المرأة و الأسرة

كلمات في الصميم

بقلم: دحنان محمود لاشين/

 

تواجدنا في رحاب هذا العالم الأزرق ليس بلا أسباب، بل هناك أسباب بعضها واضح، وبعضها لا يُرى، فهناك فجوات في حياتنا الاجتماعيّة لا يملأ فراغاتها إلّا هذا التّفاعل، صار الإنترنت ضرورة نفسيّة ومعنويّة، ما عاد الأقارب يتزاورون، غابت رائحة البيوت الشّهيّة ليلة الجمعة عندما كُنّا ننتظر الضّيوف من أقاربنا ونحن صغار، الآن الكلّ يتملّص حتّى لا يرهق نفسه، ونادرًا ما ترى البيت المفتوح لجميع أفراد العائلة، لأنّه للأسف لو فُتح، سيظلّ هو فقط المفتوح، فيُظلم أهله عندما يميل الجميع على جداره. صار الجيران غُرباء ربّما لا يعرفون وجوه بعضهم البعض، ما عاد هناك طرقات دافئة من كفوف ربّات البيوت للسؤال عن الحال، وللتهنئة، وللتعزية، وأحيانًا للثرثرة اللطيفة وحسب، وتبادل عبارات أوّلها: (بيقولوا الأسعار زادت، سمعتي اللي حصل؟ شفتي العريس اللي اتقدم لبنت فلانة؟) غابت خطوات الصّغار وهم يحملون الصّحون المغطّاة، يقدمونها والفضول يُطلّ من أعينهم ويطوف بالجدران من خلف باب الدّار، قبل أن ينصرفوا وهم يكتمون ضحكاتهم العفويّة. وداهمنا وَباء الكورونا فزاد من هذا التّباعد على أرض الواقع، وتلاه تقارب من نوع آخر على شبكات التّواصل حتّى التصقت الهواتف بكفوفنا، وانحنت رؤوسنا، واحدودبت ظهورنا، وارتبطنا به وأُسرنا أسرًا لا نتحرر منه إلّا عندما يصل شحن الهواتف إلى نقطة الصفر! في الحقيقة؛ هناك من لا يجد شيئًا يفعله في حياته سوى الكتابة على الإنترنت، وإن لم يُخرج ما بجوفه من كلمات سيتقيّأها على مكتب الطّبيب وهو يُعالج داء نفسه الّتي لا يظهر عليها عرض لمرض جسمانيّ، وربّما سيأكل نفسه أكلًا، قد تُسعده علامات الإعجاب فينام مطمئنًا، فلا بأس من دعم من تراه يحتاج للدعم، ولا تظنّ أنّها لن تكتب في صحيفة حسناتك، فجبر الخواطر عبادة. وقد تُتعس ذلك الشّاب رسالة من أحدهم أراد أن يبلّغه على عجلٍ بأنّه يكرهه، يستسخفه، لا لشيء محدد، لكنّه أراد أن يقول هذا وحسب، ليتلذذ بإيلامه، فتلك من طبيعة بعض النفوس العفنة، وقد ينسى، وصديقنا الشّاب المرهف الحسّ لا ينسى!. وقد تتسبب رسالة على التطبيق السّخيف المسمّى بـ»صراحة» في بكاء وانتحاب أحدهم بشدّة، تعرّت النفوس فالاختباء خلف قناع يُخفي الاسم يقدّم الشيّطان القابع في نفوس البشر للأمام ويمنحه فرصة الكلام. هنا على المسرح التّمثيل أحيانًا حاضر بقوّة، لكنّ طبقة المرفهين فقط هم من يمتهنونه فعلى الرّغم من ثرائهم يفتقدون لذّة البطولة، بريق النّجم الّذي يراقبه الجميع بإعجاب، فيمارسون المهنة وينفقون عليها. والكثير من مرضى النّفوس وفقراء الأخلاق يمارسون مهنة التّمثيل أيضًا بشكل آخر، ويرتدون الأقنعة، يخدعون أنفسهم، ويخدعون البنات، ويخدعون المجتمع بأكمله. بعيدًا عن هذا المسرح، سيظلّ البسطاء على عفويّتهم؛ فهناك شاب يتسلّى في غربته ووحدته بالكتابة خلف جدران شقّته المتواضعة في بلدة لا يعرفه فيها أحد، وقد تؤنسه رسالة صديق في ليلة موحشة، عندما يسأله عن حاله ويثرثران في أيّ شيء!