حوار

مترجم كتاب عن ابن تيمية « شيخ الإسلام المُتنازَع عليه»/ البصائر في حوار مع الباحث محمد بوعبد الله في جامعة وستمنستر البريطانية

لا يزال ابن تيمية مثيراً للجدل حتى يومنا هذا، فهو ليس مجرد رجلٍ ولد في القرن السابع الهجري ومن ثم اندثرت سيرته أو خفّ أثره؛ بل إنّ أفكاره التي انطلقت من قاعدته الجدلية المشهورة “العقل الصريح لا يخالف النقل الصحيح” تبقى حتى الآن مؤثرة في تياراتٍ إسلامية عديدة. كما لا يخفى تأثيره على بعض التيارات السلفية والجهادية “المتشدّدة” في العصر الحديث؛ حيث يتم انتزاع أفكاره من كتبه، واستخدامها أسلحةً في أحيانٍ كثيرة، لتبرير بعض أعمال العنف والتكفير، بينما يعده البعض الآخر أكثر من أخذ من الفلاسفة والمتكلمين ليردّ عليهم، بصفته ممثلاً لـ “أهل السنة والجماعة” في عصره، رغم أنه تحوّل – عند البعض – إلى رمزٍ للتكفير في بعض الأحيان، وبالتالي يظل ابن تيمية شاغلَ الناس، ومحطَّ اهتمام الباحثين؛ فتراثه متشعب، وسجالاته متعددة، واجتهاداته جديرة بالنظر والتأمل، موافقةً أو مخالفة. وفي هذا السياق جاء كتاب (ابن تيمية وعصره – Ibn Taymiya and His Times) الذي صدر سنة 2010م باللغة الانكليزية عن جامعة أكسفورد، وحرّره الباحثان: يوسف ربوبورت، وشهاب أحمد؛ ليتناول تراث ابن تيمية من زوايا متعددة، وفي سياقات مختلفة.. وفي هذا الحوار نتعرف على الكتاب ومترجم الكتاب من الإنكليزية للعربية، الأكاديمي الجزائري محمد بوعبد الله، الباحث في الدراسات الإسلامية والأستاذ المحاضر في الدراسات العربية في جامعة وستمنستر بلندن.. نتعرف على فكرة الكتاب وأهميته، وما يمثله من إضافةٍ لدراسات التراث التيمي؛ والصعوبات التي واجهته أثناء الترجمة.. ورغم أن فكر ابن تيمية يتميز بالمزاوجة بين النقل والعقل، وإعمال مقاصد الشريعة، ما زل الدارسون له بحاجة للكشف عن حقيقة تأثر الفكر الإسلامي المعاصر بابن تيمية كفكر ومدرسة، فإلى الحوار:

حاوره: محمد مصطفى حابس : جنيف / سويسرا

 

 

بداية: كيف يقدم الأستاذ محمد بوعبد الله نفسه للقراء؟ من هو؟ وما قصة الأقدار التي ألقت به في ديار الغرب وفي بريطانيا تحديدا علما أن وجهة المغاربة عموما هي فرنسا ؟
-الأكاديمي الجزائري محمد بوعبد الله أنا من جيلٍ دخل الجامعة الجزائرية في بداية التسعينيات، وتخرّج من جامعة الأمير عبد القادر في قسنطينة في تخصّص الشريعة والقانون سنة 1996. ثمّ ساقتني أقدار الغربة إلى بريطانيا بعد سنتيْن من التخرّج، وكانت الوجهة أمريكا بحكم أنّ أخي كان مقيما هناك، ولكنّ أقدار الله غالبة. أمّا لماذا الهجرة، فالجواب عنها قد يستغرق الحوار كلّه، ولكن يمكن أن أرجعها إلى البلدة التي نشأتُ فيها وتربّيتُ فيها، فهي بيئة مهاجرة بامتياز، لا تكاد تجد أسرة إلّا وابتليت بهذه الهجرة. بالطبع هناك أسباب موضوعية، لعلّ من أهمّها انعدام أيّ آفاق للعمل في تلك الفترة (منتصف التسعينيات). أمّا عن سؤالكم حول: لماذا بريطانيا وليس فرنسا كما هي العادة بالنسبة للجزائريين عموما، فالجواب أيضا باختصار، هي الأقدار التي تدفع بنا إلى ما يختاره الله لنا، فقد كنت سجّلت الماجستير بجامعة السوربون، ثمّ بدا لي بعد أسبوعين فقط، أنّ هذه ليست البيئة التي كنت أبحث عنها، فاتّجهت شمالا إلى بريطانيا، وشاء الله أن تكون مدينة لندن هي مستقري، وما زالت إلى يوم الناس هذا.


