في رحاب الشريعة

إرضاء العامة مستحيل وما زاد الطـــــين بلة فاسبــــوك التضليل

الشيخ محمد مكركب أبران/

من البلاء الذي أصاب كثيرا من العلماء الدعاة في هذا العصر: الفكر الغثائي، والنقد الحروري، والخوض التنطعي، ووجد الشواذ صفحات الفاسبوك التي ترحب بالغث والسمين، وتفسح المجال للمرجفين والفتانين، وقد يرفع أحد المراهقين عقيرته فيعبر بما يحلو له عن فلان وعلان، وربما أطلق لسانه بالقدح والتجريح في العالم الفلاني، أو المسؤول العلاني، والوزير الفلاني، ويتجاوب معه المراهقون، والعاطفيون، والساذجون. ويبلغ الأذى بالعالم فيتأذى، ويحزن لحزنه ومعاناته المتقون، ويرى بعض المؤمنين المخلصين الذين يسوءهم ذلك الطعن والتجريح في العالم، أو الشخصية المتهمة المهانة ظلما وعدوانا، فيقولون: لِمَاذا هذا العالم أو ذاك، لماذا لايردون على المتنطعين، لماذا لايُقْنِعون الناس بالدليل والبرهان، ويبينون للناس سبيل الرحمن من سبيل الشيطان؟ ومن أجل جواب هؤلاء المؤمنين المتسائلين كان هذا العنوان. {إرضاء العامة مستحيل، وما زاد الطين بلة فاسبوك التضليل} إن الفتانين الذين ينشرون على صفحات التواصل الاجتماعي ما يؤذي الناس من الطعن والسخرية والاستهزاء، هؤلاء لايسمعون ولايقتنعون، ألم يوجد من هؤلاء الفتانين من لم يقنعهم حتى القرآن، والحديث؟
إن الله تعالى يعلمنا بما جاء في القرآن الكريم بأنه عز وجل قادر على محو الظالمين، ومحو آثارهم، ولكنه عز وجل خلق ناسا وأطعمهم وسقاهم وبين لهم بكل البراهين والأدلة والآيات البينات الواضحات طريق الحق ليعبدوه ويطيعوه، ومع ذلك صنف منهم يؤذونه بالسب ويظلمونه بالشرك. ففي الحديث القدسي. [يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ يَسُبُّ الدَّهْرَ وَأَنَا الدَّهْرُ، بِيَدِي الأَمْرُ أُقَلِّبُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ] (البخاري:4826) والله سبحانه قادر على أن يبعد المرجفين، والسفهاء، الذين يؤذون أنبياءه، ولكن الذي وقع هو أن الأنبياء أصابهم الكثير من الأذى من قبل المجرمين، من قبل الذين يخوضون مع الخائضين. وصدق من قال: {قالوا: الله ذو ولد، وقالوا الرسول قدكهنا.. مانجا الله ورسوله من أذاهم فأين أنا؟} وكان النبي محمد صلى الله عليه وسلم، يصاب بالأذى من المنافقين والكفار والسفهاء من اليهود والنصارى. فعن عبد الله رضي الله عنه، قال: لما كان يوم حنين، آثر النبي صلى الله عليه وسلم أناسا في القسمة، فأعطى الأقرع بن حابس مائة من الإبل، وأعطى عيينة مثل ذلك، وأعطى أناسا من أشراف العرب فآثرهم يومئذ في القسمة لحكمة لايعلمها المتنطعون والفتانون، فقال رجل: والله إن هذه القسمة ما عدل فيها، وما أريد بها وجه الله، فقلت: والله لأخبرن النبي صلى الله عليه وسلم، فأتيته، فأخبرته، فقال:[فَمَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ يَعْدِلِ اللهُ وَرَسُولُهُ، رَحِمَ اللهُ مُوسَى قَدْ أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَصَبَرَ] (البخاري:3150) ولكن النصيحة لأنفسنا أن لا نتأثر بإيذاء واستهزاء وسخرية الغلاة والمنبتين، ولا بشبهات الحروريين، ولاباستهزاء المرجفين، ونثبت ونصبر، رغم شدة أذى المرجفين الفاسبوكيين في هذا الزمان، نصبر كما صبر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. قال الله تعالى:﴿وَمِنَ النَّاسِ مِنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللهِ﴾ (العنكبوت: 10) فلا أحد من المخلوقين يستطيع أن يرضي الناس جميعا، ولا أن يقنعهم باتباع الحق الذي هو عليه. لذلك مهما اجتهد العالم، ومهما اجتهد المصلح، ومهما كان تقيا مخلصا، فإن المتنطع، أو السفيه، أو الحروري، سيجد نقطة في عمل العالم يُعَلِّق عليها شبهة من الشبهات الجاهزة التي يخفيها في كيس يحمله معه عن قصد، هل يظل العالم يجادل ويرد على هذا، وعلى هذا، وعلى أولئك، وهو يشرح ويوضح ليبين للناس الحق من الباطل، حينها سيتطور الموضوع ويتعقد مع اختلاف وجهات النظر، وهذا هو الذي يريده المتنطع السفيه الذي يسود صفحات الفاسبوك