في رحاب الشريعة

الفوز في النهاية لمن علم الغايــــة وأحسن البدايــــة

الشيخ محمد مكركب أبران/

قاعدة عظيمة المرامي وجليلة المعاني، كثيرة الفوائد بما تتضمنه من الشواهد، هي: {حسن اختيار البدايات، يضمن بلوغ النهايات، عند تمام الغايات} فماهي البدايات الكبرى؟ الإيمان عن يقين، والهدى عن علم، والتقوى عن حب. تدبر قول الله تعالى:﴿إِنْ تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً﴾ (الأنفال:29)عندما تبدأ زواجك بالتقوى تتحقق لك ثمرات الزواج التي كنت تريدها. وعندما تبدأ تجارتك بالتقوى ستزدهر تجارتك وتبلغ مقام الغنى في الحلال وتكون من المحسنين، كعثمان وطلحة وابن عوف رضي الله عنهم، وعندما تبدأ أيها الطالبُ طلبَ العلم بالتقوى ستصبح عالما ربانيا موفقا، وعندما تبدأ السياسة أيها الحاكم بحب الخير للناس وتنصح لهم، وتتقي الله في الرعية، سيبلغ سلطان حكمك ما كنت تتمناه، ولو في ترك بصمة خير واحدة تشهد لك بالصلاح عند الناس وتشهد لك بالإخلاص عند رب الناس، يوم القيامة، لأن التوفيق الإلهي هو في السير الصحيح، ولو كان العمل قليلا والزمن قصيرا، وذلك كما كان التوفيق الرباني لعمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى ورضي عنه في سياسة الملك في أقل من سنتين، خلد اسمه في الصالحين، لأن البداية كانت صحيحة، رغم أن آباءه وَرَّثُوهُ الْحُكْم فما قَبِلَه منهم، حتى جاء إلى المسجد وطلب من العلماء أن يُعَيِّنُوه ويكلفوه ويُعِينُوه أو يعزلوه، ولم يبدأ، بالرأي الاستبدادي والهوى والفوضى، وإنما حتى نَصَّبَ مجلس الشورى المتكون من العلماء الربانيين الذين شهدت لهم الأمة بالعلم والصلاح، فكل من بدأ البداية على الوجه المشروع الصحيح، لم يكن من النادمين أبدا. فانظر مقام عمر بن عبد العزيز الذي حكم سنة، مع حاكم آخر حكم ست عشرة سنة أو أربعين سنة؟ أحرص على أن تكون البداية صحيحة لتنال الفوز في النهاية.
البداية الكبرى الأولى: قاعدة الإيمان: ولهذه القاعدة ثلاثة شروط: 1ـ الإيمان بكامل مقتضياته، أي بكل أركانه وضوابطه. فلاينفع الإيمان ببعض، والكفر ببعض. 2 ـ اليقين أي التصديق التام، فلاينفع الريب أو الشك مع الإيمان. 3 ـ الثبات على نهج الإيمان حتى النهاية، فلو آمن الإنسان مائة سنة وبقي له يوم من عمره وارتد والعياذ بالله فلا تنفعه المائة سنة، لذلك قلنا شروط. قال الله تعالى:﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ (المائدة: 65)
البداية الكبرى الثانية: قاعدة الهداية: وهذه القاعدة لها شرطان: 1 ـ فهم الهداية من القرآن الكريم الذي أنزله الله هدى للناس. 2 ـ اتباع السنة النبوية. ﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ (يونس:35) والمعنى:قل لهم أيها الرسول، قل لهؤلاء المشركين الذين لم يهتدوا بالقرآن ولم يتبعوك: هل مِن شركائكم مَن يرشد إلى الطريق المستقيم الذي يوصلكم إلى الجنة؟ فإن الأوثان لا تقدر على هداية الناس، قل لهم: إن الله وحده هو الذي يهدي الضال، ويرشده إلى الحق. إذن، أيهما أحق بالاتباع: الذي يهدي وحده للحق أم من لا يهتدي لعدم علمه ولضلاله، وهم شركاؤكم الذين لا يهدون ولا يهتدون إلا أن يهدوا؟ فما لكم كيف سوَّيتم بين الله وخلقه؟ كيف سويتم بين الخالق والمخلوق؟
البداية الكبرى الثالثة: قاعدة التقوى: وهذه القاعدة لها أربعة شروط:1 ـ اتباع الشريعة والعمل بكل أحكامها، ولايجوز للمؤمن مخالفة الحكم إن عَلِمَهُ. 2 ـ أن يعلم المؤمن أن مصادر الشريعة المتفق عليها أربعة:اتفق العلماء على اعتبار القرآن الكريم، والسنة النبوية الشريفة، والإجماع، والقياس، أنها مصادر أصلية لاستنباط الأحكام الشرعية. وهناك مصادر تبعية في أبواب الفروع الفقهية. 3 ـ أن الحكم الشرعي لايقتضي تطبيقُهُ عِلْمَ تعليله من العبد، أو حتى يقتنع به كما يقولون. بل إذا عُلِمَ الحكم وجب العمل به. 4 ـ ليس كل مسلم يفترض فيه أن يكون مجتهدا، وإنما العامي إمامه مفتيه. ولايخلو زمان ولامكان من العلماء، وما على المسلم إذا لم يعلم أن يسأل ويتعلم.
