عين البصائر

البحاثـــة والـمؤرخ الأستاذ عمر كارَلْيِي في ذمة الله

أد. مولود عويمر/

توفي يوم الجمعة 22 أكتوبر 2021 بمدينة باريس المؤرخ الجزائري عمر كارليي (المولود: جون-لويس) بعد صراع طويل مع المرض.
ولد من أسرة فرنسية وأسلم فيما بعد واختار اسم عمر بعد أن تزوج بجزائرية مسلمة. بعد تحصيله العلمي في جامعة باريس بين 1961 و1967، قدم  إلى مدينة وهران حيث عمل أستاذا بجامعتها وباحثا في مركزها للبحوث الاجتماعية.
وأنجز خلال هذه الفترة أبحاثا عديدة حول تاريخ الجزائر، ونشر مقاله الأول حول حزب نجم شمال إفريقيا في “المجلة الجزائرية للعلوم القانونية والسياسية والإقتصادية”، ونشر أيضا دراسات في منهجية دراسة تاريخ الحركة العُمالية في الجزائر بين الحربين.
كما اهتم بتاريخ الجزائر الاجتماعي والطبقات المهمشة، ومن أهم أبحاثه في هذا المجال أذكر هنا:
“عُمال تراموي مدينة الجزائر في الثلاثينيات من القرن العشرين” المنشورة في مجلة “الحركة الاجتماعية” الفرنسية، ودور المقاهي في صناعة الوعي والتنوير في فترة الاحتلال الفرنسي والصادرة في المجلة الشهيرة: “الحوليات”.
وفي بداية التسعينيات عاد إلى فرنسا لإتمام أطروحته الجامعية التي خصصها لموضوع التحوّلات الاجتماعية والسياسية والثقافية للحركة الوطنية الجزائرية بين 1926 و1954.


وبعد أن نال شهادة دكتوراه الدولة في العلوم السياسية من معهد الدراسات السياسية المعروف في سنة 1994، عيّن بعد السنة الموالية أستاذا محاضرا في جامعة باريس1. وبقي في هذا المنصب إلى غاية 2003 ثم عيّن أستاذا للتعليم العالي (بروفيسور) في جامعة باريس 7.
وأشرف خلال هذه المدة على العديد من الرسائل الجامعية التي أعدها الطلبة المغارب والفرنسيون حول تاريخ الجزائر وتونس والمغرب، وأذكر منها أطروحة حول نشاط جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في ولاية قسنطينة بين 1940 و1954 والتي أعدها الطالب الباحث نجيب عاشور.
وفي مجال التأليف، نشر العديد من الكُتب، وكان أشهرها كتابه: “بين الأمة والجهاد”، الذي تناول فيه التاريخ الاجتماعي للحركات المناهضة للاحتلال والاستعمار في الجزائر. كما نشر دراسات في كتب جماعية وموسوعات معروفة مثل دائرة المعارف الفرنسية، وموسوعة المستشرقين الفرنسيين، ومُعجم الحركة العُمالية في فرنسا…الخ.
وكان عُمر كارليي يشكل مع الثلاثي محمد حربي وبنيامين ستورا وجلبير منيي تيارا واحدا في مجال الدراسات المتعلقة بتاريخ الجزائر داخل الجامعة الفرنسية، وهو التيار اليساري المنصف في كثير من الأحيان لتاريخنا الوطني وخاصة التيار الاستقلالي في الحركة الوطنية الجزائرية.
وإذا كان ستورا ومنيي وحربي يظهرون باستمرار في وسائل الإعلام للحديث في المسائل التاريخية والقضايا الشائكة الراهنة فإن كارليي إنسان كتوم يحب دائما الاشتغال بعيدا عن الأضواء.
وكان يعتمد في محاضراته على قراءة النص مثل محمد حربي ولا يرتجل إلاّ قليلاً. ومن محاضراته القيمة التي استمعت إليها أشير هنا إلى محاضرته التي ألقاها في المؤتمر الدولي الذي نظمته جامعة السوربون في عام 1992 حول المؤرخ الشهير شارل -أندري جوليان حيث تناول سنوات طفولته وشبابه في مدينة وهران خلال الثلث الأول من القرن العشرين.
وبموت البروفيسور عمر كارليي -رحمه الله – فقدت الدراسات التاريخية المغاربية بشكل عام والجزائرية بشكل خاص باحثا منصفا وأستاذا رساليا وسندا كبيرا في الجامعة الفرنسية والحياة الفكرية في هذا الظرف الحساس من تاريخ العلاقات بين الجزائر وفرنسا، وانتشار خطاب الإسلاموفبيا والعداء للمهاجرين العرب.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com