، وهناك فتاة تأخّر زواجها جدًا فتغرّبت في غرفتها وبعد إنهاء الدّراسة لا تملك أن تخرج للعمل، ولا للترويح عن نفسها، فهناك عيب وأصول وليس لبناتنا كثرة التّجوال، وبعضهن لا تملك المال لتلك النزهات الّتي تتحدّث عنها الفتيات، فمن أين ستأتي بثمن المشروب وشطيرة «الهامبورجر»، وثمنهما قد يصل لمئة جنيه أو يزيد، فوجدت ضالّتها في كتابة منشور، أو حتّى في نسخ أشياء من هنا لهناك، أو تقرأ في صمت لطيف كلطف روحها الهشّة الرقيقة. وهناك زوجة تجلس بجوار زوجها على نفس الأريكة لكنّ المسافة بينهما.. كبيرة جدًا!، قد يكون هذا بسبب عدم انسجامهما، أو لتقصير من أحدهما، أو لانشغاله عنها بالتلفاز وكرة القدم أو الأفلام، أو قد يعود المسكين بجسد مكدود من عمل شاقٍ فينهار على الأريكة أمام التلفاز، وكأنّ الحياة صوّبت لوجهه الضّربة القاضية، هو حقًا يرغب في الحديث معها، لكنّه تعب!، وقد تكون تسليتها مجموعة تثرثر النّساء فيها عن المطبخ، وقد تضحك ويمرّ الوقت في سلام، بعد أن تُبدي نصيحتها بكبرياء لرفيقاتها عن كيفية تنظيف أرضية الحمام لتكون لامعة وبرّاقة، وقد تخبرهن بسرها الخطير عن تنظيف المنطقة العامرة بالدهون خلف الموقد بالمطبخ، فتمدحها الأخريات، ويشكرنها على جميلها فتنام قريرة العين بجوار زوجها المسكين، فلا تظنّوا أنّ كلمة لطيفة كانت خفيفة، بل كلّ هذا اللطف له وزن بالميزان. قد يمنحنا الأطباء نفحات، والمعلّمون مقالات، بل بعضهم يقوم بتسجيل شرحه ليُعاد مرّات ومرّات، وقد تمتهن إحداهن تقديم وصفات الطّبخ، وقد يُثرثر كاتب كثيرًا، كلّ يدلو بدلوه ليمتلئ الفراغ الأزرق بالكثير من البوح الحماسيّ الحارّ، والكلام البارد الرّتيب، وهؤلاء لو القتيت بهم في بيتك ستتعجب من صمتهم الطويل، وقلّة الكلام! وهناك رجل مُسنّ ما عاد النّاس يلتفّون حوله، وقد جلس يكتب مقالًا بعد أن أنهى ورده وقرآنه ورشف رشفة أخيرة من فنجان قهوته الّتي ينساها دائمًا فتبرد كبرود حياته بعد السّبعين، فاقرأ خبرة حياته وهي تدوّن في حروف، فذلك الشيخ يختصر عليك المسافات. وهناك أرواح متّقدة وشباب عقولهم كالألماس، وآخرون يلملمون التّبر من هنا وهناك، الشّاب منهم كمنارة، يُلقي الضّوء على الجميه ولا يُبالي بمن يقتبس من نوره، وقد يكون حضوره هنا صرف لحضوره في موطن آخر يُعصى الله فيه، فاغتنموا من نوره، وادفعوه للأمام. هناك سياسة، ودين، ونصائح، وانتقادات، ومعارك، وفكر، وأدب. قد يعلو صوت الذّكوريين، وقد تصيح النّسويّات، فيرهقونا بمعاركهم السّخيفة. ضجيج لن يخفت صوته أبدًا ما دمنا على قيد الحياة، سوق كبير تُباع فيه الكلمات بالمجّان. قد نكون هنا لأسباب كثيرة، ولا ريب أنّ لهذا العالم الرّقمي فائدة، والأكيد أنّ لنا دور هام في تشجيع الصّالح ليظلّ على صلاحه ولندفعه للأمام ونُظهره، ولا تنسوا جبر الخواطر والتربيت على أكتاف من ترون أنّهم يحتاجون لهذا. هكذا نحن البشر، فينا ضعف، وفينا هشاشة، نأنس ببعضنا البعض، كما نأنس بالنّور والضّياء، وقد تُسعدنا كلمة طيّبة كما تُسعدنا ابتسامة طفل رضيع فتمسح الحزن عن نفوسنا المتعبة، وكلّها من رحمات الله.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com