حوار

رئيس قسم العقيدة والدعوة بكلية الشريعة بجامعة قطر، البروفيسور الجزائري عبد القادر بخوش للبصائر:

مقارنـــة الأديـــــان» علــــم إسلامــــي ضائـــــع

 

الـمستجدات الدولية تؤكد الحاجة المتزايدة للحوار بين الحضــــارات
الاهتمام بالباحث وتحسين مردوده المادي يُحفز على تقديم بحوث نوعية ومتميزة

حاورته: فاطمة طاهي/

اعتبر الأستاذ الدكتور عبد القادر بخوش، رئيس قسم العقيدة والدعوة بكلية الشريعة بجامعة قطر، نائب رئيس جامعة الأمير عبد القادر سابقا بقسنطينة، أن تخصص مقارنة الأديان لم يأخذ مكانته اللائقة في الجامعات العربية والإسلامية، عكس الجامعات الغربية التي فتحت تخصصات دقيقة في هذا العلم، مشيرا إلى واقعه في الجزائر وفي الدول العربية، كما تحدث عن الاستراتيجيات الثقافية التي يُؤسَس عليها حوار الحضارات مع الإشارة إلى بعض التجارب التي لها مساهمات فعالة في هذا المجال، كما حدثنا البروفيسور عن دور الإعلام الجديد في إرساء قيم الحوار والتعايش بين الشعوب والحضارات، مشيرا إلى موضوع التعايش والحوار بين المسلمين والغرب في ظل جائحة كورونا، هذا وتطرق نفس المتحدث في حوار له مع جريدة البصائر الجزائرية إلى الحديث عن الأبحاث العلمية في الجزائر واقعها ومعوقاتها وما هي استراتيجيات تطويرها.

في البداية بروفيسور لو تقدم لنا نبذة عن شخصكم الكريم؟
– الأستاذ الدكتور عبد القادر بخوش تخصص عقيدة وأديان، أعمل حاليا رئيس قسم العقيدة والدعوة بكلية الشريعة جامعة قطر، بالإضافة إلى نشاطات علمية وأكاديمية وإعلامية، منها رئيس مجلة الاستغراب بقطر، علما أنني درست بالجزائر بجامعات عدة وشغلت نائب رئيس جامعة الأمير عبد القادر قسنطينة الجزائر ورئيس تحرير مجلة الجامعة، وعضو هيئة تحرير لمجلات عدولية عديدة وخبير ترقية للعديد من الجامعات بالسعودية والأردن والعراق والكويت وماليزيا، إلى جانب التدريس بمعهد العلوم الإنسانية باريس فرنسا، وصفة زميل مشترك مع جامعة مالايا بماليزيا، ولي كتب عديدة منها، كتاب مناهج الاستشراق في الدراسات الإسلامية وكتاب تاريخ الأديان وكتاب أديان العالم المقارن، بالإضافة إلى مقالات محكمة في مجلات دولية ذات تصنيف دولي سكوبس.
بداية دكتور وأنتم باحثون في مجال مقارنة الأديان، هل هو علم إسلامي نشأ في إطار العلوم الإسلامية أم هو علم حديث ظهر مع المناهج الحديثة؟
-علم مقارنة الأديان علم إسلامي أصيل، بل إن العلماء المسلمين أول من كتبوا في هذا العلم، ولا خلاف من أن بداية الحديث عن موضوعات هذا العلم بدأت مع القرآن الكريم، والذي تضمن حديثا عن الأديان، اليهودية والنصرانية وأديان وثنية ووضعية، وهو الكتاب المقدس الوحيد الذي تحدث عن الأديان المخالفة ودعا إلى الحوار والنقاش العلمي الهادئ معها، ومن القرآن تفتقت العقلية الإسلامية فبرز مفسرون وعلماء اهتموا بدراسة الأديان الأخرى، وإن الباحثين المسلمين انتهوا بتأثير مباشر من القرآن بدراسة أديان الأمم، والتنقيب عن عقائدهم وطقوسهم، وألفوا لهذا الغرض كتبا مختصة وفصولا مطولة في مصنفاتهم فهذا كمال الدين بن يونس الشافعي يقول فيه ابن خلكان إن اليهود والنصارى كانوا يقرؤون عليه التوراة والإنجيل فيفسرها لهم، وكانوا يُقرون بأنهم لا يجدون من يوضحها لهم مثله.
وهذا ابن حزم يعود إليه فضل الأسبقية في هذا العلم وتطبيقه لمنهج صارم في نقد الكتب المقدسة، مما حدا ببعض الباحثين على اعتباره مؤسس علم مقارنة الأديان وإن كتابه الفصل في الملل والأهواء والنحل أشهر ما كتب في العلم، وهناك اعتراف من مؤرخ الحضارات آدم ميتز بأن هذا العلم علم إسلامي خالص بسبب تسامح المسلمين مع أصحاب الديانات الأخرى وهو التسامح الذي لم يعرف بمثله في العصور الوسطى.


