مقالات

تزوير التحرير

أ.د. عبد الملك بومنجل/

التحرير رديف التنوير في الخطاب «التنويري» العربي الحديث. والحرية شعاره الأكبر. والتجديد وروح العصر مصطلحان تلوكهما الألسن وتبتذلهما الأقلام دون تهيّب من كلمة ليس لها من واقع الأمر نصيب، وثانيةٍ هي إلى التقييد أقرب منها إلى التحرير!
لقد جرى تزوير التحرير حتى بدا كما لو أن الحرية هي أن تفكّر مسلوب الإرادة والخصوصية كما يفكر غيرك. والتجديد أن تُخلص، حذو القذة بالقذة، في تقليد غيرك. وروح العصر أن تهجر روح الحرية وروح الإسلام وروح العقل والذوق والحكمة استكانةً لما يموج به العصر الذي يصنعه غيرك؛ وهذا هو التزوير في أجلى تمثّل!
كان قاسم أمين، في كتابه «تحرير المرأة»، من المتحمسين لمقولة التجديد، والعاملين على تطوير الشريعة لتتفق مع العصر. وكان ميدان عمله هو تحرير المرأة وتغيير نظام الأسرة. وأما المثال المحتذى فكان هو الواقع الراهن في حضارة الغرب وليس ما ينبغي أن يكون.. لقد كان يقول وهو يدافع عن أطروحته في تحرير المرأة بترك الحجاب: «هل يظن المصريون أن رجال أوربا مع أنهم بلغوا من كمال العقل والشعور، مبلغا مكنهم من اكتشاف قوة البخار والكهرباء واستخدامها على ما نشاهده بأعيننا. وأن تلك النفوس التي تخاطر في كل يوم بحياتها في طلب العلم والمعالي، وتفضل الشرف على لذة الحياة- هل يظنون أن تلك العقول وتلك النفوس التي نعجب بآثارها يمكن أن يغيب عنها معرفة الوسائل لصيانة المرأة وحفظ عفتها؟ هل يظنون أن أولئك القوم يتركون الحجاب بعد تمكنه عندهم لو رأوا فيه خيرا؟».
ولا يسع أحدا يقرأ هذا الكلام إلا أن يتذكّر ما حذّر منه الغزالي منذ قرون طويلة: آفة الانبهار بالدقة والإحكام في علوم الطبيعة، والاعتقاد بأن من شأنه هذا الإحكام لا يمكن أن يصدر منه إلاّ ما هو صحيح ومحكم وحق وخير. فها هو قاسم أمين تنبعث دعوته للتجديد من عباءة التقليد، ويتخذ من الغرب المتفوق علميا وحضاريا معيارا للحق والخير! ولقد أورد في كتابه آراء واقتراحات يستند أكثرها إلى معيار الواقع الغربي، سواء أتوافقت مع أصول الشريعة أم تخالفت معها.
لقد قامت الدعوة إلى تجديد الدين وتطويره على أساس الرغبة في التقارب مع حضارة الغرب، والخضوع لضغوط الواقع ومقتضيات العصر، وإلزام الإسلام أن يتنازل عن أصوله وينزل من عليائه ويخرج عن طبيعته ووظيفته ليصبح مقودا لا قائدا ومتغيرا لا مغيرا؛ وهذا هو القيد عينُه والتزوير ذاتُه واستبدال التقليد بحرية الفكر والذي هو أدنى بالذي هو خير.
إنّ قاسم أمين يظهر في غاية الاعتدال إذا قورن ببعض من عاصره, وغيره ممن جاء بعده؛ ولكن دعوته التي لم يقدر عواقبها، لغلبة طبعه البشري، كانت خطوة حاسمة فتحت مجال انحراف المرأة والمجتمع على مصراعيه. ولقد جاء بعده من عمل- باسم التجديد- على هدم أصول الدين وإفراغ الإسلام من محتواه. وكان أبو الأعلى المودودي يقاوم، خارج البيئة العربية، هذا التيار الذي يتخذ من روح العصر ووجهته حجة مذهبه في تجديد الدين، أو بالأحرى تخريب الأصول. وها هو يسخر، من هذه الفلسفة الخانعة في التجديد تماشيا مع ريح العصر، فيقول:
«إن هذه الشريعة الإلهية لم تنزل للأقزام الخانعين، ولا لعبدة الأهواء وموالي الدنيا، ولا لأمثال الريشة الطائرة في مهب الريح، أو أمثال الغثاء الجاري مع تيار الماء ولا للحربائيين الذين يتلونون بكل لون من ألوان البيئة. وإنما أنزلت لأولئك الليوث الأبطال الذين يجدون أنفسهم أقوياء على تغيير مهب الريح، ومقاومة التيار وتحويل مجراه إلى الجهة الصحيحة، والذين يحبون صبغة الله فوق ما سواها وقد عزموا على أن يصبغوا جميع العالم بهذه الصبغة. إن الكائن الذي يقال له (المسلم) لم يخلق للانسياق مع التيار، وإنما الغاية من وراء خلقه في هذه الدنيا أن يوجه تيار الحياة في الوجهة التي هي وجهة الحق والصواب بحسب إيمانه وعقيدته..».
وبعد هذا العرض، يوجه سخرية لاذعة لتيار الانسياق مع ريح العصر، فيقول: «ولو كان المقصود هو هذا فلماذا أُنزل الكتاب وبُعث الأنبياء، إذا كانت أمواج الريح كافية لتوجيهكم، وتيار الحياة الدنيا كافيا لإرشادكم، وتقلبات الزمان كافية لتعليمكم صنعة الحرباء».

اظهر المزيد
شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com