وراء الأحداث

في ذكرى حرب أكتوبر: الذكرى المجيدة والواقع المرير

أ. عبد الحميد عبدوس/

تحل يوم الأربعاء 6 أكتوبر 2021الذكرى 48 لحرب السادس أكتوبر1973 الموافق للعاشر رمضان 1393 هـ .هذه الحرب المجيدة التي وحدت العرب في جبهة متضامنة ومتماسكة، عقدت العزم على كسر أسطورة الجيش الصهيوني الذي لا يقهر وتجاوز آثار الهزيمة العسكرية المذلة في جوان 1967 . فقبل ثمانية وأربعين سنة اتخذ الرئيس الراحل محمد أنور السادات بالتنسيق مع الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد قرار خوض الحرب ضد إسرائيل التي كانت تحتل أجزاء كبيرة من الأراضي المصرية والسورية، فضلا عن توسيع احتلالها لكل الأراضي الفلسطينية بما فيها القدس الشرقية التي تضم المسجد الأقصى المبارك. دامت الحرب النظامية العربية الإسرائيلية الرابعة من 6 إلى 24 أكتوبر1973 وبعد صدور القرار الأممي رقم 338 الذي نص على توقيف جميع الأعمال الحربية، انتهت تلك الحرب رسميًا بالتوقيع على اتفاقية فك الاشتباك في 31 ماي 1974. وقد اتهم بطل حرب أكتوبر الفريق الراحل سعد الدين الشاذلي الرئيس الراحل أنور السادات بالتنازل عن النصر والموافقة على سحب أغلب القوات المصرية إلى غرب القناة في مفاوضات فك الاشتباك الأولى .