وما قصة الأقدار التي ألقت بكم في عالم الترجمة الشائك الفسيح؟ وما الأعمال والأنشطة التي قمت وتقوم بها؟ نورنا بعينات منها؟
-الترجمة بالنسبة لي، بدأت من الأيام الأولى لتعلمي الإنجليزية في لندن. إذ أنّني حين حللت بهذه المدينة، لم أكن أتكلم الإنجليزية إطلاقا، وبدأت مسيرة تعلّمها، وكنت أستعين بما هو مترجم للعربية كالقرآن والحديث والروايات، وأحاول أن أحسّن لغتي عبر هذه الطريقة التقليدية، ثمّ كانت لي فرصة الالتحاق بالجامعة بالدراسات العليا، وقبلها تدريس العربية في وزارة الخارجية البريطانية وفي عدد من الجامعات البريطانية، حيث كنت أترجم قصصا وروايات ومقالات للاستعمال الخاص، لأنتقل بعدها إلى الترجمة التجارية، وأستقرّ أخيرا في رحاب الترجمة الأكاديمية، والتي كانت باكورة أعمالها ترجمة كتاب (ابن تيمية وعصره).
يقول المثل الإيطالي والفرنسي في نفس الوقت «الترجمة خيانة»، والترجمة عموما عمل بشري، يعتريه الضعف، ولا يخلو من شحنات من الذاتية والأيديولوجية والعقائدية التي نلاحظها حتى في القواميس، كما نبه إلى ذلك العلامة اللغوي الجزائري مازن المبارك في كتابه « نحو وعي لغوي»، فهل هناك ترجمات بريئة؟
-في رأيي أنّ الترجمة قد تكون خيانة إذا لم يمتلك المترجم الأدوات اللازمة لينقل النصّ مثلما أراده صاحبه، وعوضا عن ذلك، يمكنني القول إنّ «الترجمة صناعة» مستعيرا في ذلك وصف ابن رشد للفقه بأنه صناعة، وهذه الصناعة تحتاج حذقا ومهارة، ودربة وجمالا في التعاطي مع النصّ الأصلي، وهذا لا يتأتّى فقط عبر معرفة اللغتيْن معا، بل عبر تمثّل الحقل الذي يعمل عليه المترجم. لا يكفي أن تملك ناصية اللغة، إذا كان حظك من هذا الحقل المعرفي الذي تمارس الترجمة فيه، حظا عاثرا، ولا تملك من مفاتحه ما يؤهلك لأن تضع الخيانة جانبا، وتُحلَّ محلّها الصناعة. فإذا فُقدت هذه الصناعة جاءت الترجمة غير بريئة، وكان ضررها أكثر من نفعها، والأمثلة على مثل هذا كثيرة، يعرفها الذين يداومون على قراءة الكتب المترجمة.
