الحدث

حــــول تصـــريــحــــات ماكــــرون الأخيرة/ استحضار الخطاب الاستعماري المتعالي مجددا

إعداد: أ. عبد القادر قــلاتي/

 

لم يجد السيّد ماكرون ساحة للنزال السياسي في خلافه مع السلطة الجزائرية إلاّ الخوض في التاريخ الذي يجهله، ويجهل تفاصيله فيما هو مشترك بين بلاده الاستعمارية والجزائر المستَعمَرة بعد خلافات ومعاهدات وعلاقات سجل تفاصيلها التاريخ المشترك بينهما، مختصرا هذا التاريخ -بما فيه من مآس ودمار – في مقولات طالما ردّدها الخطاب الاستعماري في تبرير سياسته الاستدمارية، وأنشأ من أجل ذلك تيارا واسع الانتشار يدفع نحو تشويه الحقائق وتكريس جملة من المغالطات التي انطلت على الكثيرين بما فيهم أبناء الجزائر، الذين صدقوا هذه المقولات، التي أفرزت بعد الاستقلال الوطني واقعاً استثنائيا، مشوها للحالة المجتمعية الأصيلة التي لم تعرف الانقسام في الرؤية والتصور، قبل أن يهجم الاستعمار ومشروعه التدميري الذي -للأسف -، مايزال يسوق خطابه القديم على بلادنا…

