مقاربات

فـي رحـاب فــكـر مــالك بن نبـي «رسالـة الـمسلم ودوره في الثلث الاخير من القرن العشرين»

إعداد: أ. عادل فرحاني/

انطلق المفكر مالك بن نبي في تحديد دور المسلم في الثلث الأخير من القرن العشرين من خلال ما اختاره الله له دورا في التاريخ بقوله عز وجل:» وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُم أُمْة وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلىَ النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيد» وذلك لما له من أهمية ودور شريف خصه به الله سبحانه وتعالى وفي مقابل ذلك يؤكد مالك بن نبي على خطورة هذا الدور والى مقتضياته التي هي من اختصاص الفقهاء والحقوقيين ومعرفتهم لشروط تزكية الشهادة والشاهد من الناحية العقلية والناحية الاخلاقية معا.

وقد أفرد مالك بن نبي فترة الثلث الأخير من القرن العشرين واختارها كفترة مهمة ومميزة يؤدي فيها المسلم رسالته بناء على جملة من الاعتبارات تمثلت في :
– طبيعة القرن العشرين الذي تحققت فيه تغيرات جذريّة بدت كأنها ترسم للإنسانية نقطة عدم الرجوع على محور الزمن حيث هبت فيه أكبر عواصف التاريخ على مصير الإنسانية.
– لأنّه القرن الذي سجل الأحداث الكبرى سوى في مجال العلم والمجال النفسي والأخلاقي والديني حيث هبت عواصف كبرى غيرت معالم الطريق وملامح الزمن والمجتمعات الانسانية ، ونتيجة لهذه التغيرات التي تحققت من خلال احداث كبرى خصوصا في مرحلة الحربيين العالميتين اللتين هزتا العالم مرتين في غضون أربعين سنة وشملتا سائر أنحاء العالم كانت لها نتائج لا مناص منها، بعضها دخل سجل التاريخ وسجل في حافظة الانسانية وكتبها وبعضها دخل عالم النّفوس وبعضها الآخر مازال كتوقعات في ضمير الغيب تجلت من خلالها أحداثا كبرى مطلة على زماننا.
ويرى مالك بن نبي ان هذه الاسباب وروافدها مجتمعة ستصب في مصب الثلث الأخير من القرن العشرين وتجتمع فيه بكل نتائجه النفسية والاجتماعية والسياسية والعلمية بكلّ التغيرات والآثار المترتبة عن نتائجه وعليه فإنّ المسوغات تكفي لتبرير اختيار مالك بن نبي للثلث القرن العشرين بوصفه حقبة زمنية استثنائية في التاريخ يكون فيها دور المسلم بصفة استثنائية أيضا وجب إدراجه بطريقة خاصة في الدور العام الذي حدده له القرآن من والمتمثل في شهادته على الأمم وتبليغ رسالته للإنسانية.
أسباب وخلفيات تقهقر وتراجع المجتمع المتحضر
يرى المفكر مالك بن نبي بأن المجتمع المتحضر يعاني من تراجع وتقهقر رهيب في الفترة الأخيرة من مسيرته التاريخية رغم تحقيقه المعجزات في عالم الاكتشافات وعالم العلوم والتكنولوجيا، وذلك بناء على مجموعة من الأسباب التي جعلت من المجتمع المتحضر يفقد في أعماقه البعد الذي كان يروح عليه ويرفه عنه وكان له بمثابة السند في وقت المحن والمرتبط بكيانه الروحي والديني فأدى به ذلك إلى سقوطه في متاهة فارغة أفقدته مبرراته التي أقام عليها حضارته نتيجة لمنشأ ثقافتها التي يطلق عليها اليوم «العلمية» والتي أخضعت كل شيئ وكلّ فكرة إلى مقاييس الكم منذ عهد ديكارت؛ وهذا ما يفسره مالك بن نبي بأن ذلك الفشل قد أدى به على المدى البعيد إلى وقوعه في الأزمة التي تمر بها حضارته الآن والتي فقدت كل مبررات وجودها وأفقدت الوجود قداسته في كلّ تفاصيله فجعلته لا قيمة له وتركت قداسة أشياءها وقيمها في سلة المهملات؛ فأصبح المجتمع المتحضر يتنفس تحت ضغط عالم الأشياء المتراكمة فبقدر ما تراكمت الأشياء وإمكانيتها الحضارية اضمحلت القاعدة الأخلاقية والروحية والمعنوية التي تتحمل في كلّ مجتمع عبئ الأثقال الاجتماعية والأثقال المادية وبالتالي اصبحت بحاجة الى قاعدة روحية متينة تتحمل أعبائها التي ترزخ تحتها الحضارة الغربية اليوم، وهذا ما نتج عليه من فقدان قداسة الوجود في النفوس وفي الثقافة وفي الضمائر باعتبارها شيئا تافها لا حاجة للمجتمعات المتحضرة بها وبذلك يؤكد مالك بن نبي على أن المسلم اذا أراد أن يسد هذا الفراغ في النفوس المتعطشة والمنتظرة للمبررات الجديدة التي تحتاجها المجتمعات لتعويض مبرراتها التقليدية ورفع الحضارة بذلك الى قداسة الوجود، يشترط عليه أولا أن يرفع من مستواه الى مستوى الحضارة او أعلى من ذلك.