الترجمة عالم رحب وتجارة كبرى رابحة، بحيث تترجم آلاف العناوين من لغة لأخرى رغم ذلك تُشكّل الأعمال المترجمة من اللغات الأخرى إلى العربية نسبة محدودة بل مجهرية للغاية، بينما ما يترجم للغات المنطقة كالتركية والفارسية والعبرية مضاعف، فما سبب هذه النسبة القليلة جدا؟ وهل من استراتيجية تقترحونها على الجامعات والمؤسسات…؟

 
-لا أدري إن كانت تجارة رابحة، فهذا يُسأل عنه الناشر وليس المترجم! بالنسبة لي على الأقلّ، الترجمة مثل الأكاديميا، هي مهنة الفقراء، ولا تكاد تدرّ عليك دخلا مثلما يعتقد بعض الناس، وهذا طبعا انطلاقا من تجربتي الشخصية، والتجارب تختلف بطبيعة الحال. وليس سرّا أن نقول أنّ العالم العربي يعرف تأخرا رهيبا في مجال الترجمة، لدرجة أنه لا يمكن المقارنة حتى مع بعض الدول الإفريقية التي يُنظر إليها عندنا دائما أنها لا ترقى لمستوانا! وهذا طبيعي لأننا نعيش انتكاسات في شتى مجالات الحياة، فلم تكن الترجمة استثناء في هذا التردي الحضاري! لكن يمكن للجامعات أن تنسّق مع بعض المؤسسات ورجال الأعمال وهيئات الأوقاف والشركات، فتحرّك ما هو راكد، وتقترح بعض المشاريع العلمية، ولو كانت بسيطة، وهذا ما سيدفع بهذا المجال على الأقل خطوات إلى الأمام. ومما يُؤسف له أنّ الترجمة في الجزائر متأخرة جدا، إذا ما قيست حتى بجارتيْها تونس والمغرب، وعدد المترجمين في الجزائر ما زال لا يرقى إلى ما يجب أن يكون.
كتاب (ابن تيمية وعصره) الذي صدر عن جامعة أكسفورد، وحرّره الباحثان: يوسف ربوبورت، وشهاب أحمد؛ ليتناول تراث ابن تيمية من زوايا متعددة، وقمت أنت بترجمته، كيف تم ذلك؟ نود في البداية لو تعطينا فكرة عامة عن هذا الكتاب النفيس ومحاوره؟
-كتاب Ibn Taymiya and His Times هو من أهم الكتب التي صدرت حول الفكر التيمي في الأكاديميا الغربية في السنوات الماضية. وقد صدر في الأصل عن دار جامعة أكسفورد في سنة 2010 من تحرير الأستاذ يوسف ربوبورت وهو متخصص في التاريخ الإسلامي ويدرّس الآن في جامعة «كوين ماري» في لندن، بمعية الأستاذ الراحل شهاب أحمد (1965-2015)، وقد كان أستاذا للدراسات الإسلامية في جامعة كولومبيا بأمريكا. والكتاب في أصله عبارة عن أوراق قدّمت لمؤتمر يحمل نفس اسم الكتاب «ابن تيمية وعصره» بتمويل من مايكل كوك، الباحث المشهور في الدراسات الإسلامية، والذي عُرف بغزارة تأليفه في الدراسات الإسلامية، وهو صاحب الكتاب الشهير (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر). وقد استضافته جامعة برينستون في أمريكا أيام 8-10 أبريل سنة 2005، ثم صدر في كتاب كما أسلفت. الهدف من كتاب ابن تيمية وعصره كما سعى إليه محرّراه هو إعادة قراءة «الدرس التيمي» في كلّ مناحيه، ومحاولة تجاوز بعض الأطروحات التقليدية حوله، والتي سيطرت على «الأكاديميا» الغربية طوال عقود، وبخاصة ما كتبه المستشرق الفرنسي الشهير هنري لاووست. ونظرًا لغياب عمل متكامل وشامل يقدّم ابن تيمية وفكره إلى القارئ الغربي، ارتأى الباحثان أن يستكتبا مجموعة من الباحثين الغربيين ممن لهم اهتمام بالدرس التيمي، كلّه أو بعضه، فجاء الكتاب موزّعا على مقدّمة واثني عشر بحثًا. وقد قاربت هذه البحوث ابن تيمية من خلال