشارقة، فالحق أني لم أتول أي منصب إداري في الجامعة الجزائرية، وبالرغم من أني دائم التواصل مع زملائي إلا أنني منقطع عن الجديد في ما يخص الإجراءات الإدارية والقوانين واللوائح في الجامعة الجزائرية منذ أكثر من عقد من الزمن، والذي أعرفه أن في الجزائر مواهب وكفاءات قلّ نظيرها في البلاد العربية الأخرى، ولو أنها وجدت الرعاية وحسن التدبير وتوفير الوسائل لأبدعت وأخرجت الجامعة الجزائرية بدرا منيرا من وراء الغيوم.
أضحى الأستاذ الجامعي الجزائري عرضة لانتقادات عديدة تتهمه بالتقاعس في آداء واجباته ومهامه داخل أسوار الجامعة، فهل يمكن للدكتور نجيب بن خيرة أن يقدم لنا مقاربة بين الأستاذ الجزائري ونظيره الإماراتي من حيث الحقوق والواجبات؟
– هذا موضوع طويل الذيل وحديث ذو شجون، لا أعتقد أن سطورا في حوار عاجل تكفيه، ولكني أقول من باب الإنصاف ومن باب قوله تعالى:{ولا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ}، أنه لا يمكن أن يصلح نظام الجامعة بعيدا عن إصلاح نظام الاقتصاد، ونظام التعليم في مراحله الأولى ونظام الخدمات في المجتمع وغيرها من مناشط الحياة التي توفر الأجواء للأستاذ والطالب معا.
يكفي أن أقول لك: أن أزمة وباء كورونا وما رافقها من تعطل التدريس في كثير من مدارس وجامعات البلاد في العالم، لم يتعطل التدريس عندنا ولو أسبوعا واحدا لأن الوضع الاقتصادي والخدماتي سمح بمواجهة الأزمة بكل كفاءة، وقد وضعت الدولة منظومة لتفعيل التعليم عن بعد بشكل إيجابي، شملت تدريبا تخصصيا للطلبة والمدرسين، وأتاحت لهم منصات تعليمية ذكية مجانية، وإنترنت مجانيا عبر الأقمار الصناعية في المناطق النائية، وإنترنت مجانيا عبر الهاتف المتحرك. كما عقدت جامعة الشارقة عشرات الورش لتدريب المدرسين على المحاضرات عن بعد وإجراء الامتحانات الإلكترونية، واستعمال أقوى البرامج وأرقى ما وصلته التكنولوجيا الحديثة في هذا المجال. وأعتقد أن الأستاذ الجامعي في الجزائر عنده من الذكاء والمهارة والنشاط ما يستطيع به أن يفعل المعجزات لو توفرت له الوسائل، وتحسن وضعه الاجتماعي، وبرئت الجامعة من عِلل الجهوية والبيروقراطية والشِللية وسوء التسيير.
كيف رصد الدكتور نجيب بن خيرة واقع الدراسات التاريخية الجزائرية بالخليج؟ وإلى أي مدى نجحنا أو فشلنا في تسويق تاريخنا الوطني العريق والثري للآخر؟
– للأسف نحن معزولون عن العالم بل معزولون حتى عن فضائنا العربي، وقد استفسرت الطلبة يوما بمدرج الجامعة ما الذي تعرفونه عن الجزائر؟ فقالوا نعرف عنها أنك أنت جزائري فقط، وفي أحسن الأحوال يسمي لي بعضهم لاعب كرة أو مغنيا مشهورا بأغنياته السخيفة!!
كما مرت بي كثير من المواقف مع الجاليات من الشعوب الآسيوية ممن لا يسمع الكثير منهم حتى باسم بلدنا في حين لا يغيب عنهم معرفة جيراننا في الشمال الإفريقي، وأعتقد أن لذلك أسبابا لا يتسع المقام لذكرها، واستغربت أنه لا يوجد في رفوف المكتبة الجامعية هناك إلا بعض ما كتبه الدكتور أبو القاسم سعد الله رحمة الله عليه، أو ما كتبه الدكتور عمار طالبي أو الدكتور ناصر الدين سعيدوني. أما باقي الجهود الأخرى التي تناولت تاريخ الجزائر فغائبة عن المكتبات العامة، وغائبة عن معرض الكتاب، وبالتالي هي غائبة عن أعين الباحثين والمهتمين بالكتاب التاريخي.