مصادر التشريع:1 ـ القرآن الكريم، هو: {كلام الله تعالى، المنزل على سيدنا محمَّد خاتم النبيين. بلسان عربي مبين في لفظه ومعناه. المنقول إلينا بالتواتر، المتعبد بتلاوته.المكتوب في المصاحف.المبدوء بسورة الفاتحة، والمختوم بسورة الناس}.
2 ـ السنة النبوية: والسنة لغة: هي الطريقة والعادة. والسنة اصطلاحًا: ما نقل عن رسول صلى الله عليه وسلم، من قول أو فعل أو تقرير.
3 ـ الإجماع: والإجماع لغة: له معنيان: أحدهما: العزم على الأمر والقطع به، والثاني: هو الاتفاق، من قولهم: أجمع القوم على كذا. وفي الاصطلاح: {اتفاق العلماء المجتهدين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، في عصر من العصور، على أمر من الأمور الشرعية}.اتفق المسلمون على كون الإجماع حجة شرعية، ومصدرًا من مصادر التشريع الإِسلامي، في بيان الأحكام الشرعية، وأنه لا تجوز مخالفته، واستدلوا على ذلك بالقرآن الكريم والسنة.قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (النساء: 115) وفي الحديث.عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: [إِنَّ اللَّهَ لاَ يَجْمَعُ أُمَّتِي، أَوْ قَالَ: أُمَّةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَلَى ضَلاَلَةٍ، وَيَدُ اللهِ مَعَ الجَمَاعَةِ،] (الترمذي: 2167) وفي سنن ابن ماجة:[إِنَّ أُمَّتِي لَا تَجْتَمِعُ عَلَى ضَلَالَةٍ] (ابن ماجة: 3950)
4 ـ القياس: القياس في اللغة: التقدير، من الفعل: قاس يقيس وقاس يقوس، ويتعدى بالباء وبعلى، فيقال: قاسه على الشيء، وقاسه بالشيء. والقياس في الاصطلاح: {مساواة فرع لأصل في علة حكمه} أي: إلحاق أمر غير منصوص على حكمه الشرعي، بأمر منصوص على حكمه، لاشتراكهما في علة الحكم.
والكلمة في هذا المقال للحاكم، والقاضي، والمفتي، والمستشار، ولكل من بيده قرار التسيير في شؤون المجتمع، أن يعلم المسائل الأصلية في الدين، ومنه أن يعلم كيف يلتزم بأحكام الشريعة، ويؤصل كل أعماله بميزان هذه المصادر التي ذكرناها أعلاه، وهي: القرآن، والسنة، والإجماع، والقياس.
الاجتهاد في الشؤون الدنيوية: وليعلم الحاكم وأعوان الحاكم أن الاجتهاد بإعمال الرأي يكون في شؤون الدنيا، فيما لانص فيه. ومثال ذلك فالأمور المالية والتجارية والفلاحية وكل الشؤون الاقتصادية لها أحكام شرعية تضبطها، لا تجوز مخالفتها، فالشريعة نظام شامل في العبادات، والمعاملات من تجارة وإعلام، والأحوال الشخصية، ونظام المجتمع، والسياسة. فلا تشرع مادة قانونية في أي مسألة دون معرفة حكم الله عز وجل في تلك المسألة.
من هو الحاكم الذي إذا اجتهد وأخطأ فله أجر، وإذا أصاب فله أجران؟ ففي الحديث. عَنْ عَمْرِو بْنِ العَاصِ، أَنَّهُ سمِعَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: [إِذَا حَكَمَ الحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ] (البخاري. 7352)
1 ـ الحاكم الذي إذا اجتهد وأصاب له أجران، وإذا اجتهد وأخطأ له أجر واحد، هو الحاكم الشرعي الذي يبدأ الحكم كما بدأه عمر بن عبد العزيز. 2 ـ هو الحاكم العالم الفقيه الذي يملك أدوات الاجتهاد. 3 ـ هو الحاكم الذي يستدل بمصادر الشرع التي بيناها أعلاه. 4 ـ هو الحاكم الذي يستشير العلماء في كل قرار اجتهادي يخص مصير الأمة.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com