دراسة ترجمة حياته وعلاقاته بمجتمعه وأساتذته وطلابه، كما بحثت فكره في علم الكلام، والفقه، وكتاباته العقدية حول الفرق الإسلامية وكذلك النصرانية، ليختم الكتاب ببعض البحوث التي تناولت تأثير ابن تيمية في الفكر الإسلامي سواء في حياته، أو بعد مماته حتى عصرنا الحاضر. وحين صدر الكتاب أوّل مرة أحدث زخمًا معرفيا حقيقيا حول ابن تيمية، واعتُبر من كثير من الباحثين الغربيين أنّه إعادة إنصاف لمفكّر مسلم ظلمته الأيديولوجيا، حيث أسهم الكتاب في محو تلك الصورة التي صورها ممن كانوا يُقدّمون على أنهم «خبراء الإرهاب» في المؤسسات الإعلامية الغربية، بل وحتى العربية، وأبرزت ابن تيمية على أنه المنظّر الأول للإرهاب والقتل، وشاعت تلك العبارة عن ابن تيمية «يستتاب أو يقتل» والتي طالما نُزعت من سياقاتها المعرفية، على أنها علامة وسمة للفكر التيمي. فالكتاب بهذا الاعتبار قد أسهم بشكل إيجابي بإعادة تقديم ابن تيمية إلى العالم باعتباره من فحول المفكرين الذين حملوا مشروعا فكريا متكاملا، يحسن فهمه والاطلاع عليه، حتى يمكننا من فهم الظاهرة الإسلامية المعاصرة التي طالما أكثرت الاستمداد من ابن تيمية، سواء بفهم أو بغير فهم.
وهذا الكتاب كان فعلا بمثابة ثورة بحثية في الدرس التيمي، وتلقفته الأكاديميا الغربية بالترحيب والاحتفاء وصار مرجعا أساسا لكل من يهتم بالدرس التيمي.


ما الصعوبات التي واجهتكم في هذه الترجمة ؟ وما الجديد الذي لفت نظركم فيه ورغبتكم في خوض غماره إنجازه؟
-لا أكتمك سرّا أن جلّ الترجمة أنجزتها في فترة الصيف حين أخذت عطلتي، وكنتُ أبدأ الترجمة من بعد صلاة الفجر، حتى صلاة العشاء لا يقطعني عنها إلا لقيمات أو الفريضة، ما جعل الوالدة رحمها الله تقول لي: في المرّة القادمة حين تأتي إلى عطلة لا تحضر أيّ عمل معك! كثرة الإحالات إلى النصّ العربي كانت أيضا تحدّيا كبيرا بالنسبة لي، إذْ كان عليّ أن أتحقّق من كل النصوص وأجدها في مظانها وأنقلها كما هي، ولعل أهمّ الصعوبات في ترجمة الكتب المحررة هو أنك تتعامل مع مؤلفين مختلفين، عكس الكتاب الذي يكتبه كاتب واحد، فأنتَ أمام أسلوب واحد ونمط تفكيري ومنهجي واحد، فمبجرّد بدء ترجمة الصفحات الأولى ستتعرف على منهجية الباحث وتستوعب مفرداته، لكن الأمر على عكس هذا تماما مع الكتب المحررة، فما إن تعتاد على أسلوب كاتب معين، حتّى تنهي ترجمة بحثه، ثمّ عليك أن تتعامل مع باحث جديد وأسلوب جديد، وطرح مختلف!
أما بالنسبة لهذا الكتاب، فتكمن صعوبته في تعدّد مناحي بحثه، ممّا حتّم علي الرجوع إلى المدونة التيمية، وقراءتها من جديد، وهو أمر محمود باعتباري باحثا يعيد قراءة التراث التيمي، لكنه أمر مرهق بالنسبة لعملية الترجمة. والكتاب كنتُ قرأته في سنة صدوره وأُعجبت به كثيرا، ولما طُلب منّي ترجمته أعدت قراءته كلّه مرّة ثانية، ثمّ قلت لنفسي: هذا الكتاب يجب أن يكون متاحا للقارئ العربي، وذلك لأنّ الخيط الناظم بين بحوثه والمقاربة التي استُعملت في تفكيك الأسئلة التي تواجه الباحثين في تراث ابن تيمية هي مقاربة جديدة ومفيدة لنا معاشر الباحثين في العالم العربي، الذي اعتاد في مجمله على الأبحاث الوصفية والتكرارية التي لا تفيد البحث العلمي كثيرا.
