شعاع

صوت الحقّ الذي يجب أن يعلو…العربية حرّة لا تقبلُ ضرة

يكتبه: حسن خليفة/

كثير مما يجري في ساحاتنا الثقافية والفكرية والتربوية والدينية، وبالمجمل في ساحتنا السياسية إنما هو من قبيل «الهدر» و«تضييع الفرص» والهروب إلى الأمام وما في حكم هذه المفاهيم، التي تفوّت علينا في كل مرة فرص الإقلاع والانطلاق. ولو أردنا احتساب تلك الفرصة ما وجدنا لها حدّا ولا عدّا.
وحيث إن ذلك واضح بيّن في كثير من الميادين فإننا نريد قصر هذه السطور على مسألة العربية كلغة رسمية راسخة المكانة في المجتمع، ولكن الألاعيب المعطّلة، والمناورات المنسوجة هنا وهناك تجعلها تتأخر عن التطبيق في واقع الحياة، مع أن ذلك مطلب دستوري شرعي وطني لا غبار عليه.
نعم إن من قبيل تضييع الفرص ما يتعلق بإهدار الجهود والأموال والأوقات في سبيل قضايا خاسرة في الأساس، ومنها قضية محاربة العربية بمناقضتها (ومواجهتها) بضرائر مختلفات اللون والشكل كاللهجات والعاميات. ومن يُتابع يستطيع الوقوف على هذه الحملات التي تنتصر للعامية أو العاميات (في مختلف أقطار الوطن العربي، ومنها وطننا) والتكثيف المريب في أساليب وأشكال وصيغ نشراللهجات/ العاميات، في وسائط الإعلام في كل وقت وحين، وفي كل برنامج وفقرة.
إن ما يجري بالنسبة للعربية الشريفة التي عُطّلت (ظلما وعدوانا) وسُجنت قوانين تعميمها ونشرها واعتمادها كلغة رسمية حقيقية ذات أثر في الواقع. وما يزال المجتمع يطالب بالإفراج عن قانون استعمالها، دون وجود ردّ، على الرغم من تعاقب الحكّام ودعوى أننا في جزائر جديدة، تختلف عن السابقة…
من هذا الهدر وتضييع الأوقات والأموال والجهود ما يتعلق بالأمازيغية والأدوار المشبوهة غير النزيهة التي تُؤدَّى بشأنها، والسعي الحثيث لـترسيخها، دون جدوى، لنأخذ هنا بعض ما استشرفه الشيخ العلامة الرباني محمد البشير الإبراهيمي بهذا الشأن:
«ماهذه النغمة الناشزة التي تصكّ الأسماع حينا بعد حين، والتي لا تظهرإلا في نوبات من جنون الاستعمار.
ماهذه النغمة السمجة التي ارتفعت قبل سنين في راديو الجزائربإذاعة الأغاني القبائلية، وإذاعة الأخبار باللسان القبائلي، ثم ارتفعت قبل أسابيع من قاعة المجلس الجزائري بلزوم مترجم للقبائلية في مقابل مترجم للعربية؟. أكُلُّ هذا إنصاف للقبائلية، وإكرام لأهلها واعتراف بحقها في الحياة وأصالتها في الوطن؟»..ثم يجب:
«كلا إنه تدجيل سياسي على طائفة من هذه الأمة، ومكر استعماري بطائفة أخرى وتفرقة شنيعة بينهما، وسخرية عميقة بهما» (عيون البصائر 221 ومابعدها).
لسنا في حاجة إلى التأكيد على أن القائم من المساعي ـ وإن حسُنت النوايا ـ إنما هو التفرقة والتمزيق وبثّ روح الشقاق؛ لإفساد الوئام الاجتماعي.
إن استحضارنا لهذا الموضوع اليوم ينبغي أن يكون في سياق الوعي بما يقوم به الاستدمار ووكلاؤه وأعوانه من التمكين للهجات وفتح الأبواب لنعيق غربانها، وما يجري على الأمازيغية يجري أيضا على قدم وساق بالنسبة لسائر اللهجات والعمل على التمكين لها بكل سبيل، في إطار نشر «اللغة المحكية» وليس هذا الموضوع مقتصرا على بلدنا فقط، بل هو جار على قدم وساق، وبكل قوة من المخرّبين ومن يعاضدهم، يجري في كل أنحاء العالم العربي..والهدف الأكبر هو ضرب ُ القرآن الكريم من خلال ضرب العربية وإبعادها عن الساحة.
«إن هاتين النغمتين وماجرى مجراهما هي حُداء للاستعمار بالقوافل السائرة على غير هدى، لتزداد إمعانا في الفيافي الطامسة، فحذار أن يطرب لها أحد، وإن النغمتين من آلة واحدة مشوشة الدساتين مضطربة الأوتار، ومغزاهما واحد، هو إسكات نغمة أخرى تنطق بالحق وتقول: إن هذا الوطن عربي فيجب أن تكون لغته العربية رسمية، فجاءت النغمات الشاذة، ردا على هذه النغمة المطردة، ونقضا لها وتشويشا عليها، ولتلقي في الأذهان أن هذا الوطن مجموع أجناس ولغات، لاترجح إحداهن على الأخرى،فلا تستحق إحداهن أن تكون رسمية» (عيون 222).
لا ينبغي أن نكون آلة فاتكة في يد العدوّ نقوض مقوماتنا ونخرب ديارنا بأيدينا، ولا ينبغي أن نكون وكلاء ـ دون أن ندري ـ نطبق مخططات العدوّ الماكر المكابر، بل يجب علينا مجتمعين وفرادى أن نجدّ ونسعى في الاتجاه المطلوب، بالحرص على مقوّمات وطننا وثوابته، ومنها إنفاذ كل ما يتعلق بالعربية والتمكين لها لتكون بحق لغة السيادة ولغة التعامل ولغة التواصل ولغة الإدارة ولغة الاقتصاد والتجارة ولغة العلم والتعليم قبل وبعد ذلك.
وإنه في إمكاننا أن نحقق الكثيرونصنع الفارق إذا ارتفع وعيُنا إلى المستوى المطلوب، وجعلنا أولوياتنا موزونة بموازين الحق؛ فنعلي من شأن المقوّمات ونضع في الصدارة ما يستحق أن يكون في الصدارة: الدين واللغة والوطن … وأن تكون المسائل الأخرى كلها في خدمة هذه المباديء العظيمة والثوابت الكبيرة.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com