مقاربات

مدينــة عنابـــة بمنــاسبــــة مـــرور ثــلاثين قــرنــا علــى تأسـيـسـهـا نظرة عامة عن المراحل التاريخية لمدينة عنابة

أ. د. محمد عيلان/

تروي المراجع أن (عنابة/ هيبون/بونة) قد اختطها الفينيقيون بالقرب من (وادي سيبوس) لتكون مرفأ تأوي إليه سفنهم، ويمارسون على رصيفه عملية التبادل التجاري بينهم وبين السكان النوميديين وحكوماتهم الأمازيغية، وأطلقوا على هذا المكان اسم (هيبو) ومعناه العشب الأخضر، أو هو المرعى [السهل] الغني بالكلأ الغزير الأخضر، لخصوبة أرضه وجودة منتوجه. وكانت هذه المنطقة منطقة أمازيغية يتداولها رؤساء الدول والقبائل النوميديين، وتخضع لقويهم وزعيمهم، إلى أن استولى الرومان على مملكة قرطاجة، فأصبحت مدينة (عنابة) إحدى مدن مستعمراتهم في الشمال الإفريقي. وبقيت مرفأ اقتصاديا هاما يمكِّنُهم من (الحصول على التموين للدولة والمجتمع الرومانيين؛ لأن ايطاليا جبال، ليس لها إلا حاشيتان للزراعة ، شرقية وغربية ولكنهما لا تكفيان، فكان المغرب العربي هدي (رومة)..
وكان مرفأ عنابة يصدر منه إلى (روما) ومناطقها خيرات الشمال الافريقي، وتتمثل في: الحبوب بأنواعها، والزيتون، وزيت الزيتون، والعنب، والتمر، والفواكه، وبعض أنواع التوابل، والرخام، والأخشاب، والخيول، وبعض الحيوانات المفترسة لترويضها في الملاعب، والمعادن (كالنحاس والرصاص والحديد) والجلود، والعسل، والشمع.. وكان تصدير كل ذلك يتم خلال أشهر؛ من سبتمبر إلى أفريل من كل سنة .
وتشير الدراسات إلى أن مدينة (عنابة) اتُّخذت مركزا إداريا في عهد الرومان للجهات الداخلية للبلاد الخاضعة للإمبراطورية الرومانية، وزادت أهميتها الإدارية من كونها تمثل الحدود الفاصلة بين مقاطعتي (إفريقيا) و (نوميديا) .
وظلت مدينة (عنابة) طيلة الحكم الروماني، مدينة لها طابع روماني، سكنها الرومان وأتباعهم من غير الأمازيغ، وقل فيها الأمازيغ الذين تحصنوا بجبل (الإيدوغ) أو بالجبال المجاورة، كجبال: (هوارة) و (جبال بني صالح) ، ويقومون بالنشاط الفلاحي في السهول نهارا ثم يعودون إلى الجبال ليلا.
ومن القبائل الأمازيغية التي سكنت منطقة (عنابة)، قبائل: (كتامة) و(ولهاصة) و(مصمودة) و(هوارة) و(أوْربة)، وبعض التجمعات الأخرى من قبائل اتصلت بعنابة عن طريق التجارة فاستقرت بها .
وفي عهد الرومان أيضا عَرفت (عنابة) حركة تجارية محلية نشطة، فقد كان بها ما يلزم المدينة الاقتصادية والتجارية من حمامات، وخانات، ومخازن للحبوب والسلع، وزرائب(جمع زريبة) لجمع الحيوانات، ومتاجر السلع المستوردة والسلع المحلية، وأماكن لجمع وتصدير العبيد، وورشات لبناء السفن وإصلاحها.
وإلى جانب هذا الازدهار التجاري لم يذكر المؤرخون حركة ثقافية نشطة عرفتها المدينة (عنابة)، لا بـ (اللغة الرومانية) ولا بـ (اللغة اللاتينية) أو بغيرهما، وما يمكن قوله: هو أنه في فترة سيادة (اللغة اللاتينية) لم تتجاوز حدود التعامل بها في المسائل المتعلقة بالتجارة وبالتداول اليومي البسيط، ما عدا حضورها في ممارسة الدين المسيحي.
ويروي المؤرخون أن الذي بقي رائجا من اللغات المحلية هو اللغة القرطاجية (ذات الأصول الفينيقية)، إلى جانب اللغة الأمازيغية القديمة التي كان لها حضور في التداول اليومي، ونظرا لتعدد التجار وتعدد اللغات في الحركة الاقتصادية، دخلت اللغة الأمازيغية في صراع لغوي مع لغات أخرى مكتوبة فغلبتها، ودخلت في مرحلة شفوية دامت طويلا، ولم نعثر خلال العهود الرومانية على آداب أوثقافة (بعنابة)، سواء أكانت لاتينية أم أمازيغية، يمكن اعتبارها ظاهرة مميزة لتلك العهود في المدينة، ما عدا ما عرف بالقرب منها في مدينة (مداوروش/مادورا) التي اشتهرت بالكاتب/الروائي المادوري (أبوليوس) صاحب رواية: (الجحش الذهبي) وقد ترجمها الدكتور أبو العيد دودو رحمه الله إلى العربية.