هل يختلف تناول ابن تيمية بين الباحثين العرب المسلمين والغربيين؟ كيف ذلك؟
-هذا ما أشرتُ إليه آنفا بعجالة. والحقيقة أنّ القارئ للكتاب سيلمس لأوّل وهلة أنّه أمام نمط جديد من البحوث التي تقارب التراث التيمي. فقد اعتدنا أن نقرأ في عالمنا العربي بحوثا عامة لا ترقى إلى درجة الغوص في الإشكاليات البحثية وربطها بالسياقات الصانعة لشخصية هذا الذي يراد بحثه، حيث تغلب النظرة السطحية بين إجلال وتحقير يتجاوز الجانب الموضوعي في البحث العلمي. ولسنا هنا نعمّم على كلّ الباحثين، لكن الصفة الغالبة لباحثينا هي من النوعية التي لا يدهشك بحثها، وتتوقع نتائج بحوثها سلفا مثلها تماما مثل الأفلام والمسلسلات السينمائية التي تعتمد نمطا واحدا في نهاياتها! الباحث الغربي عموما، باحث مجدّ يستعمل المقاربات المتعدّدة، ويأتي للمعلومة البسيطة التي نهملها ليصنع منها إشكالية وبحثا متكاملا، يجعلك في حيرة من أمرك: كيف ملك مفاتيح هذا البحث! وهنا لا أريد أيضا أن أعطي حكما عاما، إذ أنّ هناك باحثين غربيين يكتبون كتابات باهتة في الدراسات العربية والإسلامية، هي بعيدة عن البحث العلمي بعد السماء عن الأرض.
كيف تناول الكتاب طبيعة تأثير فكر ابن تيمية في القرون التي أعقبت وفاته، وتلقِّي المسلمين في العصر الحاضر لأفكار ابن تيمية؟
-أطول بحث في الكتاب هو للباحث المتميز خالد الرويهب أستاذ الفكر الإسلامي بجامعة هارفارد، وهو من الباحثين المجدين الذين يكتبون بغزارة وبقوة علمية في التأريخ للفكر الإسلامي، وقد تعرّض في بحثه لمدى تأثير ابن تيمية في القرون التي تلته، من ابن حجر الهيتمي إلى خير الدين الألوسي، وخلاصة بحثه أنّ ابن تيمية لم يكن له هذا التأثير الذي نجده في القرنين الأخيرين بظهور حركات الإحياء، ولم تكن كتبه مشهورة أو متداولة، فلو قارناه مثلا بصاحب العقائد السنوسية الإمام محمد بن يوسف السنوسي، لوجدنا أن كتب الأخير قد شرّقت وغرّبت، وكانت في معظمها كتبا دراسية يستعملها الطلاب والشيوخ على حدّ سواء، وهذا ما لم يكن لابن تيمية في ذلك العصر. لكن كتابات ابن تيمية بدأت في الظهور مع حركة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وحركات الإحياء في العالم الإسلامي، ليصير بعد ذلك أشهر شخصية إسلامية يستنجد بها الفكر الإسلامي في العصر الحديث.


إلى أي مدى أنصف كتابكم هذا شيخ الإسلام ابن تيمية؟
-يمكن أن أجيبك عن هذا بأريحية واطمئنان، إلى أنّ هذا الكتاب هو من أفضل الكتب التي أنصفت ابن تيمية وتعاملت مع فكره بموضوعية، وحاولت أن تقاربه في كل مناحيه الفكرية، ونجحت إلى حدّ كبير في تقديم صورة متوازنة عن ابن تيمية، بعيدا عن أي تقديس أو تدنيس، لشخصية ظلت تصنع الجدل طوال قرون، وما زالت كذلك إلى يوم الناس هذا.
