فتاوى

البيع والشراء عن بعد بضمان المطابقة لشروط الاتفاق

الشيخ محمد مكركب أبران
Oulamas.fetwa@gmail.com

 

الســـــؤال
قال السائل: هو مستورد السيارات، ولكن البائع في بلد خارج الوطن، يتفق معه على العدد، والنوع، والثمن، عن طريق الأنترنيت، ثم يكلمه مباشرة بالصوت والصورة، ويريه نموذج من البضاعة المقصودة المعروضة للبيع، ويشترط المشتري الذي هو صاحب السؤال على البائع أن يضمن السلامة والمطابقة والعدد. فهل هذه الطريقة جائزة؟ من حيث صحة العقد، ومن حيث ضمان العيب. قال السائل: وهل شراء السيارات من شركة دولية أجنبية عن الوطن يدخل في حديث النهي عن بيع الحاضر للبادي؟ قال: مع العلم أن السلعة والسعر معلومان لكل أهل السوق العالمية؟.
الجـــــــــواب
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين. والصلاة والصلام على رسول الله.
أولا: أن الأصل في البيع والشراء في الحلال برضا الطرفين مباح، والأصل في الأشياء الإباحة إلا ماحُرِّم بنص صريح، أو بإجماع، أو بقياس. والله تعالى قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (النساء:29) قال السعدي:{ينهى تعالى عباده المؤمنين أن يأكلوا أموالهم بينهم بالباطل، وهذا يشمل أكلها بالغصوب والسرقات، وأخذها بالقمار والمكاسب الرديئة. بل لعله يدخل في ذلك أكل مَالِ نَفْسِك على وجه البطر والإسراف، لأن هذا من الباطل وليس من الحق. ثم إنه لما حرم أكلها بالباطل أباح لهم أكلها بالتجارات والمكاسب الخالية من الموانع، المشتملة على الشروط من التراضي وغيره.} (تيسير الكريم: 175) وفي الحديث. [رَحِمَ اللهُ رَجُلًا سَمْحًا إِذَا بَاعَ، وَإِذَا اشْتَرَى، وَإِذَا اقْتَضَى] (البخاري:2076) ووجه الاستدلال بهذا الحديث أنه مادام البائع والمشتري لم يخالفا أركان البيع، وهي:{خمسة: البائع، والمشتري، والثمن، والمثمون، واللفظ. وما في معناه من قول أو فعل يقتضي الإيجاب والقبول} ولم يدخلا ضررا على بعضهما بالغرر، ولا على أهل السوق بتلقي الركبان مثلا، مادامت السلع والأسعار معلومة للجميع ومتوفرة وحاضرة بالطريقة المشار إليها، وأنهما (أي البائع والمشتري) راضيان. فالبيع صحيح مادام في الأشياء المباحة. والله تعالى أعلم، وهو العليم الحكيم.
ثانيا: قال السائل: {ويشترط المشتري الذي هو صاحب السؤال على البائع أن يضمن السلامة والمطابقة والعدد}. ومعناه أن المشتري لايرضى للبائع بيع البراءة. وهذا يدخل في منطق مقاصد البيع وفق ظروف الواقع، فعندما يكون البائع اتفق مع البائع بقواعد البيع المعلومة، فالشرط متضمن في طبيعة العقد بأن السلعة مضمونة السلامة، وإنما تبقى الظروف الطارئة فكل واحد منهما يتحمل مسئوليتة فيما قصر فيه، وهذا أيضا معلوم ضمنيا. كأن وصلت البضاعة في موعدها إلى ميناء بلد المشتري وقصر في طريقة استلامها، فهو الذي يتحمل المسؤولية، وأما لو أنهما اتفقا على أن البضاعة تنقل على السفينة من نوع كذا، وخالف البائع فأرسلها من نصف الطريق في القطار، مثلا، أو سفينة أقل خدمات من المتفق عليها، فالمسؤولية على البائع. وتبقى ظروف متوقعة. فالمسلمون على شروطهم، وما يتفق مع القوانين الدولية، في غير شرط يحل حراما أو يحرم حلالا. وهذه البيوع بالخيار. إذا رأى المشتري نموذجا من السلعة، ثم ظهرت باقي السلعة مخالفة للمواصفات، حينها لا يُجبر المشتري على شراء الصفقة، وله أن يرد كل السلعة، لأنه وجدها على غير ما اتفقا عليه. والله تعالى أعلم، وهو العليم الحكيم.
