روبورتاج

مسجد بقلب القصبة يُخلد أثرا لسيدي محمد الشريف الزهار الجزائري

روبورتاج : فاطمة طاهي/

 

مدينة القصبة بالجزائر العاصمة والمعروفة بطرازها المعماري الأنيق وذوقها الفني الجميل، وعمقها الحضاري الضارب في جذور تاريخ الجزائر العريق، لا تزال بناياتها وأسوارها وحصونها وقصورها شاهدة على روايات وحكايات الحضارة المغاربية الإسلامية، وإن كان الاستعمار الفرنسي قد شوه فيها ما شوه. فمن أشهر ما يميز هذه المدينة طابعها المعماري خاصة مساجدها العريقة بقبابها الأنيقة ومناراتها العالية التي تتمتع بجمالها الساحر رغم ما طرأ عليها من تغيير. “مسجد سيدي محمد شريف” بقي صامدا مع كل التطورات الحضارية والتغيرات التي حدثت عبر العصور المختلفة، يروي لنا حكاية أثر لرجل زاهد ورواية مسجد أدى دوره ورسالته التعليمية والتثقيفية في ذلك العهد فكان منبرا لحفظ القرآن وجمع مال الأوقاف وفض النزاعات والمنازعات.

 

مسجد سيدي محمد شريف .. الموقع وأصل التسمية
يقع مسجد سيدي محمد شريف في قلب القصبة وبالضبط في شارع الإخوة بشارة، وقد كان سابقا يعرف بزاوية سيدي محمد شريف، كما يوجد ضريح سيدي محمد شريف داخل المسجد، وعليه نقش يذكر تاريخ وفاته سنة 948 هـ الموافق لـ 1542ـ 1543م، ويتواجد المسجد في حي القصبة بالقرب من مسجد سفير، بساحة الشهداء بالجزائر العاصمة.
مسجد سيدي محمد الشريف .. النشأة والتأسيس
إن تاريخ بناء مسجد سيدي محمد شريف غير محدد بالضبط، فحسب ما جاء في مذكرة لنيل شهادة الماجستير في العلوم الإسلامية، قام بها الأستاذ محمد حاج سعيد، تشير المصادر إلى أن بناءه يعود إلى القرن السادس عشر ميلادي، وحسب دوفوالذي يقول بأنه قد تم بناء مزار صغير فقط في أول الأمر، أما المسجد والملحقات الأخرى فقد شيدت فيما بعد، غير أنه لم يعثر بعد على تاريخ بناء هذه الملحقات، وقد تم تصنيف مسجد سيدي محمد شريف ضمن التراث العالمي من قبل منظمة اليونيسكو، كما دعا إليه بعض الفنانين كـ كارفور فرومنتين.


سيدي محمد الشريف الزهار الجزائري في سطور
هومحمد بن أحمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن أحمد بن مسعود بن عيسى بن أحمد بن عبد الواحد بن عبد الله بن عبد الكريم بن محمد بن محمد بن عبد السلام بن مشيش بن أبي بكر بن علي بن رزقي بن عيسى بن سالم بن مروان بن حيدرة بن علي بن محمد بن عبد الله بن داود بن إدريس بن إدريس بن عبد الله الكامل بن الحسن بن المثنى بن الحسن السبط بن علي بن فاطمة رضي الله عنها بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم.
توفي سيدي محمد شريف سنة 948هـ/1542م، حيث دفن في ضريحه المعروف، وجاء في إحدى العبارات المكتوبة على ضريحه أنه توفي في السنة المذكورة آنفا في عهد الآغا محمد حسن، وهذا نصها: “توفي الشيخ المبارك السيد محمد الإمام الشريف العفيف سنة 948هـ أربعين مع ثمانية وتسعماية مخد برسم حسابية كان التاريخ وكان الوصيد بأمر الملك المجيد عن يد سبطه تابّد الله الزهد مرقى الرتبة إلى المقام على العز في دار السلام”.
مسجد بهندسة أندلسية وروح مغاربية
يشتمل المسجد على قاعة صلاة بسيطة ومتواضعة تعلوه مئذنة مثمنة الشكل وقليلة العلو، ويوجد ضريح سيدي محمد شريف في أحد الحجر، تعلوالمسجد قبة بسيطة يتوسطها فناء توجد فيه قبور بعض أعيان المدينة، ويعبر سقف المسجد قبة ترتكز على ثلاثة أعمدة، وأما المحراب فهومصنوع من أنواع الخزف الأبيض والأزرق، وعند مدخل المرابط توجد نافورة بها لوحة من الفسيفساء القديمة ومظلة مزخرفة.