والمفارقة في هذه الحرب أنه بعد توقيفها اعتبر كل طرف فيها نفسه هو المنتصر، فالعرب مازالوا يطلقون على هذه الحرب تسمية «نصر أكتوبر»، بينما يعتقد الإسرائيليون الذين يطلقون على هذه الحرب تسمية «حرب الغفران» بأنها انتهت بنصر إسرائيلي، فقد قال رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق بنيامين نتنياهو إن: «القوات الإسرائيلية وقفت على أبواب القاهرة ودمشق». في الخلاصة يمكن القول إنه إذا لم تكن حرب السادس أكتوبر 1973 نصرا عسكريا كاملا للعرب إلا أنها كانت إنجازا حربيا في العصر الحديث، و نجحت في تحريك الركود السياسي، وخلفت الانطباع بالنصر وتجاوز ذل الهزيمة ومرارتها في نفوس الجماهير العربية.
الجدير بالذكر أن الولايات المتحدة الأمريكية لعبت دورا حاسما في منع إلحاق الهزيمة الكاملة بالجيش الإسرائيلي فقد اعترف رئيس الموساد الإسرائيلي الأسبق افرايم هليفي بالدور الحاسم للمخابرات الأمريكية في هذه الحرب بقوله: «ما رجح كفة إسرائيل في الحرب هو قيام رئيس قسم التجسس في وكالة المخابرات المركزية الأمريكية جيمس أنجلتون بتزويدنا بشكل متواصل بصور الأقمار الصناعية الأمريكية التي تم تركيزها على ميادين المعارك أثناء وقوعها»، وأضاف: «لقد وصلتنا معلومات هائلة بكميات كبيرة، وهذا ما حسم الحرب». مجلة (فورين بوليسي) الأمريكية وصفت حرب أكتوبر بأنها غيرت مجرى التاريخ، عندما جعلت الجيش الإسرائيلي، الذي أظهر ثقة زائدة بالنفس، في موقف دفاعي، يسعى فيه لحماية دولته الوليدة .
يعود الإنجاز العسكري الكبير الذي حققه العرب في حرب أكتوبر بالدرجة الأولى إلى شجاعة وإيمان الجندي العربي المصري والجندي العربي السوري على جبهات القتال ،وإلى كفاءة القيادة العسكرية خصوصا في الجانب المصري بقيادة مهندس حرب أكتوبر الفريق الراحل سعد الدين الشاذلي ، لكنه يعود أيضا بشكل كبير إلى التضامن العربي. فقد شاركت السعودية والكويت بفاعلية في تمويل المجهود الحربي، كما شاركت العراق والأردن والسودان وليبيا وتونس والمغرب وغيرهم من الدول العربية بالرجال والسلاح في معارك أكتوبر، ثم وظفت الدول العربية المنتجة للنفط هذا السلاح الاقتصادي لنصرة الحق العربي بقطع البترول عن الدول المشاركة أو الداعمة للكيان الصهيوني.
خاضت الجزائر هذه الحرب وكأنها تحارب من أجل ترابها وتدافع عن شعبها، هذا ما اعترف به بطل حرب أكتوبر الفريق الراحل سعد الدين الشاذلي في كتابه ( مذكرات سعد الدين الشاذلي) الذي تحدث في مذكراته عن دور الجزائر، قائلاً : «كان دور الجزائر في حرب أكتوبر أساسيا، عاش بومدين – ومعه كل الشعب الجزائري- تلك الحرب بكل جوارحه بل وكأنه يخوضها فعلا في الميدان إلى جانب الجندي المصري».
في الذكرى السادسة والأربعين لحرب أكتوبر (أكتوبر 2019) كتبت الصحفية المصرية إيمان محمود مقالا عن الذكرى نشر في موقع (مصراوي) تحت عنوان: «في ذكرى النصر .. 5 جيوش عربية شاركت في حرب أكتوبر» ومما جاء فيه: «قدمت الجزائر ثاني أكبر دعم عسكري خلال حرب أكتوبر بعد العراق، إذ أرسل بومدين 96 دبابة و32 آلية مجنزرة و12 مدفع ميدان و16 مدفع مضاد للطيران وما يزيد عن 50 طائرة حديثة من طراز ميج 21 وميج 17 وسوخوي 7. وعندما رفض الاتحاد السوفيتي تزويد مصر بالدبابات، طار بو مدين إلى موسكو، وبذل كل ما في وسعه، بما في ذلك فتح حساب بنكي بالدولار، لإقناع السوفييت بالتعجيل بإرسال السلاح إلى الجيشين المصري والسوري، وهدد القيادة السوفيتية قائلا «إن رفضتم بيعنا السلاح فسأعود إلى بلدي وسأوجه خطابا للرأي العام العربي أقول فيه بأن السوفييت يرفضون الوقوف إلى جانب الحق العربي وأنهم رفضوا بيعنا السلاح في وقت تخوض فيه الجيوش العربية حربها المصيرية ضد العدوان الإسرائيلي المدعم من طرف الامبريالية الأمريكية»، ولم يغادر بومدين موسكو حتى تأكد من أن الشحنات الأولى من الدبابات قد توجهت فعلا إلى مصر».
أما العدو الصهيوني فقد اعترف من جهته بدور الجيش الجزائري البطولي في هذه الحرب فتحدث جنرالات إسرائيليون، عن موقعة القتال ضد الجيش الجزائري في سيناء، حيث كشف أحدهم أنه خسر 500 جندي إسرائيلي في ليلة واحدة، أثناء القتال مع الجزائريين. كما اعترف الخبير الصهيوني في الشؤون العسكرية عاموس هارئيل بأن الضربة الكبرى في حرب أكتوبر التي شهدت انتكاسة إسرائيلية، جاءت من الجزائر التي غامر وتشجّع طيرانها وحلّق فوق سماء تل ابيب، وهي المغامرة التي لم يجرؤ أي طيران عربي على اقترافها.
اليوم، وبعد مرور 48عاما عن هذا الإنجاز العربي، يكاد يبدو وضع التضامن العربي والأمن القومي المشترك والتمسك بالدفاع عن حق الشعب الفلسطيني ودعم كفاحه من أجل تحرير أرضه وبناء دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف، مجرد شعارات قديمة وأماني معلقة من الزمن الجميل. فقد التحقت بعد مصر (في مارس 1979) والأردن (في اكتوبر 1994)، أربع دول عربية أخرى هي الإمارات والبحرين والمغرب والسودان بقطار التطبيع مع إسرائيل، واصبحت تفاخر بما جره عليها التطبيع مع إسرائيل من فوائد اقتصادية و أمنية.
فدولة المغرب التي قاتل جيشها في أكتوبر 1973 إلى جانب الجيش الجزائري ضد إسرائيل والتي مازال ملكها العاهل محمد السادس يرأس لجنة القدس، أصبحت تعتبر إسرائيل حليفة لها وتقيم معها علاقات دبلوماسية رسمية وتشاركها في المناورات العسكرية وترتبط معها برحلات جوية مباشرة ،وتتواطأ معها لزعزعة استقرار شقيقتها الجزائر، ففي شهر أوت الماضي (2021) هاجم وزير الخارجية الإسرائيلي يائير لابيد من فوق التراب المغربي الجزائر بقوله: «نحن نتشارك مع بعضنا القلق بشأن دور دولة الجزائر في المنطقة، التي باتت أكثر قربا من إيران وهي تقوم حاليا بشن حملة ضد قبول إسرائيل في الاتحاد الإفريقي بصفة مراقب». واضاف «على الجزائر التركيز على القضايا الخاصة بها، وخاصة مشاكلها الاقتصادية الخطيرة، كي يكون بإمكان مواطنيها عيش الحياة التي يستحقونها، بدلا عن محاولة الإضرار بجارتها وجر إسرائيل في خلافاتها».
في 15 سبتمبر من العام الماضي (2020) احتفلت رسميا دولتا الإمارات العربية المتحدة و البحرين في البيت الأبيض بواشنطن بتوقيع اتفاقيات تطبيع مع إسرائيل، وفي 23 أكتوبر من العام الماضي (2020)، وقعت دولة السودان اتفاقية تطبيع رسمي مع إسرائيل ،علما أن السودان كانت سابقا عاصمة الرفض العربي باحتضانها لقمة اللاءات ثلاثة: «لا صلح ولا اعتراف ولا تفاوض مع العدو الصهيوني قبل أن يعود الحق لأصحابه».
لكن رغم كل هذه الانبطاحات الذليلة لبعض الأنظمة العربية وهرولتها المخزية للارتماء تحت أقدام المحتل الصهيوني، مازالت الشعوب العربية تدعو وتناضل من أجل تحرير فلسطين واستعادة القدس الشريف، ولن تعترف أبدا ـ كما قال الدكتور ظافر العجمي ـ «بحق اللص في سرقة بيت أخيه (في إشارة لفلسطين)».

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com