أزمة المجتمع المسلم أزمة حضارية
وبخصوص الأزمة التي يعيشها المجتمع المسلم فيرى المفكر مالك بن نبي بأنها مرتبطة بكل ابعاده الحضارية ؛رغم أن هذا المجتمع خصه الله بالهداية الاسلامية وخصه برسالة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ إلا أنه أصبح يعاني العديد من الأزمات المتنوعة التي جمعها مالك بن نبي في كلمة واحدة سماها الأزمة الحضارية وفي مقابل ذلك تعاني الإنسانية المتحضرة أزمتها وهي أزمة أخطر وأعمق بكثير من ازمة الأمة الإسلامية وذلك أن الأزمة التي تواجهها الأمة الإسلامية لا تمس بكيانها الإنساني فلم تفقدها شيئ من كرامتها أو شيئ من التكريم الذي وضعه الله عز وجل في الإنسان على العموم، أم الأزمة التي تنتاب الحضارة أو الإنسان المتحضر اليوم فهي أحيانا تفقده حتى انسانيته فيصبح إما وحشا مفترسا ضاريا ينقض على كل ما يستطيع تحطيمه أو يصبح حيوانا تائها في المتاهات التي تفتح له بالمخدرات هذه الأزمة الخطيرة التي تعانيها الإنسانية المتحضرة.
كما يؤكد مالك بن نبي على أن الانسانية بشطريها المتخلف والمتحضر تعاني من أزمة خطيرة هي أخطر أزمة في وجودها على سطح هذه الأرض ستتجلى خطورة هذا السير من خلال التوقعات التي تصورها لنا ملابسات هذه الفترة من الزمن التي نعيشها الآن بكل تقلباتها السياسية والعسكرية والاقتصادية والثقافية، ويضيف مالك بن نبي أن نهاية الثلث الأخير من القرن العشرين لن تكون كالفترات الأخرى لأنّ التاريخ سينفرد إلى حد كبير بأشياء أخطر ممّا يتصور العقل وسينصب قريبا في الألفية الجديدة التي تضع أمام الإنسانية جمعاء أخطر نقط الاستفهام على مصير الانسانية منذ بدايتها.
فالإنسانية تعيش فعلا ما يسمى حالة طوارئ تتطلب على الإنسان المسلم صاحب الارادة الحضارية التي تفوق بكثير ما تبقى منها لدى المجتمعات المتحضرة اداء دوره وتبليغ رسالته لإنقاذ الأخرين وانقاذ الإنسانية المتورطة في الضياع رغم علمها وكبريائها وتكنولوجيتها التي تعيش أمام امكانيتها الحضارية المتكدسة.
طبيعة دور المسلم في تبليغ رسالته
ولكي نتبين طبيعة هذا الدور الذي يجب على الشباب المسلم أن يضطلع به في هذه الحقبة المواجهة له والمنفتحة أمامه وجب عليه مراجعة بعض السمات التي يتميز بها العالم المتحضر في الثلث الاخير من القرن العشرين والذي يمثل مركز الفكر العالمي المتواجد على محور واشنطن-موسكو» محور العلم والقوة والحضارة حيث عاشت أجيال هذا المحور او المجتمع المتحضر على رصيد ثقافي ورثته من الأجيال السابقة وعاشت على رصيد المبررات التي دفعت عجلة التاريخ في القرون الماضية خصوصا القرن التاسع عشر والقرن العشرين.
