في رحاب الشريعة

هذه أسباب مشكلاتهم العُجْبُ والاستكبار واحتقار بعضهم

أ. محمد مكركب/

 

تكاد تنحصر أسباب المشكلات والنزاع والأزمات بين المتخلفين والمتخلفات، في هذه الأمراض الثلاثة: {العجب، والاستكبار، والاحتقار} ومن أصيبوا بهذه الأمراض، يحبون الإمارة والرياسة ويرفضون الانقياد والطاعة لغيرهم، ولو لمن أعلى منهم رتبة في العلم والمكانة، فإذا قُدِّمُوا لرئاسة مشروع أو مؤسسة، أو إدارة أو جمعية، نشطوا وتحركوا وصالوا وجالوا، ولو مع أخطاء، وضعف، فإذا ترأس غيرهم عليهم تمردوا عليه، أو خرجوا عليه، وتركوا العمل ووجدوا له مائة سبب وسبب لرفض انقيادهم لغيرهم، هذه هي نفس المعجب برأيه، والمستكبر بجهله، والمتبطر الذي يتعالى ويحتقر إخوانه، على أن غيرهم كلهم لايصلحون إلا هو !!. من الأقوال المأثورة:{إِنَّ لِلشَّيْطَانِ مَصَالِيًا وَفُخُوخًا، وَإِنَّ مِنْ مَصَالِيهِ وَفُخُوخِهِ الْبَطَرَ بِنِعَمِ اللهِ، وَالْفَخْرَ بِعَطَاءِ اللهِ، وَالْكِبْرَ عَلَى عِبَادِ اللهِ، وَاتِّبَاعَ الْهَوَى فِي غَيْرِ ذَاتِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ} (شعب الإيمان:7831)
وقد يصاب بهذه الأمراض أو ببعضها الزوج، فيظلم زوجته أويستعبدها أو يطلقها، بما تسول له نفسه على أن تلك الزوجة لاتصلح له لأنه أحسن منها، أوتصاب الزوجة بالعجب والاستكبار إذا رأت في نفسها ما يجعل زوجها متعلقا بها كل التعلق، عندما ترى في صورتها جمالا، وفي جيبها مالا، وفي نسبها دلالا، وبالطبع لاتستكبر عليه إلا حين تضعف شخصيته، وتنعدم أنفته.
{وَغَالَيْتُ فِي حُبِّي لَهَا فَرَأَتْ دَمِي … حَلَالًا فَمِنْ هَذَاكَ دَاخَلَهَا الْعُجْبُ} (اعتلال القلوب للخرائطي)
وفي أية شريحة من البشر قد ينبت مرض من هذه الأمراض في قلب أحد الدنيويين، ويبدأ في تخريب العلاقات وتمزيق الصفوف وتدمير التآلف، والمنطق الفلسفي يقول: إن العجب من ضعف العقل، والاستكبار من ضعف النفس، والاحتقار من ضعف الإرادة، ومنبت الكل الأنانية.
وأول من بدأ الفتنة في الحياة البشرية بسبب هذه الأمراض هو إبليس لعنه الله، عندما أبى واستكبر، وكان من الكافرين. سُئل إبليس، لماذا عصيت الله تعالى، ورفضت السجود لآدم؟ ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ (الأعراف:12) فكان جواب المستكبر: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾ هذا هو الأناني، المصاب بالكبر، والعجب. أنه يحتقر الناس. والأناني يرفض الانقياد والطاعة، ولا يكتفي بذلك، بل إنه يعلن الحرب على من عزلوه لسوء فعله، أو لتقديم غيره الأولى والأعلم منه، ويهدد من لايقف معه. ﴿قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (الإسراء: 62)
كل البلايا والمصائب كانت بسبب حب الاستعلاء، ومرض الاستكبار، والإعجاب بالرأي، وضعف الروية، وما يتبع ذلك من العصبية، بسبب ذلك كان ذلك المسلسل السياسي الممقوت، مسلسل الكيد والمكائد، مسلسل المعارضات، في الدول المتخلفة، المسلسل، المتمثل في الانقلابات السياسية، والعسكرية، والاغتيالات، والاستعباد، والحروب الأهلية، والأزمات، التي مازالت فوضاها، ومازال فسادها، ينبعث هنا أو هناك، ويثقل كاهل الأمة، ويشدها إلى الوراء، إلى البقاء في مستنقعات الرداءة والبهدلة.
وتفشت هذه الأمراض حتى في المجتمعات المسلمة مع الأسف، ومنذ القرن الأول الهجري، وإلى اليوم. نعم، إنه: {العجب، والاستكبار، والاحتقار} هل هذا يقع بين المسلمين، نعم، قد وقع وأكثر. وبسببه يقال للشعوب المسلمة المغلوبة على أمرها، إذا تساءلوا من أين أصابهم ما أصابهم من استعمار الكفار لهم، واحتلال أراضيهم، والدوس على أنوف كرامتهم، فإذا تساءلوا. يقال لهم: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (آل عمران: 165) ورد في الأثر:{الْمُهْلِكَاتُ ثَلَاثٌ: إِعْجَابُ الْمَرْءِ بِنَفْسِهِ، وَشُحٌّ مُطَاعٌ، وَهَوًى مُتَّبِعٌ} (البزار)