ماذا عن تقييمكم لعلم مقارنة الأديان في الجزائر وفي الدول العربية؟
-علم مقارنة الأديان كما سبق وأن ذكرنا علم إسلامي، ولكن للأسف لم يأخذ مكانته اللائقة به في الجامعات العربية والإسلامية، على حد تعبير الدكتور أحمد شلبي بأنه علم إسلامي ضائع، عكس الجامعات الغربية التي فتحت تخصصات دقيقة في هذا العلم، ولا تكاد تخلو جامعة غربية عريقة من وجود أقسام للأديان، أما في الوطن العربي لازال ظهوره محتشما، وللإنصاف أن بعض الجامعات العربية والإسلامية فتحت أقساما له، مثل دولة قطر التي أعطت له مكانته اللائقة، وتم فتح برنامج للدراسات العليا الأديان وحوار الحضارات وأتشرف بالإشراف على هذا البرنامج وقد كان ضمن خطة قطر لتحالف الحضارات، وتم طرح مقرر حوار الحضارات لكل طلبة الجامعة، وفي الجزائر تخصصا لمقارنة الأديان بجامعة الأمير عبد القادر بقسنطينة وقد تشرفت برئاسة هذا القسم سابقا، وقد تخرج من هذا القسم العديد من الباحثين والأكاديميين.
ما هي الاستراتيجيات الثقافية التي يؤسس ويبنى عليها حوار الحضارات؟
-إن المستجدات الدولية الحاضرة تؤكد الحاجة المتزايدة للحوار بين الحضارات وضرورة تحمل جميع المجموعات الحضارية مسؤولية العمل على ترسيخ قيم الحوار الحضاري، إن الحوار فعل إنساني حضاري وموروث ثقافي رفيع يسعى لإرساء مبادى للتعارف والاحترام المتبادل بين الثقافات والحضارات من أجل بناء مستقبل إنساني يخلو من الصدام والصراع.
حدثنا عن بعض التجارب التي لها مساهمات فعالة أو مشاريع متميزة في مجال حوار الأديان؟
-هناك مبادرات عديدة تؤكد انخراط الدول والمنظمات الدولية والعالميه في هذا المسار، منها: مبادرة أممية لتحالف الحضارات التي تأسست منذ سنة 2005. تأسيس الأمانة العامة للأمم المتحدة لتحالف الحضارات عام 2007 وهي تنسق مع الدول والمنظمات الدولية على تعزيز الجهود في مجال الحوار الحضاري، وضعت الأمانة العامة للأمم المتحدة لتحالف الحضارات أول خطة تنفيذية للفترة 2007-2009 والتي أوصت بوضع خطط وطنية لتعزيز تحالف الحضارات، اختيار سنة 2010 من طرف الأمم المتحدة سنة دولية للتقارب بين الثقافات.