نحن مقصرون فعلا في التعريف بتاريخنا وتراثنا وثقافتنا، ولعله مع عصر وسائط التواصل الاجتماعي يستطيع الجيل الجديد أن يستخدمها لنتدارك هذا التقصير، ونحضُر بعد طول غياب.
كثر الحديث مؤخرا عن ضرورة استعمال اللغة الانجليزية بالجامعة الجزائرية، هل يرى الدكتور نجيب بن خيرة بأن هذا الأمر يسهم حقا في تطوير وتجويد مستوى الطالب والجامعة؟ وإلى أي مدى يمكن استعمال اللغة الانجليزية في الدراسات التاريخية؟
-الجميع الآن يعلم أن اللغة الانجليزية هي لغة التقانة والعلوم وهي منذ تسعينيات القرن الماضي لغة 90% من معظم مجالات البحث العلمي، وفي عام 2010م أصبحت تعليم اللغة الإنجليزية صناعة عالمية إذ بلغت إيراداتها 50 مليار دولار في العام الواحد. ويتحدث بها بدرجات متفاوتة أكثر من مليارَي شخص في 120 بلداً. ونحن نعلم الظروف السياسية والاستعمارية والاقتصادية التي بوأت هذه اللغة هاته المكانة وهذه الصدارة؟، وكيف مارست الإمبراطوريات المتعاقبة على بلداننا الإبادة اللغوية؟، ونحن ندرك أنه لا يمكن لأمة أن تتقدم إلا بلغتها، وأن التعدد اللغوي مقوم من مقومات التعايش بين الأمم والشعوب، ولكن الوضع الراهن وفي ظل غياب حضور العربية في قلب الحداثة المعاصرة وذلك لغياب أهلها عن صناعة الحضارة، فإن اللغة الانجليزية مفتاح للولوج إلى قلب العصر بكل إكراهاته.
وقد أصبح امتحان IELTS و TOEFL يقض مضاجع العالمين، لما يضمنه من الالتحاق بأفضل التخصصات العلمية في الجامعات العالمية.
وعلى هذا فنحن تأخرنا كثيرا عن الالتحاق بالركب، والقائمون على الجامعة الجزائرية لا يزالون يعانون من عقدة اللغة، ويرون أن توجه الجيل الجديد للغة الإنجليزية وعزوفهم عن اللغة الفرنسية يفقدهم الامتيازات، ويحرمهم من وجاهة النخب المثقفة، ويجعل العيون تقتحمهم لما سجنوا أنفسهم فيه من عقدة فرنسا ولغة فرنسا!!
وأعتقد أنه من المهم جدا طرح مساقات في التخصص باللغة الانجليزية (كأن تدرس مثلا في أقسام التاريخ بعض الفترات التاريخية باللغة الانجليزية كتاريخ العصور الوسطى أو التاريخ الأوروبي أو التاريخ الأمريكي)، وليس برمجة حصص في اللغة الانجليزية التي لا تزال تقدم للطلبة قواعد النحو والصرف التي أخذها في مرحلة الإعدادي الثانوي، ويظل الطالب يراوح مكانه وفي نفس الموضوعات المكررة حتى يتعقد من اللغة وينفر منها.
كيف يقيم الدكتور نجيب بن خيرة منحنى انتاجه العلمي قبل وبعد الانتقال للخليج (كما ونوعا)؟
– الأستاذ الجامعي في الحقيقة ليس موظفا ينتظر في آخر الشهر راتبه، ويتابع علاواته فحسب، ويعيش في دنيا الناس لا يشغله همٌّ معرفي، ولا بحثٌ علمي، وتمر عليه الشهور والسنوات ولا ينجز في عالم البحث شيئا، ولا همّ له إلا الترقية في منصبه بالأقدمية وليس بالبحث!!
وأنا أتكلم عن الجامعة التي أعمل فيها، حيث المنافسة قوية، والأستاذ مرتبط عقده فيها بقدر ما ينجزه من أبحاث علمية، كما يدخل في التقييم أيضا خدمته للجامعة والمجتمع، والجميع يعرف أن لوائح وشروط الترقية في جامعة الشارقة فيها من الصرامة والانضباط ما لا يوجد في جامعات عربية أخرى، ولذلك الأستاذ فيها باحث على الدوام ومكتبه في البيت أو الجامعة ورشة عمل مفتوحة دائما على الإنجاز.
