اتجاهات

الوجـــــــه الآخــــــر للوسائـــــــط الاجتماعيـــــة

عبد العزيز كحيل/

فرضت الوسائط الاجتماعية نفسها في السنوات الأخيرة واستولت على عقول الناس واستحوذت على اهتماماتهم وأخذت النصيب الأوفى من أوقاتهم بالليل والنهار حتى على حساب واجباتهم الدينية والعائلية والاجتماعية، إلى درجةٍ تقارب الحالة المرضية بل الهستيرية في بعض الأحيان، لم ينج من ذلك لا الكبار ولا الصغار من الجنسين، ولا المثقفون ولا عامة الناس، والأداة المفضلة لدى الجميع – في ظل توفر انترنت – هي الهاتف المحمول المسمى الهاتف الذكي الذي لم يعد تلفونا كما هو في الأصل بل أصبح يوفر تطبيقات لا تُحصى، على ٍرأسها فيسبوك ويوتيوب، وقد فعل فعل السحر في الناس لأنه يقرّب البعيد ويتيح الاطلاع الفوري على كل جديد وإمتاع السمع والبصر بكل جميل وقبيح دون رقيب، وخاصة المشاركة بالكتابة والصورة بشكل معلن أو بدون اسم في أي مجال وفي أي وقت… وقد ارتفعت أصوات الأطباء والعلماء على مستوى العالم تنبه على خطورة الإدمان وعواقبه الصحية نفسيا وبدنيا خاصة على صغار السن، وتأثيراته السلبية على المستوى الذهني وتشتيت العقل والتعريض لأنواع من الأمراض والإصابات النفسية على المدى البعيد، لكن الظاهرة قوية والتيار جارف حتى كأن البيوت استقالت وتُرك الحبل على الغارب للأطفال والمراهقين فضلا على الشباب من الجنسين، يرهنون حياتهم بالهاتف المحمول بخيره وشره وحلوه ومره ما يُحمد منه وما يُعاب، وفيه بالفعل إيجابيات ومنافع جمّة إلى جانب سلبيات ومضارّ أصبحت معروفة لدى الجميع، فشبكة انترنت تتيح لكل متصفح الإطلاع عن كل شيء بجميع اللغات وفي جميع الأوقات وبلا أي عناء أو تكلفة، وهي متاحة بسهولة ويسر عبر علبة صغيرة تُحمل في اليد أو الجيب هي الهاتف، وهكذا تراجع الكتاب والصحيفة وحتى المصحف وتربع الهاتف على القلوب والعقول بلا منازع.
• وسيلة خاضعة لأحكام الشرع:
إذا كان الناس يتعاملون مع هذه الوسائط من غير ضابط ولا قيد فإن المسلمين بمقتضى عقد الإيمان يُنزلون الوسيلة منزلة الغاية من حيث الالتزام بأحكام الشريعة ومراتبها الخمس: الفرض والاستحباب والحرمة والكراهة والإباحة، بالإضافة إلى الضوابط الأخلاقية فيما يتعلق بما يقوله المسلم وما يكتبه وما يراه وما يسمعه وما يشيعه، فتعلّم النافع – مثلا – فرض، والتعامل مع الصور الفاضحة والأخبار الكاذبة محرم، وهكذا… لكن أين هذا في الواقع؟ فرض الهاتف وما يحويه من تطبيقات نفسه على المسلمين – كما على غيرهم – فرضا ففتنهم في دينهم وأخلاقهم حتى إن الواحد منهم – وهو ملتزم بدينه معتز بانتمائه – يقع في المحظورات كل حين حتى تلاشت مفردات الحرام والمكروه وغير اللائق، وقد خاض الكثيرون في مرتع الصور العارية والأفلام الخليعة والأخبار الفاضحة والمشاهد المخالفة للدين والخُلق، مع علم الجميع أن الله تعالى يحاسب عن كل هذا : «إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا»، فازدادت الأخلاق انحطاطا ورقّ الدين عند الشباب والأحداث وتراجعت مراقبة الله في الخلوات والجلوات، وقد ضحكت بيني وبين نفسي وأنا أتذكر اختلاف المسلمين حول السُبُحة، وهي وسيلة للذكر أي للعبادة، وكيف أنكرها بعض الفقهاء بشدة…فإذا بنا نبتلى بما يهدم الدين من وسائل تحوّلت في أغلب الأحيان إلى أدوات هدم وتشويه وإضلال، ومعلوم أن كثيرا من البيوت استسلمت للأمر الواقع وتركت للأطفال – فضلا عن الشباب –مطلق الحرية، يتحكم فيهم الهاتف وتطبيقاته، والنفوس ميالة إلى المحظور.