كذلك دكتور حدثنا عن علاقة علم مقارنة الأديان بالإيمان خاصة وهناك من يتخوف من الخوض في زوايا هذا العلم؟
-علم مقارنة الأديان بداية نشأته ارتبطت بعلم العقيدة، وتمثلت أساسا في تثبيت العقيدة عند المسلم ودحض الشبهات، وإن معرفة المسلمين للعقائد المختلفة سهل لهم عملية نقض بعض التأويلات ومناقشة كثير من القضايا العقدية بأسلوب علمي هادئ كما كان عاملا ملحا لعرض محاسن الإسلام لأصحاب الديانات المختلفة وهذا مما جعل شعوب عديدة تعتنق الإسلام، وينبغي التذكير بأن أكثر من دخل في الإسلام من الذين يشتغلون بهذا العلم سواء قديما أم حديثا.
ألقيتم سابقا محاضرة بعنوان: «الإعلام الجديد ورهان الحوار بين الحضارات» حدثنا عن هذا الجانب؟
-موضوع المحاضرة كان عن رسالة الإعلام ودورها العظيم في تعزيز ثقافة الحوار الحضاري والتعايش السلمي، وتم الحديث بصفة خاصة عن الإعلام الجديد والمتمثل في الوسائل الجديدة وكيف يمكن توظيفها واستغلالها في نشر الحوار الحضاري وكيف تكون أداة لإرساء قيم الحوار والتعايش بين الشعوب والحضارات.
حدثنا عن قضية التعايش والحوار مع الآخر «بين المسلمين والغرب» في ظل جائحة كورونا؟
-خلفت جائحة كورونا ذعرا عالميا وهما دوليا غير مسبوق وبدأ التفكير الجاد في تعزيز التعاون بين الدول والحضارات، وكانت فرصة مواتية لتعزيز التقارب بين الأمم والحضارات، وبدأ الحديث عن القيم الحضارية ودورها في التكاثف لمحاربة هذا الخطر المحدق والذي يهدد البشرية كلها في وجودها، وتبعا للتواصل الحاصل بين الدول الإسلامية والغربية من جهة، وكذا للدور الكبير الذي لعبته الجالية الإسلامية في الغرب وبخاصة في المجال الصحي من أطباء وأكاديميين أعطت صورة مشرقة للتعامل الإسلامي، واستطاعت أن تخفف من حدة التوتر والخوف من الإسلام وبما عرف بظاهرة الإسلاموفوبيا، واستطاع الغرب أن يكتشف الفضائل والأخلاق الإسلامية.
وأسطع مثال دعوة المجلس الأعلى للمسلمين في ألمانيا الأطباء والممرضين والطلبة المسلمين إلى تقديم المساعدة والرعاية الصحية والتخفيف على الأطباء الألمان بسبب انتشار فيروس كورونا، حيث أول موتى كورونا من الأطباء ببريطانيا كانوا مسلمين وتم تكريمهم بعد ما لقوا حتفهم خلال مكافحة فيروس كورونا. وقد لاحظنا في أزمة كورونا الدور الإسلامي في أوروبا، في مساعدة الأروبيين وبرز أطباء مسلمين، مما جعل الكثير من المتتبعين في أوروبا يتحدثون على أن هذه الفترة أحدثت تراجعا واضعا لإسلاموفوبيا في الغرب.
كانت لكم مشاركة عن بعد في ندوة علمية نظمها المجلس الإسلامي الأعلى موضوعها «الإسلام والمواطنة في أوروبا»، حدثنا عن تحديات التوطين والتدين واختلاف الهوية والثقافة أمام الجالية المسلمة؟
-بالفعل شاركت في ندوة الإسلام والمواطنة في أوروبا والتي تم تنظيمها من قبل المجلس الإسلامي الأعلى، وكان الحديث عن رؤية إسلامية للمسلمين في أوروبا، وأعتقد أن هذه الرؤية تتحدد وفقا لمعالم توجهها:
الدعوة إلى تكثيف جهود المسلمين في أوروبا وإلى إيجاد تكتل إسلامي يعلي من الموقف الموحد؛ نحن نعلم صعوبة ذلك من حيث الجانب العملي والتطبيقي، ولكن في ظل مواجهة القضايا المصيرية والكبرى تكون دافعا قويا لوضع مشروع دستوري موحد للمسلمين في أوروبا، على غرار بعض الأقليات الدينية هناك والتي خلافتها معقدة ومؤسسة عقائديا ولكنها نجحت في تجاوز خلافاتها، وهذا الدستور أو الميثاق الإسلامي الأوروبي من شأنه أن يحفظ الهوية الإسلامية داخل المنظومة الوطنية الأوروبية، ونؤيد ما يقوم به المسلمون من جهود في إيجاد ميثاق المسلمين في أوروبا، والذي بدأ التفكير فيه بعد 11 سبتمبر وتزايد حملات «الإسلام فوبيا» أو»الخوف من الإسلام»، والممارسات العنصرية التي وقعت على المسلمين الذين يعيشون في هذه البلدان بمثابة «دستور العمل الإسلامي الأوروبي».