ثالثا: قال السائل: {وهل شراء السيارات من شركة دولية أجنبية عن الوطن يدخل في حديث النهي عن بيع الحاضر للبادي؟}
شراء البضائع من الشركات الدولية في عصرنا هذا، بالطريقة الإعلامية الظاهرة لكل الناس، لايعد من قبيل تلقي الركبان، أو بيع الحاضر للبادي.
ففي الحديث عن سعيد بن المسيب قال: قال عمر رضي الله عنه:{يَا مَعْشَرَ التُّجَّارِ، لَا تَتَّجِرُوا عَلَيْنَا فِي زَمَانِنَا، لَا تَتَّجِرُوا عَلَيْنَا فِي سُوقِنَا، فَمَنْ حَضَرَكُمْ عِنْدَ بَيْعٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَهُوَ فِيهِ كَأَحَدِكُمْ، وَلَكِنْ سِيرُوا فِي الْآفَاقِ فَاجْلِبُوا عَلَيْنَا ثُمَّ بِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ} (تاريخ المدينة لابن شبة:2/749)
وَقَالَ عَطَاءٌ وَمُجَاهِدٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ يَجُوزُ بَيْعُ الْحَاضِرِ لِلْبَادِي مُطْلَقًا لِحَدِيثِ الدِّينُ النَّصِيحَةُ قَالُوا وَحَدِيثُ النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الْحَاضِرِ لِلْبَادِي مَنْسُوخٌ وَقَالَ بَعْضُهُمْ إِنَّهُ على كراهة التنزيه بمجرد الدعوى} .(ش.ن.10/165)
وفي الفتح لابن حجر:{وَزَعَمُوا أَنَّهُ نَاسِخٌ لِحَدِيثِ النَّهْيِ وَحَمَلَ الْجُمْهُورُ حَدِيثَ الدِّينُ النَّصِيحَةُ عَلَى عُمُومِهِ إِلَّا فِي بَيْعِ الْحَاضِرِ لِلْبَادِي فَهُوَ خَاصٌّ فَيُقْضَى عَلَى الْعَامِّ وَالنَّسْخُ لَا يَثْبُتُ بِالِاحْتِمَالِ وَجَمَعَ الْبُخَارِيُّ بَيْنَهُمَا بِتَخْصِيصِ النَّهْيِ بِمَنْ يَبِيعُ لَهُ بِالْأُجْرَةِ كَالسِّمْسَارِ وَأَمَّا مَنْ يَنْصَحُهُ فَيُعْلِمُهُ بِأَنَّ السِّعْرَ كَذَا مَثَلًا فَلَا يَدْخُلُ فِي النَّهْيِ عِنْدَهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ} (ف. ابن حجر:4/371)
وفي الفتح أيضا: {الَّذِي فِي كُتُبِ الْحَنَفِيَّةِ يُكْرَهُ التَّلَقِّي فِي حَالَتَيْنِ أَنْ يَضُرَّ بِأَهْلِ الْبَلَدِ وَأَنْ يَلْتَبِسَ السِّعْرُ عَلَى الْوَارِدِينَ} ومهما كان فإن النهي لسبب علة الغش. كالْغَبْنِ الَّذِي سَبَبُهُ الْغَرَرُ، والخديعة التي تسمى الخلابة. فإذا انتفت الخلابة، والغرر، والغبن، جاز البيع. ومن ذلك ما ورد في عون المعبود:{وَقَالَتِ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِنَّ الْمَمْنُوعَ إِنَّمَا هُوَ أَنْ يَجِيءَ الْبَلَدَ بِسِلْعَةٍ يُرِيدُ بَيْعَهَا بِسِعْرِ الْوَقْتِ فِي الْحَالِ فَيَأْتِيهِ الْحَاضِرُ فَيَقُولُ ضَعْهُ عِنْدِي لِأَبِيعَهُ لَكَ عَلَى التَّدْرِيجِ بِأَغْلَى مِنْ هَذَا السِّعْرِ} (عون المعبود:9/223) والله تعالى أعلم، وهو العليم الحكيم.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com