• الدين …وفيسبوك:
ليس الدين مناقشات ولا خوضا في الجدال بغير معرفة راسخة، ولا هو ملهاة لمن جعلهم الفراغ يتعنترون في أمور الدين وهم لا يملكون أي مؤهلات إلا الادعاء والمزاعم، الدين قلب مليء بالعبودية لله وعقل مليء بالتصوّر النابع من القرآن والسنة وسلوكٌ يضبطه الخُلق الرفيع والمعاملة الحسنة، وهو حياة كلهّا ائتمار بأوامر الله وانتهاء عن نواهي،.مأمورات ومنهيات، فرائض ونوافل، محرّمات يجب تجنّبها، صالحات ينبغي فعلها، حدود لا بدّ من إقامتها…لكن هذا الدين الرباني غدا في زمن انترنت وفيسبوك والهاتف المحمول إلى كلأ مباح وحمى لا حرمة له، يغشاه من لا علاقة له بتديّن ولا علم ولا معرفة ولا توقير، الكلّ يخوض في القرآن والسنة والفقه والحديث والفكر وشخصيات التاريخ وأحداثه بكل جرأة، وكأن الأمر لعبة وتسلية للفارغين.
ولا ينقضي العجب من رجال لا يؤدون الصلاة صاروا «مجتهدين» في فيسبوك ، ونساء متبرّجات يكثرن فيه من المواعظ والأدعية، يتخيّل من لا يعرفنّ أنهن صحابيات تأخّر بهنّ الزمان!! هكذا هو حال كثير من المسلمين مع فيسبوك…استهتار بالدين وخوض في معانيه الجميلة بالتشويه وركب لظهره بغير زاد علمي ولا أدب رفيع، ومثل ذلك في يوتيوب، حيث يسجل أي كان شريطا يخطب فيه ويحلل ويحرم ويناقش قطعيات الشرع ويزدري العلماء…ويجد معجبين بخطابه العليل فيزداد جرأة.
هل نسينا أننا سنُحاسبُ عن كل كلمة لا نلقي لها بالا وكل فعل ربما لم نلتف إلى تأثيره؟
فليكن فيسبوك طريقا إلى مرضاة الله لا إلى إسخاطه كما هو دأب الكثيرين مع الأسف.
• الصالحون والهواتف المحمولة
كنّا نتعجب أشد العجب ونحن نقرأ سيرة الصالحين في الزمن الماضي وكيف كان لهم عكوف منقطع النظير على القرآن والعبادة والعلم دون كلل ولا ملل: يختم الواحد منهم القرآن في ثلاث ليالٍ وهو يتلوه بالأحكام و بتدبر، يصلي الواحد الفجر بوضوء العشاء، أي يقوم الليل كله، يسير طالب علم او عالم راسخ القدم على دابته من مصر إلى الحجاز ليسمع حديثا نبويا واحدا يستوثق من راويه، ويقفل راجعا.
لكن اليوم زال العجب ونحن نرى عكوف الناس على الهواتف: كبار وصغار، نساء ورجال، في البيت والمقهى والشارع ومكان العمل والسيارة والحافلة…عكوف منقطع النظير، خشوع كبير، تركيز عجيب…على ماذا؟ أكثرهم على المنشورات التافهة والأخبار الفارغة والصور العارية والألعاب الصبيانية…ولعل معظمهم مفرط في صلاته، لا يفتح المصحف، ولا يقرأ صفحة واحدة من كتاب ولو كان «مثقفا»…يُسمى الهاتف الذكي لكنه عندنا ينشر الغباء والحمق والتخلف الذهني…تعلقت به القلوب فصنع «العجائب» !!!… هذا هو السر: التعلق القلبي…أجل، إنه القلب إذا تعلق بشيء أتى بما يفوق التصوّر.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com