ومن الأقوال المأثورة في هذا الباب. {لِكُلِّ شَيْءٍ آفَةٌ تُفْسِدُهُ، فَآفَةُ الْعِبَادَةِ الرِّيَاءُ، وَآفَةُ الْحِلْمِ الذُّلُّ، وَآفَةُ الْحَيَاءِ الضَّعْفُ، وَآفَةُ الْعِلْمِ النِّسْيَانُ، وَآفَةُ الْعَقْلِ الْعُجْبُ بِنَفْسِهِ، وَآفَةُ الْحِكْمَةِ الْفُحْشُ، وَآفَةُ اللُّبِ الصَّلَفُ، وَآفَةُ الْقَصْدِ الشُّحُّ، وَآفَةُ الزَّمَانَةِ الْكِبْرُ، وَآفَةُ الْجُودِ التَّبذِيرُ} (ينسب هذا القول لعبد الرحمن بن زياد بن أنعم.75ه ـ 161ه)
قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ (الأنفال:47) قال القرطبي:{وَالْبَطَرُ فِي اللُّغَةِ. التَّقْوِيَةُ بِنِعَمِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَمَا أَلْبَسَهُ مِنَ الْعَافِيَةِ عَلَى الْمَعَاصِي. وَهُوَ مَصْدَرٌ في موضع الحال} وفي القاموس بطر: وقع في الكبرياء، عند حلول النعمة. وبطر النعمة: كفرها. وبطر الحق أنكره. وأما الكبر فهو التعظم والتجبر. وفي الحديث أيضا. عن عبد الله بن مسعود، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:[لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ» قَالَ رَجُلٌ: إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَةً، قَالَ: «إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ، الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ، وَغَمْطُ النَّاسِ] (مسلم:91) ومعنى: بطر الحق: هو دفعه وإنكاره ترفعا وتجبرا ومعنى غمط الناس: احتقارهم، والاعتداء على حقوقهم.
ومن الأقوال الحسنة: {لَا فَقْرَ أَشَدُّ مِنَ الْجَهْلِ، وَلَا مَالَ أَعْوَدُ مِنَ الْعَقْلِ، وَلَا وَحْدَةَ أَوْحَشُ مِنَ الْعُجْبِ، وَلَا اسْتِظْهارَ أَوْفَقُ مِنَ الْمُشَاوَرَةِ}
تعريف العجب: الْعُجْبَ هُوَ النَّظَرُ إِلَى نَفْسِهِ بِعَيْنِ الِاسْتِحْسَانِ. والعجب أخو الرياء، وأشد منه خطرا على عمل ابن آدم. قال مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، سَمِعْتُ بِشْرَ بْنَ الْحَارِثِ، يَقُولُ: «الْعُجْبُ أَنْ تَسْتَكْثِرَ، عَمَلَكَ وَتَسْتَقِلَّ عَمَلَ النَّاسِ أَوْ عَمَلَ غَيْرِكَ» سُدَّ سَبِيلَ الْعُجْبِ بِمَعْرِفَةِ النَّفْسِ.
قال أحد الناصحين: شَرَّ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. في خمسة: (الْعُجْبُ، وَالرِّيَاءُ، وَالْكِبْرُ، وَالْإِزْرَاءُ، وَالشَّهْوَةُ.) ومن معاني الإزراء: (بخس الناس أشياءهم، ومنه القدح، والازدراء. كالْإِزْرَاءِ بِأَهْلِ الدِّينِ، وَقَلْبِ مَحَاسِنِهِمْ مَسَاوِئَ وَمَنَاقِبِهِمْ مَثَالِبَ حَسَدًا وَبُغْضًا وَكَرَاهَةً لِلْحَقِّ وَأَهْلِهِ)
وهذه نصيحة للنساء.{عَنْ عَائِشَةَ، رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ: [لَبِسْتُ مَرَّةً دِرْعًا لِي جَدِيدًا، (درع المرأة قميصها تلبسه في البيت، كالفستان الفضفاض) فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ إِلَيْهِ وَأُعْجِبْتُ بِهِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: «مَا تَنْظُرِينَ؟ إِنَّ اللهَ لَيْسَ بِنَاظِرٍ إِلَيْكِ ‍» قُلْتُ: وَمِمَّ ذَاكَ؟ قَالَ: «أَمَا عَلِمْتِ أَنَّ الْعَبْدَ إِذَا دَخَلَهُ الْعُجْبُ بِزِينَةِ الدُّنْيَا مَقَتَهُ رَبُّهُ عَزَّ وَجَلَّ، حَتَّى يُفَارِقَ تِلْكَ الزِّينَةَ»، قَالَتْ: فَنَزَعْتُهُ فَتَصَدَّقْتُ بِهِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: «عَسَى ذَلِكَ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكِ} (حلية الأولياء وطبقات الأصفياء:1/37)
عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:[مَنْ تَعَظَّمَ فِي نَفْسِهِ، أَوِ اخْتَالَ فِي مِشْيَتِهِ لَقِيَ اللهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ.] (أحمد:5995. والبيهقي في شعب الإيمان:8167)

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com