مقالات

«التنوير» العربي والدين

أ.د. عبد الملك بومنجل/

من العداء الصريح إلى التأويل المريح التنوير الغربي –كما هو معروف- يتخذ من الدين موقفا صريحا حازما شديدا، هو المخاصمة أحيانا، والإخراج الصارم من دائرة التأثير في الحياة العامة أحيانا أخرى؛ فكيف هو موقف «التنوير» العربي من الدين؟ حين يتعلق الأمر بالتنوير العربي فإن الأمر يتعلق بالإسلام وليس بأي دين، وبالقرآن العظيم وليس بأي كتاب، وبمنهج للحياة لم يدع جانبا من جوانبها المحورية إلا ولامسه ووضع الأصول له، وليس بدين له شريعة محدودة أو ليس له شريعة اجتماعية أساسا.. فماذا على التنويري العربي إذاً أن يفعل إزاءَ دينٍ ليس ككل الأديان، إزاءَ منهج حياة وليس مجرد إيمان؟ بعض التنويريين «الشجعان» لم يجدوا غضاضة في إنكار الدين صراحة، ونبذه بوضوح. ولكن أكثر التنويريين كانوا أقل جرأة، وأكثر دهاء، إذ رأوا في نقد الدين ذاته استعداء للقارئ العربي المسلم، ومن ثم تنفيرا له عن قبول خطابهم واحتضان الدعوة إلى التحول والتمرد. فأتوه من حيث لا يحتسب: من القول بأن الدين في ذاته لا اعتراض عليه ولا إنكار لصحته وقداسته، وأن النص الإلهي في نفسه لا عيب فيه ولا نقص ولا خلل ولا مخالفة لحق أو مصلحة، وإنما الاعتراض على فهم بشري معين لهذا الدين، وتأويل اجتهادي معين لهذا النص فهنا يكمن النقص أو الخلل والجمود و كل عوامل التخلف عن مواكبة العصر. وهنا ينبغي النقد والإنكار والعمل على مواجهة الفهم بفهم مخالف، والتأويل بتأويل معاصر، أي العمل على تعديل الدين وتطويره ليتفق مع روح العصر. لقد عمد التنويريون العرب إلى خطة التأويل سلاحا لتجريد الإسلام من سلاحه! التأويل الذي يعطّل أحكام القرآن باسم العصر الجديد والمنهج الجديد والفهم الجديد. التأويل الذي يتخطى تأويلات القدامى بدعوى أنها ضرب من التأويل لا غير، ويتجاوز قوانين اللغة بدعوى تعددية الدلالة ولا نهائية المعنى وجدلية الظاهر والباطن. التأويل الذي ينزل بالقرآن من عليائه ويجرده من قداسته فإذا هو والكلام البشري سواء: يؤثر في التاريخ ويتأثر به، بل هو دون الكلام البشري دقة وقابلية للفهم والتطبيق، إذ القوانين البشرية لا يكاد يختلف في تفسيرها، ومن ثم تطبيقها، وأما الكلام الإلهي فتتضارب بشأنه التأويلات، فلا يكاد يستقيم له حكم! حين يتابع القارئ تصور نصر حامد أو الطيب تيزيني أو محمد أركون لظاهرة الوحي أو مفهوم النص أو آلية التأويل أو علاقة النص بالواقع والتاريخ، يشعر أن خلاصة هذا التصور هي أن الإسلام ليس دينا إلهيا تنزل من عل ليكون منهجا للحياة على الأرض عقيدة وعبادة وشريعة وقيما وسلوكا، وإنما هو دين بشري له كل خصائص المناهج البشرية، من تأثر بالثقافة، وتبعية للواقع الراهن، ومحدودية في النظر، وقصور في معرفة الغيب المخبء في المستقبل، والافتقار إلى الخبرة والتجربة والأعمال والترقية والإضافة. أو هو دين إلهي، ولكن لا فرق في الجوهر بين الله والإنسان حين يتعلق الأمر بالنص على منهج في الحياة، فكلاهما يتكلم لغة بشرية، ويتأثر بواقع بشري، ويستمد من ثقافة بشرية، ليعمل من بعد على تشكيل الثقافة وتغيير الأوضاع، في حدود ما تقبله الثقافة البشرية، وما تسمح به متغيرات التاريخ. ويبقى للإنسان، بعد ذلك، فضل القدرة على صياغة خطابه وأحكامه وقوانينه صياغة واضحة مفهومة يتاح لها أن يُتفق على فهمها وتطبيقها واتخاذها منهجا في السياسة والثقافة والاقتصاد، فلا يتصارع الناس حول تأويلها، ويضطرون إلى إهمالها بسبب الاختلاف في فهمها! خلافا للنص الإلهي المتعدد الدلالات، الغارق في المجازات والمشتبهات، المنفتح على متعارض التأويلات، حتى إنه ليتعذر تطبيقه في غير عهد نزوله، لأن اللغات والثقافات وتغيرات التاريخ وتطورات المعارف ستجعله أكثر انفتاحا على التأويل، وأكثر استعصاء على وحدة الفهم ووضوح الدلالة، ومن ثم على الحضور في الواقع المعاصر منهجا كاملا يشمل مختلف شؤون الحياة.

اظهر المزيد
شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com