حيث شهد هذا الرصيد من المبررات الضرورية تراجعا وفتورا بعد الحربيين العالميتين أين بدأت الشعوب المتحضرة التي تعيش على محور واشنطن-موسكو تشعر جميعها بنفاذ رصيدها الثقافي ورصيد حياتها التقليدية الموروثة على أجدادها وبدأت تجري عمليات تعويض في شتى الميادين وذلك نتيجة لرسوخ الفكرة الاستعمارية الموروثة والمتوارثة عبر أجيال هذا المجتمع المتحضر ونظرته الاستعلائية والاحتقاريه للأخرين من الشعوب الأخرى والتي تدخل جميعها في اطار الصراع الفكري.
هذا المناخ الذي تكونت فيه نفوس أجيال الشعوب المتحضرة وانطلقت منها طاقاتها التي كانت تغمرها الحياة الأوروبية بفيض من المبررات ومنابع أخرى تستند عليها تلك المبررات التي جف نبعها بعد الحرب العالمية الاولى والثانية بسبب تطورات تتصل بما حدث مثلا بشأن الروابط الخفية والظواهر المرتبطة بالعلم والنفس فبقدر ما كانت تتحقق اكتشافات علمية كبرى في أوروبا بقدر ما كانت تترك صداها على المجال النفسي وأثرها الكبير في التطور الروحي حيث بدأت تفتر بعض المبررات الروحية ففقدت مبرراتها الاجتماعية والموضوعية.
ويرى مالك بن نبي أن المجتمع إذا ما فقد مبرراته القديمة أو تقادمت أو فقدت تأثيرها في الحياة الاجتماعية بوصفها دوافع قوية للحياة الفكرية والعلمية والعسكرية والاقتصادية يعوضها بمبررات جديدة، فإذا لم تأتي عملية التعويض كما ينتظر منها بالمبررات الجديدة تحدث الأزمة الخطيرة التي يعيشها العالم المتحضر اليوم الذي يبدوا أنه فشل في عملية التعويض في مختلف المجالات ومحاولته للرجوع لأصله الأوروبي بحثا عن منطلقات جديدة لأفكاره ولنشاطاته الاقتصادية فتقطعت أوصاله وأنفاسه ولم تعد تلك الأشياء المتينة التي كان يرتكز عليها في القرن الماضي وأثناء بداية القرن العشرين التي تلاشت تماما، وبالتالي فإنّ طبيعة دور المسلم المنوط به هو تكوين العملية التعويضية تلك، والتي لن تكون إلاّ بإفراز مبرراته هو، وبذلك يتحدّد مسار الدور الذي يجب على الفرد المسلم في مسألة تجديد التاريخ، ولعلّ أهم ما ينبغي فعله حسب ما أشار له مالك بن نبي هو الارتقاء بالمستوى الفكري إلى مستوى الحضارة الغربية، حتى يمكنَ تبادلُ التأثير أو ردّه، وعليه فان من الطبيعي ان المجتمع اذا فقد ما مبرراته ولم يستطع تعويضها بالطرق المشروعة في محاولات مبذولة عندها يعتريه القلق والتيه والحيرة ويترتب عليها آثار وخيمة على حياة البشرية.
وهذا ما يفسر لنا ما نراه اليوم من حيرة قائمة فعلا في العقول والنفوس والأرواح، فإنّ ما اجتمعت هذه الأشياء فعلا في نفس البشرية فعندها يمكن أن تصور ما تولده من دوافع سلبية في حياة المجتمعات فإذا شبعت البطون قد تبقى الأرواح متعطشة ومتطلعة وحين لا تجد وجهة تتطلع اليها تفضل هذه الاستقالة من الحياة وهي صور أشنع تلوح بفقدان الأمل مع شيئ من العجز حتى عن القيام بهذه المحاولة لإعدام النفس تجعل الإنسان يفقد مروءته إلى درجة الفشل حتى في التخلص من الحياة بالطرق الغير المشروعة فإنّه يفر منها عن طريق الموبقات والتدهور الاخلاقي والمخدرات بحيث يصبح المجتمع مهددا بالخراب لأنّ ّقاعدته الاجتماعية تنهار ويضيع شبابه في المتاهات وفي الخمارات أو في المخدرات او بالانتحار وحسب مالك بن نبي فإنّ الشعوب المتحضرة تعاني من تصخم كبير في الإمكان الحضاري وتضاؤل في الإرادة الحضارية أدى بها إلى اتساع الهوة بين الواقع الطبيعي الإنساني وواقعه الثقافي اليوم حيث اتسعت الهوة واصبح الانسان يتمزق خصوصا الشباب بين فكرة لا يستطيع التخلص منها تماما والمسجلة في طينته البشرية التي كرمها الله بها وبين واقع لا يقدم له مبررات ولا يعطيه بديلاً عن مبرراته التقليدية المفقودة.

