مساهمات

معضلة التقليد

أ.د. عبد الملك بومنجل/

روح الحداثة أن يؤمن الناقد أو الباحث أو المفكر أنه راشد وحر فلا وصاية لأحد عليه، وأن يتلقى ما يفد عليه من هنا وهناك على أنه فكر بشري لا قداسة له، فهو قابل للمساءلة والنقد وللاعتراض والرد.
ولكن أكثر رموز الحداثة والتنوير في البلاد العربية يتجاهلون ذلك تجاهلا معيبا، فيرفعون التجديد شعارا ويمارسون التقليد واقعا. يتخذون من الفكر الغربي مرجعا متعاليا ومن نمط الثقافة الغربية معيارا حاكما، حتى إذا تحدثوا عن التجديد كان التجديد عندهم أن تستبدل بثقافتك العربية أدبا ولغة وذوقا وفكرا وقيما في السلوك والاجتماع ثقافةً غربية؛ وإذا تحدثوا عن التقليد فإنما هو أن تكون وفيا للغتك ودينك وقيمك وحضارتك، وأن تظل مؤمنا بأن الشمس تشرق من الشرق، وأن الشعر يكون موزونا أو لا يكون، وأن المرأة تُصان عن الابتذال، وتُحجَبُ مفاتنُها عن عيون الرجال!
لقد وقع أدعياء التجديد ضحية عقدة نفسية صعُب عليهم الشفاء منها، ومعضلة منهجية كبُر عليهم الاعتراف بها واستعصى عليهم التحرر منها: عقدة النظر إلى الآخر على أنه السيد المطاع والمرجع المتعالي، ومعضلة التبعية للغالب كما لو أن غلبته امتياز أبدي لا ناتج عوارضَ تاريخية!
لقد بلغت العقدة ببعض هؤلاء أن «أصبح السيد في منزله –كما ذكر المنفلوطي متحدثا عن بعض ما كان يحدث في زمنه- يستحي الحياء كله من خادم غرفته الأوربية أن تطلع منه على جهله ببعض عاداتها وعادات قومها، حتى في لبس الرداء وخلع الحذاء، أكثر مما يستحي من الله ومن الناس أن يهجموا منه على أرذل الرذائل، وأكبر الكبائر. وحتى أصبح طريق المشرق وتاريخ علمائه وأدبائه وفلاسفته وشعرائه صورة من أقبح الصور وأسمجها في نظر كثير من الشرقيين، يفخرون بجهله إن جهلوه، ويراءون بجهله إن علموه».
هل تتيح لنا هذه الصورة الوصفية أن نستنتج أن حمّى التجديد قامت على مفارقة صارخة، وهي أنها صدرت عن حمّى التقليد؟
أجل؛ فأكثر آراء طه حسين في التجديد استمرار لمذهبه في التقليد وهو: «أن نسير سيرة الأوربيين ونسلك طريقهم لنكون لهم أندادا، ولنكون لهم شركاء في الحضارة، خيرها وشرّها، حلوها ومرّها، ما يحب منها وما يكره، وما يحمد منها وما يعاب». وبالجملة أكثر ما ورد من أفكار ومذاهب في تجديد الدين والفكر واللغة والأدب ومنهج البحث، إنما هو من وحي التقليد وحاصل الانبهار بحضارة الغرب.
توقف الدين فترة طويلة عن الإشعاع الحضاري منذ دخلت الحضارة الإسلامية في مرحلة الغريزة التي جسدها الإقبال على الشهوات والاصطراع على المصالح والمناصب. فوجد مسلمو القرن العشرين أن المثال الإسلامي أبعد ما يكون انسجاما مع الواقع، ففضل الكثير إخضاع الإسلام للواقع بطريق التجديد، لا إخضاع الواقع للإسلام بطريق التحدي والاجتهاد الحضاري.
وتوقف الفكر حقبة عن الاجتهاد، فهجمت عليه الحضارة الغربية بأفكارها ومذاهبها، فما ملك أن أسلم لها قياده، وأعلن إليها انقياده، وفضل الكثير استيراد ما هو كائن على تحقيق ما ينبغي أن يكون.
وتوقفت اللغة زمنا عن مواكبة الحياة لاسيما في ميدان العلوم. وتردى مستوى العربي في العلم باللغة والإحاطة بقواعدها وبلاغتها، حتى عمّت الركاكة وبعدت الشقة بين لغة العامة ولغة الفصاحة، فرأى بعض المثقفين أن الحل ليس ترقية مستوى العربي، ولكن إخضاع المثال إلى الواقع، وما ينبغي أن يكون إلى ما هو كائن، وما تقتضيه المصلحة والأصالة إلى ما تريده حضارة الآخر.
وتوقف الأدب مدة عن الازدهار، حتى غزاه التكلف، وأثقلته الزخارف، وفشت فيه الركاكة، وغدا لعبة زخرفية أو سلوة للكسالى، فلما تراءى الأدب الغربي نابضا بالحياة، عامرا بالخيال والعاطفة والمعرفة والجمال، ارتأى الكثير من النقاد والأدباء تقليد هذا الأدب، لا مواصلة ما انقطع من أمجاد العرب، وكفى الله المؤمنين القتال.
وهكذا، في كل شأن من شؤون الحياة، كان التجديد، عند دعاته المتحمسين، هو إخضاع المثال لينسجم مع واقع صنعه الآخرون. وجعل ما هو كائن لدى الآخر معيارا لما ينبغي أن يكون، وتعديل الأصول الثابتة لتستوعب ما لم نشارك في إنجازه في شتى العلوم والمذاهب والفنون. وهكذا، هكذا، والمشهد حافل بالشواهد.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com