معالجات إسلامية

فضل العلم … وبداية العام الدراسي

د. يوسف جمعة سلامة*/

يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}(1).
عاد أبناؤنا وفلذات أكبادنا من الطلاب والطالبات في الجزائر ومعظم البلاد العربية إلى مقاعد الدراسة في هذه الأيام، حيث فَتَحَت المدارس أبوابها لاستقبال عام دراسي جديد، وأقبل عليها الطلاب لينهلوا من مَعِينِ العلم والمعرفة والتربية والتوجيه، ومن الجدير بالذكر أنّ مئات الآلاف من الطلاب قد عادوا– والحمد لله – إلى مقاعد الدراسة في تعليم وجاهيّ بعد انقطاع دام عاماً ونصف العام، بسبب انتشار وباء كورونا، حيث كانت الدراسة تتمّ إلكترونياً عن بُعْد.
إنّ عودة الطلاب إلى مدارسهم بشكل طبيعي تجتمع فيه عناصر العمليّة التعليميّة (المُعلّم والطالب والمادة الدراسية) يُعَدُّ عاملاً مُهِمًّا في التحصيل العلميّ والتربويّ بشكل أفضل ويُسهم في تأهيلهم؛ ليصبحوا مواطنين صالحين مؤهّلين علميًّا وتربويًّا قادرين على خدمة دينهم ووطنهم وأمتهم.
وبهذه المناسبة فإننا نُهَنّئ أبناءنا الطلاب بعامهم الدراسي الجديد، سائلين المولى عزَّ وجلَّ أن يكون عام خير وبركة عليهم وعلى أساتذتهم وعلى أمتنا وأن يحمينا من هذا الوباء، إنّه سميع قريب.
فضـل العلم في القرآن والسُّنـة
من المعلوم أنّ للعلم والتعليم مكانة عظيمة في ديننا الإسلامي الحنيف؛ لذلك فإنّنا نجد أنّ النصوص الشرعية في الكتاب والسُّنَّة تدعو الأمّة إلى طلب العلم وتحصيله والاستزادة منه، فقد ذكر القرآن الكريم فضل العلم في عدد من الآيات القرآنية، منها : قوله سبحانه وتعالى: {اقْرَأْ باسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ* الَّذِي عَلَّمَ بالْقَلَمِ* عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ}(2)، وقوله سبحانه وتعالى أيضاً: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ}(3).
وقد ذكرت السُّنَّة النبوية الشريفة فضل العلم في عدد من الأحاديث النبوية، منها: قوله – صلّى الله عليه وسلّم-: (مَنْ خَرَجَ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ، كَانَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَتَّى يَرْجِعَ)(4)، وقوله – صلّى الله عليه وسلّم – أيضاً: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلاَئِكَتَهُ وَأَهْلَ السَّمَوَاتِ وَالأَرَضِينَ حَتَّى النَّمْلَةَ فِى جُحْرِهَا وَحَتَّى الْحُوتَ لَيُصَلُّونَ عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الْخَيْرَ)(5).
كما بيّن الصحابة –رضي الله عنهم أجمعين – منزلة العلم والعلماء في كثير ٍمن أقوالهم ووصاياهم، فمن ذلك ما أُثِرَ عن الإمام علي –رضي الله عنه– قوله: (العلم خيرٌ من المال، العلم يحرسك، وأنتَ تحرس المال، والعلم حاكم، والمال محكوم عليه، والمال تُنقصه النّفقة، والعلم يزيد بالإنفاق)، كما ذكرت كُتب السّيرة حرص الصحابة –رضي الله عنهم أجمعين– على حضور مجالس العلم.
العمليّة التعليميّة مسؤوليّة جماعيّة