ويؤكد المفكر مالك بن نبي بأنّ هذه الشعوب المتحضرة اراد بها الله ان يسوقها ويستدرجها إلى طريق حيث تنتهي فيه اخطاؤه خصوصا وأن التجارب الأساسية في التاريخ لن تبدأ حتى تفشل قبلها كلّ التجارب السابقة التي فقدت أسسها التاريخية فالتاريخ يجب أن ينتهي في نقطة ما كي يتجدّد من نقطة بداية جديدة، وبالتالي وجب أن يكون هذا مفهوما لدى الشباب المسلم وأن يشعر بإفلاس التاريخ لأنّه هو منطلق بدايته في تبليغ رسالته خصوصا وأن التاريخ كأنما يستدرج العالم إلى فشل تجاربه وخيبة أمله في تجاربه العلمية والتكنولوجية وفي المقابل ينمو العالم الإسلامي كماً وكيفاُ من حيث تزيدا السكان واكتساب تجارب جديدة حتي ولو كانت سلبية فأصبحت القضية تسير في اتجاه هذا القطب اذ يبدو أن من يسير على الخط الحضاري كأنه سيتدرج بأخطائه وباكتشافاته العلمية لتتهيأ لمن يسير على الخط الموازي ظروف ظهوره على مسرح التاريخ وبالتالي وفق لهذا المنظور يحدد مالك بن نبي دور المسلم أمام هذه الظاهرة بعد فقدان المجتمع المتحضر لمبرراته التقليدية التي قامت عليه حضارته وفشل كلّ تجاربه التي اراد بها تعويض تلك المبررات، وبالتالي يستطيع المسلم تدارك أخطائهم وإصلاحها حيث يتحدد دوره طبقاً لهذه الظاهرة التي نرى جانبيها الاول الذي يتحقق على محور واشنطن-موسكوا والجانب الأخر الذي يتحقق على محور الإسلام ،-طنجة-جاكرتا.
ووفقا لتصور مالك بن نبي يجب على المسلم أن يفكر في كيفية سيره في اتجاه التاريخ ليستغل الظروف السانحة التي تتهيأ له على المحورين المحور الذي فقد مبرراته التقليدية والذي ينتظر مبررات جديدة والمحور الذي يعيش فيه وذلك طبقا لضروريات داخلية وضروريات خارجية، ضرورات انشاء وتشيد في الداخل وضرورات اتصال واشعاع في الخارج فعلى المسلم تبليغ الإسلام وان يقوم بدور الري بالنسبة للشعوب المتحضرة ليقدم له المبررات الجديدة التي ينتظرها بسبب فقدانه لمبرراته التقليدية والذي يعيش حالة فراغ وحيرة ويدور في حلقة فارغة وبذلك وجب على المسلم أولا رفع مستواه ليقوم فعلا بالدور المنوط له فبمقدار ما يرتفع مستواه الى مستوى الحضارة بقدر ما يصبح قادر على تعميم ذلك الفضل الذي منحه له الله سبحانه وتعالى وبذلك يستطيع بلوغ قمم الحقيقة الإسلامية واكتشاف قيم الفضيلة الإسلامية ومن ثم ينزل الى هضاب الحضارة المتعطشة فيرويها بالحقيقة الإسلامية وبالهدى وبذلك يضيف لها بعدا جديدا ويسد الفراغ في النفوس المتعطشة التي تنتظر مبررات جديدة وبهذا وجب على المسلم رفع مستواه الى مستوى الحضارة او أعلى منها كي يرفع الحضارة الى قداسة الوجود التي لاوجود لها الا بوجود الله سبحانه وتعالى فإذا أتى المسلم هكذا في صورة الانسان المتحضر الذي اكتملت حضارته بالبعد الذي يضيفه الإسلام إلى الحضارة عندئذ ترتفع الحضارة كلها الى مستوى القداسة وبذلك تعود إلى الوجود قداسته التي فقدها خلال القرنين الاخيرين من مسيرته التاريخية.