ينبغي الحسم عند المسلمين الغربيين بأن الدول التي يعيشون فيها هي أوطانهم وعليهم ممارسة حقوقهم السياسية وتحمل المسؤوليات ووجوب الانخراط في العمل السياسي والاجتماعي والمجتمع المدني.
ينبغي معرفة خصوصيات المسلم الغربي؛ المواطن المسلم في أوروبا هو مواطن أوروبي، ولديه مشكلات وقضايا تختلف عن القضايا المثارة في العالم الإسلامي، والفقه الإسلامي بطبيعته المنفتح والاجتهاد يمكن له احتواء هذه المشكلات وإيجاد إجابات شافية وكافية، ومن غير المقبول للمواطن المسلم أن يكون واضعا قدميه في أوروبا ويفكر تفكير المسلم في البلاد الإسلامية وهذا لا يتنافى واهتمامه بقضايا أمته والحضور الإسلامي المتجذر الذي يمثله المسلمون في دول الغرب، وبروز الأجيال الجديدة من أبنائه.
فالوجود الإسلامي أصبح اليوم مكوناً في بنية المجتمعات الغربية، وهذا من مقتضاه ترسيخ مبادئ التعامل مع المسلمين في ظل المواطنة، والتي تقوم على المساواة في القانون والتكافؤ في الحقوق، تعزيز الحوار الديني البناء؛ فالغرب عند المفكر مالك بن نبي ليس غربا واحدا بل متعددا ولذلك ندعو إلى دراسة الغرب دراسة وافية لمعرفة أطيافه المتشددة أو المنفتحة؛ والعلاقات الإسلامية الغربية ليست كلها علاقات تصادم وعنف؛ عاش المسلمون إلى جانب المسيحيين فترات ناصعة سلمية وتخللتها أحيانا فترات الاضطراب، ويمكن إحياء هذا التواصل وتشجيع كل مبادرات الحوار والتعايش.
أنتم الآن تشغلون رئيس قسم العقيدة والدعوة بجامعة قطر، ما هو الاتجاه الذي تمضي إليه البحوث العربية؟
-ليس من الانصاف تقييم البحوث العربية بشكل عام وفي كل المجالات والتخصصات ولكن هناك مؤشر الخلاف حوله بخصوص البحوث العربية وهي أنها لا ترقى إلى البحوث العالمية المصنفة دوليا، فمع وجود مجلات علمية كثيرة في الوطن العربي لكن المجلات المصنفة دوليا قليلة جدا لا تكاد تذكر.
وكيف ترون الأبحاث العلمية في الجزائر واقعها ومعوقاتها وما هو الاتجاه الذي تمضي إليه، هل الأمور تتحسن أم تزداد سوءا؟
-أعتقد أن فيه إمكانات متوفرة للبحث العلمي في الجزائر وبخاصة إذا كان الحديث عن الجامعات والمراكز البحثية، فالدولة شجعت مخابر البحث وهي كثيرة على مستوى الجامعات، ومدعمة بكل الوسائل والإمكانات، ولها نشاطات علمية متميزة في تنظيم مؤتمرات دولية وإصدار كتب ونشريات علمية وإصدار مجلات محكمة، يبقى أن يتم الاهتمام بالباحث وتحسين مردوده المادي، لتحفيزه على تقديم بحوث نوعية ومتميزة، إلى جانب ربط البحوث بخطط التنمية للدولة وضرورة الاحتكاك العلمي مع المؤسسات العلمية العالمية وهنا ينبغي الحديث عن تعميم اللغة الإنجليزية وتشجيع الاهتمام بها وبخاصة أن أغلب البحوث العلمية والمجلات العالمية المصنفة دوليا تصدر بهذه اللغة.
أشكركم أستاذي الفاضل على رحابة صدركم، وأترككم لتقدموا كلمة ختامية؟
-أشكر لكم كريم دعوتكم لهذا اللقاء الماتع معكم وأشكر من خلالكم جريدة البصائر وجمعية العلماء المسلمين لما تضطلع به من أدوار توعوية وتعليمية وإصلاحية تذكر فتشكر والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

 

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com