لقد حاول «كتابكم هذا» أن يجيب عن سؤال متعلق بـ: هل هناك منهج تيمي واضح المعالم؟ فكيف رصدَ إجابة هذا السؤال؟
-في رأيي ما زلنا في حاجة إلى بيان هذا المنهج التيمي، والكتاب وإن أسّس وبشكل كبير لتتبع تمظهرات هذا المنهج التيمي، إلا أنه لم يوفّق كثيرا إلى بسط الكلام في هذه المسألة، بما يترك للقارئ اطمئنانا بأنه يستطيع أن يقول: هذه هي معالم المنهج التيمي. وأظنّ أنّ ما كتبه الشيخ العلامة محمد أبو زهرة وهذا الكتاب، بالإضافة إلى كتابات بعض المتخصصين الغربيين في ابن تيمية ممن لم يشاركوا في هذا الكتاب، وأبرزهم البحاثة الكبير يحيى ميشو، كفيلة بأن تدلّ الباحثين على استقراء هذه المعالم وإبرازها بمنهجية علمية بعيدة عن الكتابات الوصفية.
يرمي هذا الكتاب إلى معرفة مدى تأثير فكر ابن تيمية في القرون التي أعقبت وفاته؛ كيف كان تلقّي المسلمين في العصر الحاضر لأفكار ابن تيمية وكيف قُدّمت؟ ما السُّبل التي جعلت من أفكار ابن تيمية تؤثّر كل هذا التأثير خلال القرن الماضي، وما السبب في ذلك؟ هل كان ابن تيمية فعلاً مهيمناً على تاريخ الفكر الإسلامي في القرن العشرين، أم أنّه هو نفسه كان مهيمَناً عليه من قِبل مخاوف معاصرة؟
-بالنسبة للقرون التي أعقبت وفاته، فقد كانت ورقة خالد الرويهب كفيلة بالإجابة عنها، والإجابة المباشرة: لا لم يكن لابن تيمية ذلك التأثير الذي يتمتع به الآن. أما سبب تأثيره في الفكر الإسلامي الحديث فيرجعه الكتاب إلى الكاريزما التي كان يملكها ابن تيمية وإلى حضور شخصيته في مجتمعه وبين أفراده، فلم يكن ذلك العالم الذي يرضى بأن ينزوي جانبا ويترك ميدان صراع الأفكار لغيره. كما أن ما أطلق عليه الباحث ياسر المطرفي (التصحيح الفقهي) الذي مارسه ابن تيمية من خلال فتاويه التي لامست واقعه، كان له الأثر في تبنّيه من حركات الإحياء، التي كانت تدندن على مثل هذا التصحيح.
باعتباركم كاتبا مسلما، يترجم للغرب وللعرب منذ مدة طويلة، وقيل لنا شاعر أيضا، هل يمكن أن تلخص لنا التحديات أو الصعوبات التي يواجهها المثقف المسلم والكتاب الاسلامي بالخصوص، في المجتمعات الغربية؟ وإلى أي شيء تعود هذه التحديات؟ وهل لنا مسؤولية ما في ذلك؟
-لطالما تمنّيتُ أن أكون شاعرا، ولست كذلك، ولعلها فأل خير للمستقبل! التحديات كثيرة ومتجدّدة، سيما مع هذا الانفتاح الإعلامي الرهيب، وتدفّق المعلومة الذي لم نر له مثيلا في تاريخ الإنسانية، لكنّ التحدّي الأكبر هو صناعة الوعي، وتربية الإنسان الرّسالي الذي يصلح لأن يقارع الناس في عالم الأفكار. وأنا بكلّ صراحة صرتُ لا أؤمن بالتفريق بين ما يعانيه المسلم في العالم الإسلامي أو في العالم الغربي، وربما لا يوافقني بعض من لا يعيش في الغرب، ولكن هذا التقدّم التكنلوجي، أوصلني إلى قناعة أنّ ذلك الفرد الذي يعيش في قرية في العالم العربي، قرّبت له التكنلوجيا كلّ بعيد، وصار يرى العالم من مكانه كما يراه الذي يعيش في لندن وباريس ونيويورك. التحدّي الأكبر بالنسبة لنا هو تفكيك الشبهات التي صرنا نتلقاها في أبجديات معارفنا ومسلماتنا نتيجة لما ذكرته آنفا، وتبديد الشبهة منهج قرآني لا يجب أن نتخلى عنه مهما كانت التحدّيات.
