قضايا و آراء

الحق في الخطأ أم الحق في الهدم؟

أ.د. عبد الملك بومنجل/

«الحق في الخطأ» عبارة قرأتها ذات يوم في مقال لجابر عصفور يدافع فيه عن أستاذه طه حسين. و«حق الاختلاف وحق الخطأ» عبارة أخرى اتخذها الكاتب نفسه عنوانا لمقال يدافع فيه عن نفسه بعد أن اتهمه بعض علماء الأزهر بالهدم في الدين. والذريعة نفسها يتخذها أدعياء التنوير تعلّةً للخوض في كل ما لا يحسنون الخوضَ فيه، وهدم كل ما تنزع أهواؤهم للتمرد عليه. وكذلك يفعل أتباعهم كلما حاصرهم المعترضون بالنقد، وأثبتوا لهم تهافت أطروحتهم بالدليل!
فهل الحق في الخطأ مشروعٌ مطلقا، أم هو مشروع ومشروط؟ وهل الحق في الخطأ هو ذاته الحق في الهدم؟
الذين ديدنُهم التشكيك في السنة النبوية يتخذون من حديث «من اجتهد وأصاب فله أجران، ومن اجتهد وأخطأ فله أجر واحد» سندا لهم في حق الخطأ. ولا ننازعهم هذا الحق ولكن نطالبهم بحقه، ونلزمهم بشرطه. إن شرط الحق في الخطأ هو الاجتهاد وليس الافتئات. هو القصد إلى طلب الصواب وليس القصد ابتداءً إلى تزوير الحقائق. هو بذل الوسع في امتلاك شروط الاجتهاد في حقل علمي معيّن، وليس اقتحام ذلك الحقل بغير عدّة، والخبط فيه بغير دراية، والتجرؤ عليه بلا مسؤولية.
كثيرٌ من أدعياء التنوير يمنحون لأنفسهم الحق في تأويل القرآن بغير عدّة من علوم العربية وعلوم الشريعة، فيجيء عملهم أبشعَ من عمل الممرض إذا أقحم نفسه في عمل الطبيب المختص. وفي تأويل التاريخ وتحليل الأفكار وتقويم التراث وهم مجردون من ضوابط التأويل، وأدوات التحليل، ونزاهة القصد، فيجيء عملهم أشبهَ بعمل الفلاح إذا أقحم نفسه في عمل الجراح أو المهندس!
هل يحق لهم المطالبة بالحق في الخطأ وقد فرّطوا في واجب الاجتهاد من جهة، وتعمّدوا الخطأ تعمّدا من جهة أخرى؟
هل إذا قصّر الطبيب في الاجتهاد تحصيلا لعلمه، والاجتهاد تشخيصا لداء مرضاه، وفي استشعار الأمانة وثقل المسؤولية، فنتج عن تقصيره وفاة المرضى؛ وهل إذا قصّر المهندس في الاجتهاد نفسه والأمانة نفسها، ثم نجم عن تقصيره سقوط عمارة على رؤوس سكانها.. هل إذا حصلت تلك الكوارث بسبب تقصيره، سيبرئه المجتمع ويبرئه القانون بمجرد أن يرفع أمام أعيننا عبارة «الحق في الخطأ»؟
إن مما يمارسه الكُتاب والباحثون بزعم تقويم تراث الأمة، ومساءلة علمائها ومفكريها، وتنويرها بأسباب تخلفها وأسباب نهوضها، تحت ذريعة الحق في الاجتهاد، والحق في الاختلاف، والحق في الخطأ، يقع كثير منه تحت سقيفة تعمّد الهدم لأركان قائمة هي من النهضة في طليعة أسبابها، وتعمّد الشرود عن طريق الرشاد بطلب الدخول إلى الحضارة من غير أبوابها. وإلا فما معنى أن يُجمِعَ أدعياء التنوير على ضرورة إبعاد الإسلام عن شؤون الحياة كما أَبعد الغربيون دين الكنيسة، وضرورةِ اتخاذ الأنموذج الحضاري العلماني الغربي سبيلا للنهوض وإدراك ركب الحضارة، وهم يعلمون أن الإسلام غير النصرانية، وأن الأمة الإسلامية أقامت حضارتها على أسس من الدين هي في بعض أركانها الأسس نفسها التي أقام عليها الغربيون حضارتهم: العقل والعلم وحرية الاجتهاد وإتقان العمل، ولكن بعض أركانها حُرمت منها الحضارة المادية الغربية فشقيت وأشقت، وتمتعت به الحضارة الإسلامية فارتقت ورقّت: الإيمان بالله، والتطلع إلى الغيب، وإقامة العلاقات على الأخلاق، وتعزيز العناية بمطالب الجسد بالعناية بمطالب الروح.
ما كتبه الكتّاب باسم التنوير من دفاتر تدعو إلى تجريد الأمة من أسباب قوتها، وأركان هويّتها، كان له من الخطر على الأمة أضعاف ما يرتكبه الأطباء والمهندسون والمسيّرون والتقنيون وحتى السياسيون من أخطاء ذهب ضحيتها ألوف الأبرياء. إن ما يقع في الأمة من كوارث هي بسبب ما الاتجاه الكارثي الذي دعا إليه هؤلاء الكتاب وما زالوا يدعون. وينبغي أن نقول لهم اليوم: إن الكاتب أو العالِم من حقه الخطأ بعد اجتهاد نبيل، ولكن ليس من حقه الهدم عن قصد خبيث.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com