شعاع

الاستثمار في الخير…والمسؤوليات الجسيمة المترتبة عليه

يكتبه: حسن خليفة/

هذه المحـنُ المتلاحقـة التي ضربت وطننا، أيا كان وقعها الأليم، وخسائرها الكبيرة الجسيمة في الأرواح والممتلكات وفي الإجهاز على جغرافيا خضراء بديعة رائعة (الغابات والنسيج الأخضر الممتد)…فإنها، من جهة ثانية، كشفت لنا ـ للمرة الألف ـ عن معدن هذا الشعب الكريم الطيب الخيّر، وهذه عملة نادرة وثروة لا تقدّر بثمن.
والذي تابع ويتابع واجتهد في فهم دلالات ومعاني ذلك الاندفاع الجميل الرائق المسكون بـ «همّ»المساعدة وفعل الخيرات وتقديم المواساة للمتضررين .. سيعرف أن طينة هذا الشعب حقا طينة خاصة، وأنه ما يزال أقرب إلى الفطرة الإنسانية السليمة، على الرغم من كل ما جرى عليه من «تجاريب» الخبثاء في مخابر التحطيم والتمييع، والتفسيق والمسخ.. وكل ذلك معروف، على الأقل على مدى العقود الثلاثة الماضية؛ حيث سُخرت كل الإمكانات من أجل «قتل» كل جميل وقيّم ونديّ وإنساني في هذا الشعب، بدءا من المدرسة والروضة التي خُطط لإفراغها من كل ما يجب … إلى الجامعة التي صارت «فضاء للتجريب» وأقرب إلى «روضة للكبار» بلا أي ثمرات في مستوى ما تثمره الجامعات صانعة النُّخب ومنتجة العلم والمعرفة…، إلى كل ميادين الحياة، فقد جُوّع الشعب، وحوصر، وظُلم، ومُس في كرامته (ضرب الأطباء والمعلميـن والأساتذة وقطع الأرزاق والإذلال ..).
كل ذلك لحسن الحظ لم يؤثر في بنيـة هذا الشعب النفسيــة والعاطفية فبقيّ نقيا طاهرا وفيا، مندفعا في الخيرات والمكرُمات .. وقد شهد بذلك العدوّ قبل الصديق.
الإشكال الآن في الاستثمار في هذه الخيرية العجيبة، وفي هذا الكائن الإنساني الاستثنائي الجميل ـ طبعا لكل قاعدة استثناء، فهناك «حثالة» حقيقية منهم من هم في مقاعد التدبير والتسيير، ومنهم بعض التجار الفجرَة الذين يبيعون ويشترون حتى في الموت والمصائب.. ومنهم المتفرّج الذي لا يعنيه أي شيء مما حدث، ولم تتحرك فيه شعرة آدمية..
إن الاستثمار في هذه الخيرية واجب من أوكد الواجبات، ولكن من يفعل ذلك؟
1- أما السلطة فقد أبدت ـ للأسف الشديد ـ انكفاء وتأخرا وبطءا في الاستجابة، ولم تستطع، مع توفر الإمكانات، أن ترتقي إلى مستوى هذا الشلّال من الخير المسوق إليها فلم تقم إلا بأقل من الواجب في هذه الهبّة العظيمة الرائعة، وهناك أوجه قصور كثيرة ليس هذا مجال التفصيل فيها، وإنما يمكن الإشارة إلى البطء الغريب في الاستجابة، وانعدام الخطط الأصلية والخطط البديلة، على الرغم من أن الوطن تعرّض لمحن من قبلُ بأوجه مختلفة، وكان العجز عن المواكبة وضعف الاستجابة هو سيد المواقف دائما من قبل السلطة، فدل ذلك على ضعف في الأداء، وعسـر في التدبير والتسيير، بما يكاد يُفقد الثقة في المسؤولين المحليين خاصة.
2- أيضا، ومما يتعلق بالسلطة دائما، وهي المسؤول الأول، هناك انعدام رؤية وغياب إستراتيجية توقع، ومن ثم غياب التخطيط والاستشراف. ولا يمكن للمؤمن أن يُلدغ من الجحر مرتين، فما بالك بمرات، وهذا هو الحاصل، فنحن نلدغُ مرات من الجحـر الواحد، والمصيبة الواحدة والظرف الواحد (الأكسجين مثالا، وما قبلها من أزمات معروفة أيضا مثال آخر).
والخلاصة : الرداءة هي السائدة، وضعف التحكم في الأمور هوالظاهرُ البيّن، والتأخر في الاستجابة هو القاعدة… وهذا لا يليق.
فكيف يمكن تسيير بلد بحجم قارة بهذا الشكل وبهذا البطء، وبهذه الصورة الكئيــبة.؟
3- الجانب الآخر الملحوظ في هذه الهبّة الخيرية الإنسانية العظيمة والذي يؤثر سلبا على مردودها هو انعدام ثقافة التعاون وضمور ثقافة التنظيم والتنسيق، والأمر هنا جلل فتدبير وتسيير الأزمات؛ خاصة الكبيرة منها، لا يمكن أن يكون بالعواطف ولا بالانفعالات، ولا بالاندفاع القوي .. بل بالعقل والعلم والحكمة، والتخطيط والتنسيق، واستباق الزمن وإعمال العقل بخطط قريبة ومتوسطة وبعيدة.
ليست المسألة متصلة فقط بتحشيد المساعدات وتوفير المستلزمات، بل هناك ما هو أبعد من ذلك بكثير وفي ذلك تفصيل وتدقيق وتمحيص ومعرفة يجب أن تتوفّر، بل هناك قيادات يجب أن تؤهّل وتصنع لمثل هذه الظروف الخاصة.
والكلام يطول ولابد من الاستفادة من الأخطاء لمواجهة ما هو قادم، ولابد من الاستعداد الحقيقي وإعداد الرجال والخطط، والاستراتيجيات.
4 ـ نأتي أخيرا إلى دور ومسؤولية الجمعيات في حد ذاتها، فهناك مسؤولية كبيرة لهذه الجمعيات التي يجب أن تتوفّر على الحد المقبول من «فقه التعاون» وأن يكون ذلك ضمن منظومة القيّم المعمول بها في المجال الخيري الإسلامي، فلا ينبغي أبدا العمل بـ «أنانية» وحسابات «سياسية» أو حزبية، أو فئوية، بل ينبغي العمل برحابة صدر، وتوافق وتفاهم وانسجام ونية واحتساب؛ لأن ذلك يعطي «مثالا» للمجتمع ككل على الخيرية والصفاء والأخلاق العالية عند العاملين في الأنشطة الخيرية الانسانية..
5ـ وهناك مسؤولية كبيرة تتصل بجمعية العلماء المسلمين الجزائريين في ذاتها كمؤسسة دعوية ثقافية عريقة .. وهذا موضوع شعاع الأسبوع القادم بحول الله.

اظهر المزيد
شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com