إِنَّ العملية التربويّة والتعليميّة منظومة متكاملة وسلسلة متّصلة لا ينفكّ بعضها عن بعض، ومع بداية العام الدراسي الجديد يتحمّل الجميع مسؤوليّات كثيرة، والواجب علينا جميعًا أن نقوم بهذه المسؤولية على أكمل وجه، حيث إِنّ مسؤولية العمليّة التعليميّة مشتركة بين الطالب والمُعَلّم ووليّ الأمر:
* الطالب: من المعلوم أنّ على الطالب دوراً كبيراً يجب عليه القيام به على أكمل وجه، وفي مقدّمة ذلك الحرص على الاجتهاد في الدراسة ومتابعتها أولاً بأول، ووجوب الانتباه إلى شرح المُعَلِّم والإنصات إليه، واحترامه وتقديره وتنفيذ أوامره، فالمُعَلِّم هو أساس التَّعَلُّم، كما جاء في الحديث أنّ النبي – صلّى الله عليه وسلّم- قال: (تَعَلَّمُوا الْعِلْمَ، وَتَعَلَّمُوا لَهُ السَّكِينَةَ وَالْوَقَارَ، وَتَوَاضَعُوا لِمَنْ تَتَعَلَّمُونَ مِنْهُ)(6).
ويجب ألاَّ يقف الفقر أو بعض العوائق حائلاً دون التعليم، فالعلم بحاجة إلى التّضحية والصبر على نوائب الدهر حتى يحصل الإنسان بِجِدِّه واجتهاده على ما يصبو إليه.
– فالقاضي أبو يوسف كان فقيراً فأصبح قاضي القضاة في عصر هارون الرشيد.
– أبو تَمَّام كان يسقي الماء في مسجد بني أمية ثم أصبح شاعراً كبيراً وأديباً.
– الجاحظ كان يبيع السَّمك ثم أصبح أديباً كبيراً.
– والإمام الغزالي كان يتيماً فأصبح إماماً جليلاً.
كما يجب على الطالب اتّخاذ الاجراءات الصحيّة الوقائيّة في ظلّ انتشار وباء كورونا، وإذا ازداد انتشار الوباء -لا سمح الله- وتَحَوَّلَ التعليم من وجاهيّ إلى التعليم عن بُعد، عليه أن يكون أكثر حرصاً على مضاعفة جهوده ومتابعة واجباته وأدائها أولاً بأول.
* المعلّم: من المعلوم أنّه يقع على المُعَلِّم واجب كبير ومهمّة جليلة، فالمعلّم اليوم في مقام الوالد للولد، لذلك يجب عليه أن يغرس في أبنائه الطلاب الأخلاق العالية والآداب الحسنة، وأن يعمل على تنمية مواهبهم وزيادة قُدراتهم وتصحيح أخطائهم، فالمعلّم له دور كبير في صقل الطالب وتهذيب خُلُقِه، والأخذ بيده إلى ما فيه الخير وإرشاده إلى ما يُلائمه من دراسة وعمل؛ لذلك يجب علينا احترام المعلمين وتقديرهم، فهم يُخَرِّجون للمجتمع: الطبيب، والمهندس، والمحامي، والعالم، وأصحاب الكفاءات، ونحن في هذه المناسبة نقول لأساتذتنا الفضلاء: أنتم تستحقّون كلّ خير، وكلّ تقدير، فمن عَلَّمني حرفاً كنتُ له عبداً، فجزاكم الله عنّا خير الجزاء.
* وليّ الأمر: إنَّ تربيةَ الأبناء مهمّةٌ جليلة، خصوصًا في هذه الأوقات، فليس دوركم أيّها الآباء هو توفير الزيّ المدرسي والقرطاسية والأمور المادية فقط، بل هذا واجب عليكم تجاه أبنائكم، ولكنّ واجبكم أعظم من ذلك، وهو تَحَمُّل المسؤوليّة الكبرى في تعليم أبنائكم وتربيتهم ومتابعتهم، وغرس حبّ المدرسة وحبّ المعلِّم والتعليم والمعرفة في نفوسهم، كما يجب عليكم أن تحثُّوا أبناءكم على الدراسة والمواظبة والاجتهاد في التحصيل العلمي وتأدية واجباتهم على أكمل وجه.