بهرطقاته الخسيسة، يريد من التجريح والطعن في العلماء أن يشغلهم، وأن يظهر شبهات العجز في النقاش، ليمرر سفاهته من خلال شبهاته. كثيرا ما يكون السكوت عن الجهلاء جوابهم: فمما سبق يعلم إخواننا المؤمنون الذين يحسنون الظن بعلمائهم، أنه ليس كل عالم يُطعن فيه، ويُتهم في عِلْمِه، أو أخلاقه، أنه يُنْتَظر منه أن يرد على الطاعنين. ذلك لأن شياطين الإنس والجن لايكفون عن الفتن، ويحاولون أن يلفتوا انتباه العامة إليهم، وذلك هو عملهم، إنما يواصل العالم عمله ويذرهم في سفههم يتخبطون، وكم هي الجراثيم التي خلقها الله للابتلاء، لايستطيع الأطباء القضاء عليها. ومن ثم فالجراثيم الوبائية تنشر المرض، والطبيب ماض في طريقه لحماية ووقاية الأصحاء. {وَمَا شَيْءٌ أَحَبَّ إِلَى اللَّئِيمِ … إِذَا شَتَمَ الْكَرِيمَ مِنَ الْجَوَابِ. مُشَارَكَةُ اللَّئِيمِ بِلَا جَوَابِ … أَشَدُّ عَلَى اللَّئِيمِ مِنَ السِّبَابِ} (شعب الإيمان للبيهقي. 8173)
ليس من واجب العامة الخوض في ترويج الأخبار: ذلك أن المؤمن العامي الذي يحب علماءه ويثق فيهم، ويسمع عنهم كلاما، عليه أن لايخوض فيه. وأن يظل على ثقة كاملة في إخوانه. وليتعظ بقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (النساء:83) في هذه الآية تأديب وتربية وتوجيه، من الله لعباده، ينهاهم عن خوضهم في تلقي الأخبار وترويجها، وهم لايعلمون نفعها من ضررها. وأنه ينبغي لهم إذا جاءهم أمر من الأمور المهمة، المتعلقة بالمصالح العامة كالدين، والدعوة، والأمن، ومصالح المؤمنين، فعليهم أن يتثبتوا ولا يستعجلوا بإشاعة ذلك الخبر، بل يردونه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم، يردونه إلى أهلِ الرأي والعلم والنصح والعقل والرزانة، الذين يعرفون الأمور ويعرفون المصالح وضدها. قال الله تعالى: ﴿وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ. يَعِظُكُمُ اللهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (النور:16،17)
لاينبغي للمؤمن أن يتأثر بقدح السفهاء وأراجيفهم: قال الله تعالى بشأن قصة حادث الإفك، فيما افتراه المنافقون والسفهاء عن أمنا عائشة رضي الله، عنها: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ. لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾ (النور:12) والنصيحة هنا للعامة، للذين يقولون عن العالم المتهم أو المسؤول المتهم، أو المرأة المتهمة، يقولون مثلا: لو أنها ابتعدت عن مواطن الشبهات، وذلك العالم لو أنه ابتعد عن كذا، ولو أنه لم يفعل كذا، او يالته لم يقل كذا. وكل ذلك تعليل لا أساس له، إنما الحق والأساس في كلام رب الناس. ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾ (النور:12)
ثم ليس المطلوب من المتهم أن يتكلم ليبرئ نفسه، بل المطلون من الذين انتقدوا وطعنوا واتهموا أن يأتوا بالشهداء. ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ (النور:13)
هل كان حسن سيرة أبي بكر الصديق رضي الله عنه، يحتاج إلى دليل مقنع؟ هل كانت استقامة أمنا عائشة رضي الله عنها، تحتاج إلى برهان وبيان؟ ثم الصحابي المتهم، وقبل كل هذا، هل كان في سيرة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، عند كل العقلاء على الإطلاق ما يجعل أحدا تسول له نفسه بظنون في شرف ومجد وكمال صلاح البيت النبوي؟؟ ومع ذلك لم يسلم. فإرضاء العامة من الناس غاية لاتدرك. والغريب أن العامة في زمن الفاسبوك صاروا عندما يتهم أحد، أو يرمى زورا وبهتانا ببلية، ويروجها سفيه على صفحات الفاسبوك، يتركون الذي رمى واتهم أو سب واستهزأ، يتركونه تماما، ويَنْصَبُّون على المتهم بالقيل والقال، وهذا ديدن الذين يتلقونه بألسنتهم، ويقولون بأفواههم ماليس لهم به علم. ولا يسألون عن الذي نشر الخبر، ولا الذي استهزأ واستهتر، ولا الذي روج الصورة لأول مرة ويقولون له: من أين لك هذا؟؟ إنه الفكر الحروري الذي أتعب عثمان وعلي رضي الله عنهما، وفتن الآلاف في عهدهما، ومن بعدهما، وإلى يومنا هذا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com