شعاع

صــــــــــروح معطّلــــــــة …

يكتبه: د.حسن خليفة/

تتاح لي فرص، بين وقت وآخر، لزيارات إلى بعض مدننا وولاياتنا، في سياق حضور فعالية ثقافية علمية أو دينية أو ثقافية (أو كل ذلك ـ ضمن أنشطة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وفعالياتها…) … أو حتى في سياق أداء واجب اجتماعي (زيارات عائلية) وفي كل زيارة أكتشف ـ على الهامش ـوجود صروح كبرى معطّلة، وأخص بالذكر في هذه السطور «المدارس القرآنية»؛ فلا تكاد تخلو ولاية أو مدينة من مدرسة قرآنية، هي في الغالب صرحٌ متكامل، بقاعات/أقسام التدريس والتعليم، والإدارة، وفضاءات تربوية، وقاعة محاضرات، وقد تتوفّر أيضا على مهاجع ومطبخ بما يعني أنها مؤسسة تعليمية متكاملة يمكن استثمارها أقصى استثمار في مجال التعليم القرآني خاصة، وفي مجال العلوم الشرعية واللغوية عامة.
وسأقصر الذكر هنا على صروح زرتها منذ وقت، وأخرى زرتها منذ وقت قصير زاوية أولاد سي أحمد في عين ولمان، وقد سبق أن كتبتُ حولها مقالا في هذا الركن (شعاع) ورجوتُ الاهتمام بها، وبعثها من جديد وهي أصلح ماتكون كمعهد تعلميمي رائد وفاعل في المنطقة (منطقة سطيف الجنوبية)…وكل شيء فيها جاهز تام ّ، وقد سبق أن كان فيها نشاط تعليمي وعلمي وثقافي (محاضرات، ندوات، لقاءات علمية، دروس، معارض للصور والوثائق والكتب الخ)…لا ينقص هذا الصّرح سوى «الانطلاق» والتأطير كمؤسسة تعليمية شرعية علمية قائمة، لها أفق تأثير وتكوين رائع على المديين المتوسط والقريب. تمنيّتُ ان تلتقط الوزارة المعنية (وزارة الشؤون الدينية والأوقاف) مثل هذا الصرح وتخرجهُ من «سُباته» الطويل، وتنفخ فيه من روح العلم والعمل والدعوة والاجتهاد ما يجعله بحق منارة إشعاع علمي للمنطقة كلها، بل والمناطق المجاورة لها.
فماذا يمكن أن نقول عن «تعطّل» هذا المرفق الحيوي؟ وهل تترتب على هذه التعطّل مسؤولية علمية وأخلاقية ودينية؟
والجواب: بكل تأكيد تترتب عليه مسؤولية عظيمة أمام الله؛ خاصة ونحن في أمس الحاجة إلى كل مؤسسة لاستكمال التعليم القرآني وفتح الآفاق أمام أبنائنا وبناتنا في هذا المجال …
هذا تذكير مرة أخرى بأهمية الاهتمام بهذه الصروح، والرقيّ في تحمّل تكاليف المسؤولية إلى مستوى استشعار رقابة الله تبارك وتعالى وسؤاله لنا عن تضييع المسؤوليات التي أُسندت إلينا، وأعني هنا إخواني في قطاع الشؤون الدينية والأوقاف كما أعني أيضا الأساتذة الدعاة والسادة الأئمة وأهل الفكر والدين والأخلاق بضرورة الانبعاث والانخرط في هذا المجال لـ«تسريح» هذه المشاريع الإيمانية العظيمة والتحفيز على انطلاقها العملي.
وإني أضيف إلى هذا الصّرح الذي يشـهد الله تعالى أنّ قلبي مايزال «محروقا» بسبب تعطّله عن أداء واجباته وتأخره في المساهمة في غراس الإيمان والتقوى ونور القرآن تعليما وتحفيظا ..أضيف صرحين آخرين وقفتُ عليهما أثناء زيارة إلى جهتنا في رأس العيون ولاية باتنة؛ حيث وقفتُ على «تعطّل» صرحين آخرين كبيرين هامّين هما:
* مدرسة النور القرآنية برأس العيون، وهي المدرسة اللصيقة بمسجد النور في وسط مدينة(دائرة رأس العيون) في مكان المسجد القديم (العتيق) وهي صرح من ثلاثة طوابق، تلاحقت الأشغال فيها منذ سنوات دون أن تنتهي، ودون أن تُفتح هذه المدرسة التي يُنتظر منها ولها أن تؤدّي أدوارا مهمة وكبيرة، خاصة أمام التوسع العمراني لرأس العيون، وانبثاق أحياء كبيرة جديدة شرقا وغربا وشمالا وجنوبا. فهي مؤهّلة لدور عظيم إن شاء الله لخدمة كتاب الله تعالى وتعليم الناشئة من الذكور والإناث، والصغار والكبار والرجال والنساء ..تعليمهم القرآن الكريم ومبادئه حتى تتشرّبه قلوبهم وترتاح بها عقولهم ونفوسهم.
* الصرح الثاني هو المدرسة القرآنية في بلدة أولاد سباع ـ قيقبة (ولاية باتنة). لقد وقفتُ فيها، بعد زيارتها وتفقد مرافقها.. على صرح مجهز كامل تامّ، هُيء على نحو جميل ورائع، في منطقة تتوسط الساكنة، وفي سهل جبل في امتداد سكاني كبير، يستطيع أن يستوعب المئات من أبنائنا وبناتنا في مجال التعليم القرآني وبعض المباديء التعليمية الأساسية، بما يعينهم. بل إن هذه المدرسة(أولاد سباع) يمكن أن تكون فرعا للمعهد الخاص بتكوين الأئمة في زانة؛ بتوّفرها على مطبخ، ومخادع للنوم، وقاعة محاضرات، وقاعات للإدارة مع التجهيزات الكاملة، والتكييف (مكيفات)، ومجموعة أقسام كبرى للدروس والمحاضرات والتكوين.
تساءلتُ في ألم: لماذا يبقى مثل هذا الصرح المستوى الكامل الجاهزمعطّلا ؟ألا نشعر بالمسؤولية أمام الله تبارك وتعالى في تعطيل مثل هذا المرفق؛ خاصة ونحن نشكو ضعف الحال أخلاقيا لدى قطاعات من أبنائنا وبناتنا، كما نشكو من «الضعف» الذي تعاني منه منظومتنا التربوية؟
لا أريد الدخول في التفاصيل فهي موجعة مؤلمة..ولكن أقول بصدق: آن الأوان لنتحمل مسؤولياتنا في مثل هذا الأمر العظيم الجسيم.وإني لمنتظر من الوصاية وزارة ومديرية الإسراع في تجهيز هاتين المدرستين والتحفيز على فتحهما في أقرب الـآجال واستكمال الناقص، وهو قليل بشأنهما.
وإنما أحبّ أن أضيف بالنسبة لمدرسة أولاد سباع ما رأيتُه ويتصل بوجود بئر(ضمن حيز المسجد) وهي بئر وقفية كانت تسقى مجموع الساكنة في المنطقة كلها (مجموعة مشاتي ودواوير وبلدات)، بل ثبت أن ماءها صحي وجيد بالنسبة لمن لديهم مرض الكلي، وهناك من يحضر من جهات بعيدة: بسكرة، قالمة، الوادي، وأما القريبون في سطيف وباتنة وما جاورهما، فهم دائمو المجيء من أجل الحصول على «ماء» تلك البئرللاستشفاء.وهذا عبء (في المسؤولية) يُضاف إلى عبء فتح المدرسة واعتمادها كملحق معهد ديني، وعبء البئرجسيم؛ لأنه يتعلق بالحياة وبمادة الحياة (الماء)…والمنطقة كلها متضررة من توّقف الأشغال بالبئر، بسبب عدم الحصول على رخصة لاستكمال الحفر وتشييد البئر على الأسس المطلوبة.
يا تُرى …من المستفيد من هذا التعطل لمشاريعنا المهمة كالمدرسة القرآنية، والبئر؟ ولمَ هذا التباطؤ في تحقيق الإقلاع والانطلاق ووضع المشاريع على سكة العمل والإنجاز والإنتاج.
رجائي أن ينفر المسؤولون في هذه المنطقة ويعملوا على حل الإشكال لهاتين المدرستين لتنطلقا في العمل، ولبئر (أولاد سباع) حتى يستفيد منه السكان والمرضى. ورجائي أيضا أن تجد زاوية أولاد سي أحمد طريقها إلى العمل والإنجازوتنطلق كأجمل ما يكون الانطلاق.
ورجائي عموما أنه متى كان ثمّة أي مشروع نافع مفيد للســكان في أي منطقة أن يسارع المسؤولون إلى إنهاء الأشغال به، وإطلاق خدمته في أي مجال كان؛ فالمسؤولية أمانة عظيمة…والله المستعان.

اظهر المزيد
شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com