ويرجع ذلك إلى أن الرومان في شمال إفريقيا لم تكن عنايتهم موجهة إلى نشر اللغة والثقافة الرومانيتين، بقدر ما كانت موجهة إلى جمع الثروات والسيطرة على السكان، ونتيجة لذلك نفر الأمازيغ من حكمهم، ومن السعي وراء التثاقف معهم، ومن كل ما يتعلق بهم ، إلا ما كان له صلة بالتعامل اليومي.
ولم تُعْرف من الأحداث البارزة بــ (عنابة) خلال العهود الرومانية (أي ماقبل الميلاد وبعده) إلا حادث ظهور المذهب الديني المسيحي الثائر (الدُّوناتية) نسبة إلى الأسقف «دُونَتُوس» في القرنين الرابع والخامس الميلاديين، وهذا الأسقف أمازيغي، كان أسقفا (ببغاية) بالأوراس، وإليه يرجع الفضل في وضع أسس المذهب المنسوب إليه (الدوناتية)، وقد عين أسقفا لقرطاجنة سنة316 م وأخذ هذا المذهب ينتشر بسرعة في الأوساط الأمازيغية في نوميديا وموريطانيا، ولكن السلطات الرومانية حاولت القضاء عليه بوسائل مختلفة، واضطهدت أتباع هذا المذهب الجديد اضطهادا شديدا، وبقدر ما كان الاضطهاد شديدا كانت سرعة انتشاره بين الأمازيغ أشد. وإلى جانب السلطة الرومانية تجند قساوستها للقضاء على المذهب الجديد، على رأسهم القديس (أوغسطين) الأرثوذوكسي (السلفي) الذي كان يرى بأن (الدوناتية) بدعة يجب القضاء عليها، ونشأ عن ذلك أن نشط خلاف مذهبي حاد بـ (عنابة)، بسبب ما يراه أتباع (الدوناتية) من أن: (المسيح ليس ابنا لله، وأن قاعدة التثليث (الأب والابن وروح القدس) إنما هي ضد الحقيقة المسيحية، وأنها بدعة ومخادعة، فالله واحد أحد، والمسيح عبده ورسوله.. وأن ما نراه من عمل رجال الدين من بيع الغفران أو منحه لمن طلبه من المخلوقات.. باطل، بل إن الله هو الخالق، وهو الذي يغفر الذنوب إن شاء.
والواقع أن هذا المذهب الجديد في حقيقة أمره يمثل ثورة على السلطة المؤيدة (للأرثوذوكسية المسيحية) وأتباعها، وَوَجَد الأمازيغ في هذا المذهب ما يذكي حبهم الدفين ورغبتهم الجامحة في الحرية والثورة على السلطة الرومانية، فاعتنقوه، وبقي في (عنابة) مدة طويلة إلى العهد الوندالي.
وبعد انحسار (الدوناتية) تبدو (عنابة) صاحبة مدرسة أسقفية يتزعمها القديس أوغسطين الأمازيغي، الذي ولد بـ (تاغست/سوق أهراس)، وتعلم بمدارس مداوروش (مادورا)ـ ثم (قرطاجة) ثم (ميلانو بإيطاليا) ، وعاد إلى مسقط رأسه سنة 388 م، ثم سمي قسيسا بعنابة سنة 391 م، وفتح بها (ديرا) يكون الأساقفة ويتخرجون بإشرافه، فقد تخرج منه عشر أساقفة عينوا بـ (تاغست/سوق اهراس) و (سرتا/قسنطينة)، و (قالمة) و(سطيف) و (ميلة) و(خنشلة.
كما أن هذا القديس كان أول مؤسس لـ (أول دير بإفريقيا/الجزائر)، وكان قديسا (أرثوذوكسيا/سلفيا)، ظل وفيا لمدينة (عنابة) عندما حاصرها (الوندال) سنة 430 م ومات بها، رغم ما أتاحه له أبناء بلدته من إمكانية الفرار والنجاة، ولكنه آثر أن يموت بينهم وأدركه أجله سنة 430 م.
وفي العهد الوندالي عرفت (عنابة) حصارا دام مدة طويلة من قبل (الوندال) لإخراج القائد الروماني الذي لجأ إليها، فقد كانت مدينة مسوَّرة لم يستطع (الوندال) فتحها إلا بعد خروج أهلها لمواجهتهم. وفي عهدهم تعرضت (عنابة) للتخريب وللنهب، ولكن مكانتها الاقتصادية وموقعها الاستراتيجي جذبا شهية (الوندال) من جديد، فأقاموا بها، واتخذوها (عاصمة) لمراقبة العمق الإفريقي؛ منها تنطلق الجيوش لقمع المخالفين، ومنها تمخر السفن البحرية في المتوسط للغزو شرقا وغربا، وللتجارة عبر شواطئ الشمال الإفريقي والجنوب الأوروبي والجزر المتوسطية. وفي العهد (الوندالي) عرفت انحطاطا اجتماعيا وثفافيا لم تبلغه في عهود سابقة.