يقال التربية في الصغر كالنقش على الحجر أو كما جاء في الأثر «من لم يشكر الناس لم يشكر الله»، من هي الشخصيات التي كان لها الأثر الأكبر في تربيتك، عدا والديك ؟ كيف كانت علاقة أبناء جيلك بالعلامة الدكتور العربي كشاط؟!
-بلدتي زمورة (ولاية برج بوعريريج) بلدة طيبة لها كبير الأثر في نشأتي وتربيتي، وأنا مدين لها بعد الله عز وجلّ بكل ما أنا فيه الآن. مدين لذلك المجتمع الذي كان القرآن فيه هو من يصنع تفاصيله، حتى عُرفت البلدة بأنها قلعة القرآن، مدينٌ لأساتذة ومعلّمين زرعوا فينا حب العلم وحببوا إلينا حِلق القرآن، والله وحده هو من يجازيهم. أن تولد وتنشأ في بلدتي زمورة فتلك نعمة من الله، نسأله أن يوفقنا لحمدها. أنا من جيلٍ نشأ على كتابات رواد الإصلاح، وفتح عينيه على أعمال علماء جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، والتقطت أذناه خطب الشيخ عبد الحميد كشك، وكانت الحلقات المسجدية هي معينه الذي لا ينضب.
أما شيخنا الرباني الداعية الكبير الدكتور العربي كشاط المقيم حاليا في فرنسا، فهو واسطة عقد مجتمعي الأصغر في زمورة، وهو الذي فتح أعيننا على تذوّق معاني العربية والقرآن، إذ كان «جذيلها المحكّك وعذيقها المرجّب»، وكنت وأبناء جيلي نترقّب زياراته الصيفية، لنغترف من فهم هذا الرجل، الذي اجتمعت فيه حكمة المشرق والمغرب، وزادته تجربته في الغرب قوة في العلم وصرامة في المنهج، يندر أن تجد مثلها في دنيا الناس اليوم. ودائما ما أستعير مقولة سيدي أحمد بابا التنبكتي في وصف العلامة ابن مرزوق الحفيد، لأصف بها شيخنا الحبيب: «يا له من عالم جمع العلوم بأسرها، ولكن بخسته الدار». الحديث عن شيخنا العربي كشاط، يحتاج إلى سلسلة حوارات طويلة ليس هذا محلّه، لذلك سأتوقف هنا.
ما الكلمة الأخيرة التي تودون تقديمها للشباب المسلم عامة في الغرب تحديدا، وكذا للأسر والمنظمات التي تعنى بشئون الأقليات المسلمة، محافظة على هويتها وحقوقها، وتفعيلا لدورها في المجتمعات الغربية؟
-صناعة الوعي هي من أوكد الواجبات في هذا العصر، وأنا أعني استعمال هذا العصر من خلال هذا التركيب الإضافي، الذي يستبطن «الصناعة» بما فيها من سعي الإتقان والإحسان، وقد كتب الله الإحسان على كلّ شيء، والوعي هو أجلّ ما نتقنه. حين يحسن الإنسان المسلم صناعة الوعي في نفسه وفي محيطه، نستطيع أن نجزم بأنه قادر على مواجهة كلّ التحدّيات، سواء داخل نفسه اللوامة، أو بما يواجهه من منغصات الحياة التي لا تنتهي في الحياة، حتى يلقى الإنسان ربّه.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com