أما ما سألتني عنه من الإنتاج العلمي خلال فترة عملي هنا في الشارقة ( 2021-2008م)، فقد نشرتُ بحمد الله وتوفيقه 09 كتب منفردا، وشاركت بأبحاث في 05 كتب جماعية، ونشرت أكثر من 25 بحثا في مجلات دولية محكمة، وشاركت في 17 مؤتمرا علميا، وقدمت لـ 03 كتب، وحَكَّمت أكثر من 70 بحثا، وساهمت في خدمة الجامعة والمجتمع وساهمت في برامج إعلامية عديدة إذاعية وتلفزيونية، كما أشرفُ حاليا على بعض رسائل الماجستير والدكتوراه.
في حال عودة الدكتور نجيب بن خيرة مستقبلا ما هي الإضافة التي يمكن أن يجلبها معه للجامعة الجزائرية؟
-لا شك أن أي مغترب يرغب في العودة إلى بلده في يومه قبل غده، ولا شك أنني وزملائي ممن انتقلوا إلى الجامعات العربية أو الأجنبية سوف نُقدم ما نقدر عليه دون مقابل، فهو عربون وفاء لجامعاتنا التي لها دينٌ علينا. ففيها تخرجنا، وبين جنباتها قضينا أجمل أيام العمر.
لكن الذي يحزنني ما أراه من فتح الجامعات في المدن الصغيرة والحواضر المعزولة. الأمر الذي قضى على الجامعات الأم في المدن الكبرى، وشتت طاقات وبعثر كفاءات بين الشرق والغرب والشمال والجنوب حتى فقدت الجامعات هيبتها، ولم يعد يوجد فيها المرجعيات العلمية والشخصيات المحورية، واختفت النماذج القدوة في أغلب الأقسام والكليات، وهذا في اعتقادي يخلق القطيعة بين الأجيال، ويُهدر الخبرات، ويجعل العملية التعليمية تنحسر في تخريج جيوش من حملة الشهادات، وهي شهادات في كثير من الأحيان لا تساوي الِحبر الذي كُتبت به!!
كلمة أخيرة للدكتور نجيب بن خيرة (قل ما شئت ولمن شئت):
– أخي الفاضل الدكتور الصالح بن سالم شكرا جزيلا على هذه الدردشة على ضفاف التاريخ، ولعل المقام يقتضي الاقتضاب والإيجاز، ولا يسعني إلا أن أدعو النخب العالمة في مجتمعنا والمهتمة بالثقافة والفكر والبحث العلمي أن توحد جهودها، وتتناسى خلافاتها، وتؤطر نشاطها، وتكثف برامجها في مناقشة القضايا التي توحد ولا تفرق، تنفع ولا تضر، وتفتح آفاقا واسعة للبحث العلمي في عصر الفتوحات الإعلامية المبهرة، وأنا أتساءل دوما أين نشاط اتحاد الكتاب الجزائريين؟ أين نشاط اتحاد المؤرخين الجزائريين؟
إن هناك طاقات جديدة ودماء جديدة في المجتمع ينبغي أن تسلم لها الراية لتنطلق في إبراز مواهبها وملكاتها ولعلها تقدم أفضل من الجيل الذي سبقها.
كما أحذر من نابتة جديدة برزت في الآونة الأخيرة ممن يهتمون بتاريخ المدن والقرى والمداشر، ولكنه اهتمام مشحونٌ بالقبلية والعصبية والعشائرية، بعيدا عن التاريخ العام والمعالجة الشاملة لتاريخ مترابط الحلقات، صنعته الأمة وليست القبيلة، سطّر بطولاته ومآثره عموم الشعب وليس أفراد العرش أو الدشرة. إن هذا التوجه يفضي إلى المزاجية المقيتة، التي تُزور التاريخ وتُزيف حقائقه، وتُصيب المجتمع بالتشرذم والتشظي والفُرقة والخصام.
إننا نريد تاريخا يجمع ولا يفرق، يُربي ولا يُفسد، ينفذ إلى السنن الفاعلة فيه، ويكشف لنا بوضوح عن عوامل التألق والانتصار، ودواعي الهزيمة والانحسار لصناعة وعي تاريخي حقيقي، بعيدا عن التسطح والضحالة والغياب.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com