وفي العهد (البيزنطي) لم تظهر (عنابة) ذات مكانة سياسية أو إدارية واضحة كغيرها من المدن الواقعة تحت النفوذ (الرومي)، بقدر ما كانت مرفأ احتفظ بوظيفته الأولى: التجارة وتصدير البضائع وشحنها إلى موانئ البحر المتوسط.
أما في الفترة الإسلامية فإن مدينة (عنابة) لم تعرف مقاومة (للفاتحين)، بل استسلمت (سنة 78 هـ في أيام أمير إفريقية حسان بن النعمان) (15)، ودخلت تحت الحكم العربي، ودخل سكانها من الأمازيغ وجالياتها الإسلام، وتسالموا مع العرب (الفاتحين)، ولم يرغمهم (الفاتحون) على ترك عاداتهم وتقاليدهم وممارساتهم، إلا ما كانوا يرونه وثنيا مخالفا للشريعة الإسلامية فإنهم قاوموه، وتركوا لهم ثقافتهم ولغتهم، ولم يرغموهم على التخلي عن مسيحيتهم أو يهوديتهم التي كانوا عليها.
وبقيت (عنابة) لا تمثل للعرب إلا مركزا بحريا تشحن منه السفن بالبضائع إلى المشرق أو المغرب والأندلس، أو تَجْلِب السفنُ إليه من مناطق أخرى البضائعَ المتنوعة التي توزع في العمق الجزائري. غير أننا نلاحظ أن العرب لم يتخذوها عاصمة لهم، لاعتقاد العرب أن ساكني المدن البحرية لا يمكن الاعتماد عليهم، لأن الحكم يعضد بالعصبية، وتعدد الأجناس مآله الخذلان.
وقد استقرت بـ (عنابة) بعض من أصول قبائل عربية هلالية، امتزجت مع السكان وتثاقفوا في شتى مظاهر الحياة، وأصبحوا يكوِّنون وحدة متماسكة؛ ومن هذه القبائل نذكر: (دريد فرع من الإثبج)، وكان منهم (الحسن بن سرحان) رئيس قبيلة الإثبج وأخته (الجازية) ، وهذا ما يفسر اتتشار قصص الجازية وسيرتها عبر جزء كبير من المنطقة الشرقية للجزائر (من مناطق عنابة إلى مناطق تبسة) حيث كان موطن ترحالها حسب الروايات الشعبية. ومن بطون (دريد): (أولاد سرور) و(أولاد عبد الله) و(أولاد احباسي) و(أولاد عطية) .
وهذه الإشارة تفسير للنزوح القوي لسكان قرية (أولاد عطية) بجهات (القل) وانتشارهم بـ (عنابة) أكثر من غيرها من الأماكن، و هو أمر لا يدعو إلى الغرابة، فقد ترسب فيهم حب الموطن (عنابة) الذي هاجروا إليه أول مرة من (بلاد العرب)، وهو إلى جانب ذلك موطن خصب صالح للعيش وللحياة الكريمة. ويبدو أن (اولاد عطية) بالقل فريقان:
أحدهما انتقل من جهات بسكرة من قرية (اولاد بوزيد) أو (لُبَّاِزيد) للرباط في الثغور، وهو عدد قليل، استقروا بها. والعمل بسهلها، وهم من دريد.
أما الفريق الآخر فإنه بقي يمارس تجارة الأخشاب وظل على صلة بـ (عنابة). ومن القبائل التي استقرت بها أيضا: بطون من قبيلة (عوف) و(فزارة) و(رياح) الذين منهم (الحنانشة)..
وفي العصر الفاطمي عرفت (عنابة) تغيرا واضحا، إذ اتخذها (الفاطميون) مكانا لصناعة الأسلحة وبناء السفن الحربية القوية التي تمخر عباب المتوسط لمواجهة (الروم)(18). ومما يدل على حضورهم بعنابة إننا نجد ثقافة عنابة الشعبية متمثلة في بعض العادات والتقاليد في الأعياد والمناسبات لها شيئ من مذهبهم.
وهكذا فإن (عنابة) ورغم هذه المتغيرات لانعدم أوصافا لها ولأحوالها في كتابات الرحالة الذين زاروها أو سمعوا عنها، أو نقلوا ما كتبه غيرهم إلى كتبهم (كما هي عادة الكتاب القدماء ينقلون عن بعضهم دون ذكر المصدر).
يتبع

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com