اتجاهات

الجزائر كما أرادها الله، لا كما يريدها الثعلب الماكر والنخبة الخائنة

أ. لخضر لقدي/

افتتح هذه المقالة بكلام نفيس يكتب بماء الذهب، ويستحق أن ينقش على جبين الزمن، والقول لإمام الجزائر من ملك ناصية العربية ونافح وكافح لتكون الجزائر كما أرادها الله مسلمة لرب العالمين بلسان عربي مبين إنه الشيخ البشير الإبراهيمي الذي يقول:
“الجزائر عربية الأنساب واللسان، شرقية النزعات والنفحات، مسلمة الدين والآداب، كانت وما زالت كذلك من يوم طلعت عليها خيول عقبة والغزاة الفاتحين من أجدادكم، ومن يوم غطّت سهولها أبناء هلال بن عامر بن صعصعة، آتية من صعيد مصر، في أواسط المائة الخامسة، وكان لبني هلال في تلك الإغارة الكبرى قصد، وكان لله من ورائها حكمة… هذه الأقاليم التي استقامت على الإسلام أفئدتها،…. والفاتحون الأولون فتحوا الأذهان لتعاليم الإسلام، والإسلام يستتبع لغته، فحيثما كان كانت”.
والشيخ محمد البشير الإبراهيمي أحد فلتات الزمان، ونفحات المكان، إنه العبقرية الذي شهد على عصره، وشهد له عصره، جهبذ من جهابذة العصر، صاحب بيان جزل، وأدب رصين، وسبك عربي سام ومتين، سرت الأفكار في داخله، وملك ناصية الأدب مثلما ملك ناصية التفسير واللغة والفقه والحديث والتاريخ الإسلامي.
والحديث عن الإبراهيمي هو حديث عن الجزائر: أصالة وحضارة وصمودا ونهضة وتحررا.
والثقة العمياء تقتل أحيانا وهذا ما نعانيه من نخبة سلمناها رقابنا فكان عاقبة أمرنا خسرا، فلسان عدو الأمس الأعجمي ما زال يخالف الأصول، ويهدم القواعد، دون حياء ولا خوف.
وأصل الحكاية من البداية –يا قوم – أن من ينكر أن يكون للجزائر دور في التاريخ أو أن تكون الجزائر أمة، هم من يستقبل بالأحضان، ويقال عنه الصديق ذو النوايا الحسنة، ولولا انتفاضة أخيرة في وجهه لأصابنا اليأس والإحباط، متمنين أن لا تكون سحابة صيف.
ومن يعتبر أن العهد العثماني كان عهد احتلال ويصفه بالتأخر والاستبداد والغربة، ويصف الإنسان الجزائري أثناءه بالخضوع والقدرية والضياع، فإنه يقفز على حقائق التاريخ، وينسى أو يتناسى أن الوجود العثماني كان نصرة دينية وليس احتلالا، ذلك أن الجزائريين هم الذين استدعوا الدولة العثمانية لحمياتهم من الإسبان، يقول أبو القاسم سعد الله: إن العثمانيين قد دخلوا الجزائر أساسا بطلب من أهلها وربطوا مصيرهم في الغالب بمصير أهل البلاد وتحالفوا معهم… وكان الجزائريون يستنجدون بالجيش العثماني (القرصان) منذ أواخر القرن التاسع حين عجزت الإمارات المحلية ودولة بني زيان ودولة بني حفص على صد هجوم الأسبان عن السواحل.
ويقول الإبراهيمي: كانت نجدة القائدين (بابا عروج وخير الدين) لمدينة الجزائر تلبية لاستغاثة إسلامية بهما من شيخ تلك المدينة إذ ذاك سليم التومي، ولقي القائدان من رجال الجزائر ما يريدان من تأييد وإعانة وطاعة وثبات وبطولة.
“وكان خير الدِّين شديد الرَّغبة في أن يذهب بنفسه إِلى إستانبول ليعرض على السُّلطان سليم الأوَّل شخصيا أبعاد قضيّة الجزائر. ولكنَّ زعماء مدينة الجزائر توسَّلوا إِليه أن يبقى فيها؛ كي يستطيع مواجهة الأعداء إِذا تحرَّكوا. وطلبوا منه أن يرسل سفارة تقوم بالنّيابة عنه، وكانت الرّسالة التي حملتها البعثة موجهة باسم القضاة، والخطباء، والفقهاء، والأئمّة، والتّجار، والوجهاء والأعيان، وجميع سكان مدينة الجزائر العامرة، وهي تفيض بالولاء العميق للدّولة العثمانيّة، وكان الذي يتزعّم السَّفارة «الفقيه العالم الأستاذ أبو العباس أحمد بن قاضي» وكان من أكبر علماء الجزائر، كما كان قائدا عسكريّا، وزعيما سياسيا، وكان بمقدوره أن يصور أوضاع بلاده، والأخطار التي تحيط بها من كلِّ جانب”.
ولو كان العثمانيون مستعمرين للجزائر لفرضوا لغتهم التركية، أو فرضوا مذهبهم الفقهي الحنفي، أو فرضوا ثقافتهم، بعكس الاستدمار الفرنسي الذي ما زالت آثاره في ألسنتا باقية، وفي أسماء مدننا ظاهرة فهذه دولتنا تسمى بالفرنسية ALGERIE وليس ALDJAZAIR كما سماها مؤسس الدولة الزيرية زيري بن مناد الصنهاجي (ت 360هـ)
والذي أطلق اسم ALGERIE عن الجزائر هو وزير الحربية الفرنسية Antoine Virgile Schneider (14 Octobre 1839 la circulaire de A Schneider Ministre de la Guerre donna le nom définitif d’Algérie).
ومما يؤسف له ويدع الحليم حيران أن مخطط فرنسا في محو دولتنا وطمس هويتنا وإلغاء تاريخنا ما يزال مستمرا، ففي هذه الفترة الطويلة نسبيا لم ننتبه إلى عناصر الهوية فنثبتها ونركزها، ولم ننتبه لتاريخنا الحقيقي الممتد في أعماق التاريخ فندرسه لأبنائنا، واستسلمنا لخطة عدونا حيث تولى أتباعه وأذنابه المستلبون وبعض الغافلين طيبي النوايا المسخ والنّسخ ثم الفسخ .
وكان في البداية مسخا وتشويها للأسرة وهدما للتعليم ثم تلاه نسخ واستبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير وتم نزع كل جميل من المناهج من لغة كتبنا الجميلة بعبارتها المليئة بالفضيلة.
ثم أتى دور الفسخ وفك الارتباط بالدين والوطنية، وعممت ثقافة الانسلاخ والانبطاح لمستعمر الأمس عدو الأمس واليوم والغد، وغدا ستكون الجزائر كما أرادها الله، لا كما يريدها الثعلب الماكر والنخبة الخائنة.

اظهر المزيد
شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com