عين البصائر

كلمة بمناسبة إطلالة عام دراسي جديد

أ. لخضر لقدي/

يطل علينا عام دراسي جديد، نأمل أن يكون مُفْعَما بالتوفيق والنجاح والازدهار، وأن تكون مدرستنا هذا العام وسائر الأعوام هادئة هادية هادفة، أن تكون هادئة خالية من المشاكل والمُنَغِّصات التي تكدِّر حياة الفرد والمجتمع، وأن تكون هادية تعدّ الفرد الصالح روحيا وعقليا ونفسيا وجسميا واجتماعيا، وأن تكون هادفة تمدّ المجتمع بالمواطن المؤهل الذي ينفع نفسه ومجتمعه وتستفيد منه الإنسانية جمعاء.
والتربية هي المهمة الأساسية للمدرسة، وهي بحاجة إلى اتحاد جميع أركانها، التي تتعاون فيما بينها لتخرج للمجتمع جيلا تسعد به الأمة، ويصلح أن تسند له مهمة.
وإذا كان الأبوان هما المَحْضِنُ الأول للطفل يتربى في حجرهما وينشأ على أخلاقهما، فإن المدرسة هي المَحْضِنُ الثاني للتربية تكمل ما بدأه البيت، وتعانق جهوده في التعليم والتنشئة، والتقويم والتهذيب، والتربية والتأديب.
ومدرستنا اليوم باتت مهددة من داخلها ومن خارجها، فقد بات التهديد منظما، وأصبح لزاما علينا أن نعيد صياغة تربية أبنائنا وبناتنا على أمر محدد من العقيدة والوطنية حتى تستقيم الأسرة مرة أخرى وتكون لبنة قوية في حصن يقاوم التهديد.
ويبدو أن المدرسة الجزائرية تواجه منذ عقود مؤامرات محبوكة، تغريبية الدّوافع والرّوح، حيث تحوّل موضوع إصلاحها إلى مناسبات للطعن في مكاسبها، والطعن في الثوابت الوطنية حينا آخر، وأصبحت المدرسة الجزائرية في مفترق طرق، والتباس أفق.
والمتأمل في شأن المدرسة الجزائرية في العقدين الأخيرين عليه أن يطرح سؤالا أو أسئلة: ماذا يراد للمدرسة الجزائرية؟ وماذا يراد بالمدرسة الجزائرية؟ إننا نسمع دعوات كثيرة توهن العزائم، وتهز الثقة في المجتمع، فمرة تدريس اللغة العامية، ومرة تقليص ساعات ومعاملات التربية الإسلامية، ومرة تدريس العلوم بالفرنسية، ومرة إلغاء تدريس التاريخ من المناهج تمهيدا لألغاء الجزائر من الجغرافيا .
ولا شك أن المسؤولية تتقاسمها جميع الأطراف أولياء التلاميذ وأولياء الأمور:
فمهمة التربية الدينية تقع أولا في رقاب الآباء والأمهات، فعنها يسألون .
وتقع ثانيا على رجال الميدان من أهل التربية والتعليم فعليهم أن يربوا تلاميذهم على الأخلاق الفاضلة وحب اللغة العربية فهي لسان القرآن، وألا يفرطوا في الدين والعقيدة والوطن والخلق الفاضل.
وتقع ثالثا على أولي الأمر ومن تولى مهمة التوجيه وإعداد الخطط والمناهج، فإن كانوا وطنيين حقا، فليتقوا الله في الدين والوطن، وليقولوا قولا سديدا، وليعلموا أن التقدم ليس بالتحلل والارتباط بلغة الغير، وليعتبروا بالأمم التي تقدمت دون تفريط في لغتها وموروثها وثقافتها.
إن أهم العوامل التي قامت وتقوم عليها أمتنا الجزائرية هي: الجغرافيا المحددة، واللغة العربية، والتاريخ المشترك، والدين الواحد، والاقتصاد المتكامل، والتفريط في أي عنصر من هذه العناصر هو تفريط في الوحدة.
والأمة التي تخسر لغتها تضيع هويتها وخصوصيتها وتخسر ذاتها ومستقبلها، فلا وحدة وطنية بدون وحدة لغوية رسمية،
وعلى العقلاء أن ينتبهوا إلى فضل العربية في توحيد الجزائريين، فهي القاسم المشترك بين الجزائريين، ولن يستطيع أحد إذا سافر من أقصى شرق الجزائر إلى غربها أو من شمالها إلى أقصى جنوبها أن يتفاهم مع إخوانه إلا بالعربية -بمختلف لهجاتها- التي يفهمها الجميع.
وعليهم أن يعودوا إلى التاريخ القريب والبعيد ليعلموا أن اللغة العربية سجلت منذ أمد بعيد أفكار الجزائريين وأحاسيسهم، وبها نبغ علماؤهم ورفعوا رؤوسهم شرفا وتيها، بل لا نكاد نجد لهم إبداعات حضارية ونظاما تعليميا خارج الحضارة العربية.
وهذا ما يؤكده أبو يعلى الزواوي حيث يقول:» إن العقل البربري كالعقل العربي هو عقل شرقي وأن البربر يجدوا مكانتهم القيادية في الفكر الشرقي العربي، ويحققوا نبوغا فيه» [كتاب تاريخ الزواوة لأبي يعلى الزواوي ص72].
واللغة العربية تعتبر الهوية الحقيقية لهذه الأمة فهي وعاؤها وتاريخها وحضارتها ودينها وعلومها وفنونها، وهي من الأمة أساس وحدتها، ومرآة حضارتها، ولغة قرآنها الذي تبوأ الذروة فكان مظهر إعجاز لغتها .
وهوية المرء ليست بطاقة يحملها في جيبه، بل هي حقيقته وماهيته، والمدرسة هي المسؤول الأوّل على حفظ الهوية وعلى رأسها اللّغة العربية وتنميتها لدى الأجيال الصاعدة.
لقد مضى‏ إلى غير رجعة‏،‏ العهد الذي كانت تقاس فيه ثروات الأمم بكنوز المعادن النادرة والأحجار النفيسة، وأصبح معيار التقدم ومؤشر الارتقاء مرتبطا أولا بوحدة الأمة فالفرقة شر، وثانيا بمستوى الفرد وبالتالي بمستوى التعليم ومستوى المتعلم، وهذا وحده هو الكفيل بإيجاد المواطن الذي ينعم بحياة آمنة مستقرة يستطيع فيها أن يشبع حاجاته الكثيرة المتعددة وأن يطور إمكاناته لينعم بحياة أكثر جمالا وأشد متعة في ظل وحدة يتمتع بها الجميع.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com