مصير مسجد سيدي محمد الشريف في عهد الاستعمار الفرنسي
بعد دخول الاحتلال الفرنسي أرض الجزائر سنة 1830م استولت السلطات العسكرية على المسجد فحوّله الفرنسيون إلى مدرسة وملحقات مختلفة وألحقت به بعض التغييرات.
مسجد سيدي محمد شريف في وصف المؤرخ الفرنسي
مما ذكره واحد من المؤرخين الفرنسيين في وصفه للضريح : “أرفقت زاوية بهذا الضريح -حيث يذكر بيان إنفاق قديم لهذه المؤسسة- من بين أمور أخرى، شراء ستين لترًا من الزيت للإضاءة – من عدد من الحصائر – وأيضًا خمسة وعشرين رطلاً من السكر «للمشروب المقدم للعلماء الذين يأتون هناك لتكريس أنفسهم». كانت الزاوية رحمة بالفقراء. وقد عرضت عليهم، يوم عيد المولود العظيم، وثيقة: «ثيران، وثمانية عشر رطلا من القمح، وثلاثون رطلاً من الزبدة، وعشرة أحمال من الخشب، وستة قياسات من الزيت، وما إلى ذلك».
أصل تسمية المسجد في العهد العثماني
خلال العهد العثماني اشتهرت تسميات متعددة للمساجد، فبعضها وهوالغالب والأكثر يرجع إلى أسماء أشخاص رجال صالحين كسيدي محمد شريف وسيدي عبد الله، وبعضها قد يرجع إلى مؤسسي هذه المساجد، كعلي بتشين، وعبد الله صفر، وأخرى تعود إلى التوزيع الحرفي المنتشر في المنطقة أوإلى أسماء الحرفيين الذين يرتادونها مثل مسجد الشماعين والخياطين والكببابطية، وقد ينسب في بعض الأحيان إلى اسم المجدد، وتارة تكون تسمية المسجد حسب موقعه المتميز كمسجد البراني.


إحصاء مساجد القصبة قبل العهد الاستعماري
جاء في نفس البحث المذكور آنفا، إن الإحصاءات الموجودة بالنسبة للمساجد مختلفة وغير دقيقة في بعض الأحيان، فالتمغروطي مثلا اقتصر في كلامه عن مدينة الجزائر في آخر القرن 10هـ/ 16م بقوله إن فيها الجامع الكبير وإمامه مالكي، وفيها ثلاث جوامع للخطبة أحدها للترك وإمامها حنفي، وقال أبوالقاسم سعد الله رحمه الله “أن مدينة الجزائر على عهده لم يكن فيها إلا ثلاث جوامع للجمعة، منها: الجامع الكبير للمذهب المالكي، وآخر للمذهب الحنفي”.
ويذكر هايدوفي نفس الفترة تقريبا أنه كان بمدينة الجزائر حوالي مائة مسجد، منها سبعة رئيسية. ويذكر بانانتي الإيطالي في بداية القرن الثالث عشر هجري 19م أن هذه المدينة كانت تضم تسعة جوامع وخمسين مسجدا، وأما ديفوكس الذي بحث ودرس موضوع المؤسسات الدينية في مدينة الجزائر قال إنه كان بها سنة 1246هـ/ 1830م أي سنة الاحتلال ثلاثة عشر جامعا كبيرا أوجامع خطبة ومائة وتسعة مساجد.
الأوقاف من أهم المصادر المالية للمسجد في العهد العثماني
ودائما حسب ما جاء في بحث الأستاذ محمد حاج سعيد، فإن المصادر المالية للمساجد في العهد العثماني تعود إلى الإعانات والمساعدات التي كانت تقدم من طرف المحسنين من الأغنياء ومن الناس البسطاء وربما في بعض الأحيان من طرف الفقراء، حيث تعتبر من المصادر المهمة التي كان يعتمد عليها المسجد في تغطية نفقاته واحتياجاته، وقد كان هذا كله من منطلق عقيدة المسلم في فعل الخير وطمعا في الحصول على الأجر من الله تعالى وخدمة بيوت الله التي تعتبر من أفضل بقاع الأرض، وقد كانت هذه المساعدات في الغالب تكون سرا لذلك لا يمكن معرفة مقدار هذه الإعانات، وأما من جهة النوع فلا شك أنها كانت متنوعة ومختلفة حسب ما جاء في المذكرة، أن أهم مصدر مالي لهذه المساجد والذي اشتهر في هذه الفترة العثمانية هوالأوقاف، وباعتبار هذا الأخير عنصرا قابلا للعطاء والتجدد “الصدقة الجارية” وقد جاء في ذلك حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: “صدقة جارية أوعلم ينتفع به أوولد صالح يدعوله”، يعتبر الوقف الذي هومن عقود التبرع والأعمال الخيرية ذات الصبغة الدينية من أهم المظاهر الدالة على التضامن والتكافل الاجتماعي بين الأفراد.
وقد كانت ترعى هذه الأوقاف في الحقبة العثمانية عدة مؤسسات، تحتل منها سبع مؤسسات مكانة متميزة، وهي: مؤسسة الحرمين الشريفين مكة المكرمة والمدينة المنورة، التي تستحوذ على غالبية الأوقاف داخل وخارج مدينة الجزائر، ثم تأتي بعدها مؤسسة الجامع الأعظم، وتضم أغلب أوقاف المساجد المالكية، تليها من حيث الأهمية مؤسسة سبل الخيرات الخاصة بأوقاف المساجد الحنفية، ثم تأتي في مرتبة أقل منها مؤسسة سيدي عبد الرحمان الثعالبي، وهي أهم مؤسسة وقفية للمرابطين في مدينة الجزائر، بعدها تأتي مؤسسة أهل الأندلس والأشراف وبيت المال.

 

اظهر المزيد
شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com