إنّ التصريحات الأخيرة للرئيس الفرنسي تظهر حقيقة المشروع الاستعماري الذي لم يتخل عن رؤيته القديمة في النّظر إلى البلدان التي استعمرها، ورغم طول المدة الفاصلة بين الاستقلال وهذه اللحظة، تظهر فرنسا وقيادتها السياسية فشلها في تجاوز ميراثها الاستعماري وقدرتها على ابراز خطاب حديث يرقى إلى مستوى العصر وثقافته… في هذا الملف حاولنا مقاربة الموضوع باستحضار علمين كبيرين من علماء للرّد على لغة التعالي الموهوم في السياسة الفرنسية الاستعمارية، وهما: مولود قاسم من خلال كتابه الموسوم بـ«شخصية الجزائر الدولية وهيبتها العالمية»، ومصطفى الاشرف في كتابه: «الجزائر الأمة والمجتمع»، وذلك بوقفة مختصرة لفحوى الكتابين، حتى يتمكن الجيل الجديد من معرفة ماضيه التليد، وأعلامه الكبار…
مفهوم الامة من خلال كتاب مصطفى الأشرف:
«الجزائر الأمة والمجتمع»
يقول الأشرف عن كتابه الشهير: «إنّ هذه النّصوص التي جمعناها بين دفتي هذا الكتاب؛ قد تبدو متناقضة من حيث الاتجاه العام؛ ومن حيث الأفكار والنظريات؛ وهذا التناقض أوضح ما يكون بين النّصوص الأولى والنّصوص الأخيرة؛ بسبب المدة الزمنية التي تفصل بينها؛ وهي عشر سنوات؛ ولكن هذا التناقض ليس إلا من حيث الظاهر؛ أو ربما ناتج عن تطور الأمور، وعن النّظرة الجديدة التي أصبحنا نتلمح بها الأحداث بعد استقلال الجزائر».
ويختصر مصطفى الأشرف فكرة الكتاب بقول: «لئن كنا قد استطردنا في القول بعض الشيء، فما كان قصدنا سوى أن نلقي بعض الأضواء على الجو السياسي و الفكري الذي كان سائدا في الجزائر قبيل الاحتلال الفرنسي بمدة قصيرة، وأثناء المقاومة الوطنية.
من جهة أخرى، فقد عقدنا العزم بكل تواضع على أن نعيد النظر إلى القضية الجزائرية في القرن التاسع عشر من زاوية موضوعية، اجتماعية بالدرجة الأولى، مع تنبيه القارئ إلى النظريات السطحية المغرضة التي يروجها بعض المؤرخين. ونحن نرمي من وراء هذا، إلى شرح قضية الحركات الشعبية في البلدان غير المستقلة، في صراعها مع الإقطاعية المحلية التي تخدم الاستعمار، وتعمل جاهدة لتصد الشعب عن تيار التحرر الاجتماعي، ذلك التحرر الذي لا يتم الاستقلال إلاّ به».
ويتابع قوله: «باعتبار أن بعض الجزائريين أنفسهم أدى بهم الأمر-من حيث لا يشعرون- إلى تعزيز النظريات الاستعمارية من الوجهة القانونية، حينما قالوا بأن الاستعمار أمر حتمي قد تفرضه الخطة السياسية أو الحكمة الإلهية، وأن هناك تفاوتا بين الشعوب في درجة الحضارة، وأنه توجد عوامل تحدد «القابلية للاستعمار»، وهذه القابلية هي نوع من أنواع الاستعداد. وإذا وجد لدى شعب من الشعوب في فترة ما من تاريخه، فإنه يصبح بصورة حتمية خاضعا لسلطة الأجنبي… وهذه الحجة تذكرنا بالحجة الانهزامية الباطلة التي كانت حكومة فيشي الفرنسية تحاول أن تبرر بها خضوعها، بعد انتصار النازية عليها».
أما عن الموضوعية في كتاباته فيقول: «أن هذا العمل التحليلي الذي ركزنا فيه على التاريخ السياسي للجزائر، كأمة وكمجتمع، هذا العمل لم يخضع في اعتقادنا لأي اعتبار, ماعدا الاعتبارات الموضوعية التي يتقيد بها كل باحث. ولئن كان حكمنا قاسيا أحيانا… ولم يكن قصدنا من إيراده سوى خدمة الحقيقة التي اتخذناها رائدا في الإدلاء بالشهادة النزيهة؛ وتسجيل الظاهرة الملحوظة النزيهة؛ واستخلاص العبرة من هذه الأحداث التي دخلت في سجل تاريخنا القومي».
القضية المركزية التي حاول الاشرف ابرازها في كتابه هي الطابع المميز للجزائر؛ كأمة تامة التكوين؛ وإذا كانت هذه الفكرة تندرج ضمن السياق العام الذي يدور فيه فكره؛ فانه يثير كثير من التساؤلات؛ أهمها يدور حول الكيفية التي تكونت بها الأمة الجزائرية في نظره؛ والعناصر المكونة لها. فما يقصد الأشرف بذلك؟.
يستعير الاشرف تصور المفكر الفرنسي لوسيان فيبر الذي يبرز في كتاباته الكيفية التي نشأت بها الأمة الفرنسية ويرى أن هذا التصور ينطبق تماما على تكوين الجزائر بدقة حيث يقول في هذا السياق: «ولا يسعنا عندما نسمع لوسيان فيبر يشرح كيف نشأت فكرة الأمة في فرنسا في القرن الثامن عشر، لا يسعنا إلاّ أن نشاطره الرأي، ونقول بكل تواضع بأنّ هذا الأمر ينطبق على الجزائر بالذات».
العلاقات الجزائرية الفرنسية من خلال كتاب مولود قاسم:
شخصية الجزائر الدولية وهيبتها العالمية
بدأت العلاقات الجزائرية الفرنسية مع بداية القرن الـ 14م، حيث ربطت مدينة مرسيليا علاقات تجارية مع ملك بجاية خالد ابن زكريا، حسب المؤرخ الفرنسي دوفول ولكن المؤرخ الأمريكي وليام سبنسر يقول أن هذه المعاهدة عقدت في القرن الـ 12م وليس في القرن الـ14م.
على أن مساعدات الجزائر لفرنسا بدأت رسميا حين حلّ خير الدين بربروس على رأس قسم كبير من بحريته بمرسيليا يوم 5 جويلية 1543م، حيث استقبل استقبالا فاخراً، وكان ذلك بطلب من ملك فرنسا فرانسوا الأول، الذي استنجد بالجزائر ضد الإمبراطور الألماني (ملك إسبانيا وهولندا وأمريكا اللاتينية وغيرها)…. شارلكان، وملك إنكلترا هنري الثامن اللذين كانا يهددان فرنسا.
يقول المؤرخ الفرنسي غارو: «كانت الجزائر تمارس بفضل قادتها البحريين ضغطا على أوروبا كان في صالح فرنسا، خاصة أن ذلك حدث في وقت كانت فيه الأمة الفرنسية مهددة من شارلكان وهنري الثامن بالخطر، وبفضل تلك العلاقات مع الجزائر أنقذ فرانسوا الأول عرشه، وحفظ شعبه من الخراب».
وكان سبب مساعدة الجزائر لفرنسا في ذلك الوقت ضد إسبانيا، هو كون الجزائر في حرب ضد إسبانيا، كما كانت إسبانيا في تلك الفترة هي العدو الأول للجزائريين.
ولم يقف الأمر عند هذا الحد؛ ففي سنة 1591 استنجد الملك الفرنسي هنري الرابع بحيدر رئيس دولة الجزائر البحرية، طالبا منه مساعدته على تحرير مرسيليا من «العصبة المقدسة»، التي انضوت تحتها مجموعة من الدول أقل ما يقال عنها أنه لا يستهان بها، وهي البابا يوليوس الثاني والبندقية وسويسرا وفرناندو الكاثوليكي (زوج إيزابيل ملكة إسبانيا) وهنري الثامن ملك إنكلترا، واجتمعت كلها ضد فرنسا منذ عهد لويس الثاني سنة 1511، واستمرت في عهد فرانسوا الأول وأبنائه وأحفاده فيما بعد حتى هنري الرابع.
وكذلك استنجد لويس الرابع عشر برئيس دولة الجزائريين -هكذا كان ملوك فرنسا يخاطبون دايات الجزائر في خطاباتهم الرسمية- الداي شعبان في آخر سنة 1689 ضد كل من إنكلترا وهولندا مجتمعتين.
تجاوزت المعاهدات بين الجزائر وفرنسا قبل سنة 1830 سبعين معاهدة، وهو عدد كبير ومأخوذ من مصادره الفرنسية وليست مصادرنا الجزائرية مع الأسف، ولكن قائمتها وحدها تكفي لتفنيد كل من زعم أن الدولة الجزائرية المستقلة ذات السيادة ولدت سنة 1962.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com