الحـــق الـمر

مرض الذهان من الإسلام

يكتبه د. محمّد قماري/

هذا عنوان كتاب صدر في فرنسا سنة 2017، وعنوانه الكامل: (مرض الذهان من الإسلام: لماذا تعمل بفرنسا على شيطنة المسلمين)، ويقع الكتاب في 220 صفحة، وفيه مرافعة قيّمة تهتك ستر (العنصرية) التي تعمل كثير من الدوائر السياسيّة واذرعها الثقافية والاستخباراتية على غرسها في المجتمع الفرنسي، كل ذلك ضمن مشروع كبير اسمه (الاسلاموفوبيا) أو التخويف من الإسلام.
ومؤلف الكتاب الدكتور توماس قينولي (Thomas Guénolé)، باحث من الجيل الجديد، وهو أستاذ علوم سياسية وتوجهه السياسي أقرب لليسار المعتدل، وانطلاقا من صفحة الإهداء يعلن المؤلف تعاطفه مع ضحايا معركة غير متوازنة، تخوضها الدولة الفرنسية بكل ثقلها وأذرعها، مقابل جالية مسلمة أغلب أفرادها لا يعرفون وطنًا آخر لهم غير فرنسا، ففيها ولدوا وفيها درسوا وفي مدنها يتقاسمون المسكن مع غيرهم من الفرنسيين، يقول المؤلف: أهدي هذا الكتاب لملايين الفرنسيين المسلمين، الذين يجب عليهم أن يتحمّلوا في كل يوم تبعات مرض الذهان من الإسلام (Islamopsychose).
ولقد أحسن المؤلف صنعًا بنحت هذا المصطلح الجديد (Islamopsychose)، إذ مصطلح (الاسلاموفوبيا) الشهير لم يعد يصف الحال الذي آلت إليه كثير من النخب الفرنسيّة من إعلان عدائها للإسلام، فـ(الفوبيا) أو الرهاب قد تكون مجرد عُصاب عابر أما (الذُهان: psychose) فهو مرض عقلي ونفسي يتخطى صاحبه الواقع إلى الهلوسة والهذيان، وربما تحوّل إلى مجرم يصدق هذيانه وهلوساته…
جعل المؤلف لاستهلال كتابه عنوانًا ملفتا للنظر: (سوء نيّة)، ويعرض فيه نموذجا من هذا الذهان (الأدبي)، ففي رواية (الاذعان: Soumission) وهي من تأليف ميشال هويلبيك، وصدرت سنة 2015 عن دار (Flammarion) وهي دار نشر عريقة في فرنسا، ويصف الكاتب مستقبلا قريبا لفرنسا يظهر تمامًا مرض الذهان من الإسلام، فالمجتمع بسبب تفككه وتخلفه، وتمزقه بسبب قلاقل داخلية يدخل في حرب أهلية لا تبقي ولا تذر!
ومعارك الشوارع بين مناضلي اليمين المتطرف والاسلاميين المتطرفين كثيرة، وفي هذا السياق تجري الانتخابات الرئاسية سنة 2022 ويتنافس في دورها الثاني مارين لوبان ومحمد بن عباس، المترشح الاسلامي الذي وصل لهذا الدور بفارق طفيف، وكل الأحزاب اتفقت على وجوب صد لوبان مترشحة (الجبهة الوطنية)، وفاز ابن عباس برئاسة الجمهورية الفرنسية، وشرع في إحداث تغييرات، انتقلت بموجبها فرنسا إلى نظام سياسي يشبه نظام المملكة السعودية.
ولكي لا نذكر من التغييرات إلا الشهير منها: السماح بتعدد الزوجات، ومنع العمل على النساء، وعليهن ارتداء لباس يشبه النقاب السعودي أو التشادور الايراني، ويجب أن تكون مسلما لتولي بعض الوظائف، وتخصخص الجامعات وتصبح إسلامية…هذا مقطع من رواية الخضوع كما أورده مؤلف الكتاب…ويعلق على هذا الهذيان بعبارات مؤثرة قائلا:
بغض النظر عن قناعات المؤلف بصفته مواطنا أو ناخبا، وبغض النظر على الصعيد الشخصي إن كان ميشال هويلبيرك يعتقد أو لا يعتقد فعلا بالمستقبل الذي وصفه، وبغض النظر عن برنامج محمد بن عباس المفترض، فهو يلصق بالفرنسيين المسلمين تبني مواقف إسلاموية، بينما الواقع يقول إن 80 من المئة منهم يرفضون تطبيق الشريعة، أو يرفضون تطبيقها إذا لم يتم ملاءمتها مع واقع المجتمع الفرنسي.
وبغض النظر عن توقعاته أن في أفق خمس سنوات (تاريخ صدور الكتاب)، سوف تقبل الجالية المسلمة على الانتخاب بالجملة، بينما واقعيا في سنة 2015، وبمناسبة الانتخابات الجهوية، أسس اتحاد الديمقراطيين المسلمين الفرنسيين من أجل المشاركة فيها، فلم يستطيعوا إلا التقدم بقائمة واحدة في باريس الكبرى، ولم تحصل إلا على 0.4 من المئة من أصوات الناخبين.
الكتاب في بقية فصوله لا يقل أهمية في فضح هذا (الذهان) المرضي، ففي فصل (الإسلام للمبتدئين)، يمضي المؤلف في فضح ما يقال وما ينسب للإسلام في النقاشات العامة، والمغالطات المتعمدة في تحقير الإسلام والمسلمين، وارسال الأحكام المسبقة، وهو ما لم تسلم منه كتب (جادة ومنضبطة) مع أنها لا تتداول إلا بين يدي النخبة من الجامعيين، والقرآن نفسه لا يمكن قراءته إلا بمساعدة التفسير، والتفاسير فيها خلافات واجتهادات…
واجتهد المؤلف في عرض بعض الحقائق المرتبطة بتاريخ الإسلام، وركّز على جوانب اجتماعيّة وسياسيّة من حياة النبي، صلى الله عليه وسلم، وكيف أسس لقواعد (حرية العقيدة) في وثيقة المدينة، وحرية العبادة والممارسات الاجتماعيّة.
والحقيقة أن المؤلف وضع يده على جرحٍ نازف، فالمسلمون لم يحسنوا عرض دينهم سواء من جانب الكم إذ ما يكتب بأقلام المسلمين في اللّغات الأخرى قليل، أو ما تعلق بممارسات بعضهم في المجتمعات الغربيّة حيث ينقلون عادات وأمورا فرعيّة، وتعرض على الناس على أنها هي الإسلام…

اظهر المزيد
شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com