كما يجب على وليّ الأمر إِنْ كان على قِسْطٍ من التعليم أن يُعَلِّم أبناءه ويراجع معهم ما قطعوه في دراستهم، وأن يُرشدهم إلى الطريق السليم حتى يكونوا أبناء صالحين، وأن يُوجههم إلى اختيار التعليم المناسب لهم علميًّا كان أو مهنيًّا حسب قُدراتهم.
لذلك فإنّ على وليّ الأمر مسؤوليّة كبرى، فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، فيجب على وليّ الأمر زيارة ولده في مدرسته ولو شهريًّا على الأقلّ، يسأل عنه وَيُشجّعه ويأخذ بيده إلى الأمام، فيشعر بالأمن وأنّ عين أبيه معه وبجانبه تُراقبه، فيهتمّ بدروسه ويتحسّن سلوكه وتستقيم أخلاقه، كما يشعر المعلّم أنّ وليّ الأمر معه يُسانده وَيُقدّر جهده وعمله؛ لذلك لا بُدَّ أن يعرف كلٌّ منَّا مسؤوليته وواجباته تجاه الآخر.
أمتنـا بيــن الأمس واليـــوم
من المعلوم أنَّ ديننا الإسلامي الحنيف قد حَضَّ على التَّزود الدائم من جميع العلوم والمعارف الدينية والدنيوية، فقد خلَّف العلماء المسلمون للبشرية تُراثاً علمياً غزيراً في جميع المجالات مازالت الأمم تغترف منه وتقتبس، حيث أدرك المسلمون أهمية العلم وشرفه وغايته، فتنافسوا في طلبه، وَتَغَرَّبُوا عن ديارهم وأوطانهم من أجلِ تحصيله، ونشروه تقرباً إلى الله تعالى، فالإقبال على هذه العلوم وتعلُّمها وإتقانها والاستفادة منها في عمارة الأرض هو فرض كفاية على الأمة الإسلامية، ومع ذلك فإننا نجدُ وللأسف أنَّ الكثير من أبناء الأمتين العربية والإسلامية قد تجاهلوها وقَصَّروا في طلبها وتحصيلها في هذه الأيام، وكان ذلك سبباً رئيساً من أسباب تأخرنا عن مكان الرّيادة والصّدارة الذي كانت عليه أمتنا وكان عليه أسلافنا من العلماء المسلمين.
لذلك فإنَّ الواجب على أبناء الأمتين العربية والإسلامية ضرورة المُسَارعة في تحصيل العلم والمعرفة، حتى يخرجوا من حالة الضّعف التي نخرت عظامهم، والوهن الذي أضاع مجدهم،
كما قال الشاعر:
لقد كُنَّا وكان الناسُ في الزَّمـنِ الخَـوَالِي
طُلاَّبَ علمٍ عِنْدَنا إِنْ في الجنوبِ أو الشّمالِ
يتتلمذون على حضارتِنـــا كتلمــــذةِ العيـالِ
وفي الختام: نتضرع إلى الله سبحانه وتعالى بالدعاء أن يحفظ طلابنا وأمتنا من الوباء، وأن يُعَجِّل برفع هذا الوباء والبلاء عن أمتنا والعالم أجمع، ونُحيي طلبتنا ونشدّ على أيديهم، وندعو الله عزّ وجلّ لهم بالتوفيق والسَّداد، ونرجو أن يُحقّقوا ما يصبون إليه من تقدّم ونجاح وتفوّق.
اللَّهُمَّ إِنّا نَسْأَلُكَ عِلْمًا نَافِعًا، وَرِزْقًا طَيِّبًا، وَعَمَلاً مُتَقَبَّلاً
وصلَّى الله على سيِّدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين

الهوامش:
1- سورة المجادلة الآية (11) 2- سورة العلق الآيات (5-1) 3- سورة الزمر الآية (9)
4- أخرجه الترمذي
5- أخرجه الترمذي
6- أخرجه الطبراني

* خطيب المسـجد الأقصى المبـارك
وزير الأوقاف والشئون الدينية السابق
www.yousefsalama.com

اظهر المزيد
شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com