قضايا و آراء

حول مقولة: «ما بعد الإسلام السياسي» (2)

أ. عبد القادر قلاتي/

إنّ ما يلاحظه كلّ متابع لمسار التيار الإسلامي السياسيّ، يدرك بوضوح تام، تلك الصلابة الفكرية التي حافظ من خلالها على وجوده الاجتماعي والسياسي، داخل الدولة القطرية، بمشاكلها المعقدة التي أفرزها الواقع الذي ظهرت فيه دول ما بعد الاستقلالات الوطنية، حيث بدأ الخلل فيها حين تشكل مفهوم الدولة كما تريده الشعوب المستقلة، وكما تريده-أيضا – الجماعة السياسية التي تصدرت المشهد السياسي في معظم الأقطار العربية، بخلفياتها الايدلوجية وأفكارها البعيدة عن المجال التداولي لهذه الأقطار المستقلة، وهو ما ألحق تشوها كبيرا في مفهوم الدولة في صيغتها الحديثة، وهو ما أعطى شرعية كبيرة للحركة الإسلامية السياسية، باعتبارها تشكل حالة الامتداد الطبيعي لشكل الدولة التقليدية التاريخية، أو هكذا كان يعتقد، غير أنّ التقدير الحقيقي لمسار وخطاب الحركات الاسلامية ذات التوجه السياسيّ لم يكن كذلك، فقد كانت أغلب الحركات الاسلامية السياسية تستمد قوتها من الحداثة وليس من نظام التقليد الذي رسم مسارها منذ ظهور الإسلام، وبالرغم من النقد الموجه لها من قبل الجماعات السياسية الايدلوجية سواء في اليسار أو اليمين، إلاّ أنّ تقديراتهم لم تكن موفقة تماماً، فقد نظروا -أي التيارات المعادية للخط الإسلامي – إلى شكل الخطاب المعبر عن مطالبها دون النّظر في فلسفتها السياسية ومدار ممارستها للفعل السياسيّ، فهذه الحركات -في الحقيقة – لم تكن سوى أحزاب سياسية كغيرها من الأحزاب المؤدلجة، التي سوقت لنفسها أنّها طليعة الأمة ونخبتها السياسية والفكرية.
ماذا يعني الحديث عن مرحلة «ما بعد الإسلام السياسي»؟ هل هو الحديث عن تطور في الرؤى والتصور لدى الأحزاب التي استندت إلى الإسلام كمرجعية فكرية أم أنّ الأمر تقييم لتيار سياسيّ أصيل في الأمة، أخطأ في أشياء وأصاب في أشياء أخرى؟.
لقد كتب الكثير من الباحثين المهتمين بالظاهرة الإسلامية في شقها السياسي، وبعضهم ذهب بعيداً في تقدير وضعها في العالم، إما جزما بانحصارها أو نهايتها، وإما بتطور خطابها السياسيّ طبيعياً -دون إرادتها – لخصوصية المجال السياسيّ الذي لا يحتمل الأفكار النهائية والثابتة (كما يعتقد هؤلاء الدارسون)، ومن ثمّ فالتبشير بما بعد «الاسلام السياسي»، ليس سوى رؤية تفسيرية لحالة التطور الطبيعي الذي يلحق كلّ تيار أو جماعة أيديولوجية، تسعى لنشر أفكارها، فالعمل السياسيّ هو من جنس الإسلام كدين خالد، وليس ظاهرة مستقلة أو منعزلة عن تراثه وتجربته التاريخية.

اظهر المزيد
شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com