الشروط الأساسية لتبليغ المسلم رسالته وأداءها على أكمل وجه:
حيث أنّ دور المسلم لا ينفكُّ عن طبيعة الرّسالة التي عُنِيَ بها، ولا يمكنه إيصالُ رسالته للعالم ما لم يُنقذ نفسَه أولا قبل إنقاذ غيره، وحسب رؤية مالك بن نبي فإن الانسان المسلم له القدرة بالقيام بأداء رسالته وفق نوع من الاعجاز التي تفرضه ظروف خاصة التي تمر بها الإنسانية اليوم على اعتبار أن الاعجاز هو مجموعة من الشروط المنطقية والغير المنطقية وذلك بتحقيق معيارين أساسيان يتمثلان في الاقتناع والاقناع فلا يمكن للمسلم إن لم يكن مقتنع بتبليغ رسالته في الثلث الأخير من القرن العشرين فإنّه لا يستطيع تبليغ الآخرين هذه الرسالة أو فحواها أو مفعولها فلابد من أن يكون على اقتناع تام برسالته؛ بوصفها منطقا خاصا تستدعي على المسلم القيام بوجبات ملحة حتى يفي بشرط اعجازه في الثلث الاخير من القرن العشرين نحو نفسه ونحو الاخرين ونحو اخوانه المسلمين المعرضين بحيث يجب فعلا ان تتوافر رسالته على كل شروط الاقناع والاقتناع ولن يتوافر هذا الا بتغير في داخل المسلم واغوار نفسه وحول المسلم في محيطه الخاص او في محيطه العالمي وحسب مالك بن نبي فإن الانسانية منذ بداية تاريخها واجهت اخطر ازمة منذ بداية تاريخها، احد صورها متعلق و خاص بالإنسان المسلم من جهة والاخرى خاص ومتعلق بالإنسان المتحضر فأصبح بذلك العالم كانه ازدواجية بين عنصرين متوازيين لا يتصلان الا عن طريق شبكة علاقات متناقضة تسير وفق صلات بين الطرف المتقدم والطرف المتخلف تسير وفق ثلاث اصناف تتمثل في:
-المجال الاقتصادي: حيث اصبح كل شيئ في منطق القرن العشرين يفسر بالاقتصاد واصبح كل شيء يخضع للاقتصاد جعلا من طرفي العالم يتعاملان على اساس علاقة اقتصادية متناقضة في طرفها الاول المجتمع المنتج للمواد الخام كالنفط وغيره من المواد الأولية وفي طرفه الثاني من يحول هذه المواد الاولية الى منتجات حضارية وطبعا على حساب العالم الثالث وعلى حساب اقتصاده ونموه
-المجال السياسي: اما بخصوص هذا الجانب فيشير مالك بن نبي على ان هذه العلاقة بين العالمين المتحضر والمتخلف متناقضة كذلك في طرفيها حيث كان الحوار بين متكلمين في الطرف الأول الاستعمار وفي الطرف الثاني القابلية للإستعمار هذا الوضع الذي كان والذي يزال قائما بين الطرفين خصوصا وان العالم المتخلف لم يغير شروط القابلية للإستعمار في نفسه واكتفى بتغير بعض السطحيات كما أن بعض الظروف وقوة الأشياء جعلت بعض المواقف الاستعمارية تتغير إلى حد ما ولكنها لم تتغير كلها، وبذلك يؤكد مالك بن نبي على أن هذه العلاقة لن تتغير مادامت القابلية للإستعمار هي التي تحاورها في المجال السياسي فستبقى قائمة بذاتها وكما هي ولن تتغير أبدا.
-المجال النفسي أو الثقافي: أما في ما يتعلق بهذا الجانب فقسم المفكر مالك بن نبي الطرفين المتناقضين إلى محوران محور ثقافي أو ما يسميه محور واشنطن -موسكو وهو محور واحد لا يختلف فيه شرقه عن غربه ولا غربه عن شرقه في هذه الناحية حيث يرى المفكر مالك بن نبي أن هذا المحور يطرح كل مشكلاته بمنطق القوة بينما يجب على المحور الثاني أي محور طنجة-جاكرتا الذي نعيش عليه نحن المجتمعات المتخلفة وخصوصا المسلمين يجب عليه أن يطرح المشكلات بمنطق البقاء لأننا بحاجة إلى رفع مستوى بقائنا إلى مستوى الحضارة، وهذا يتنافى مع طرح القضايا بمنطق القوة ولا تستطيع ولا تسمح لنا ظروفنا بغير ذلك ولا يهمنا ولا يهم الانسانية التي تعتبر نفسها متقدمة ان ترجح الى رشده، ولذلك فالمحور المتخلف مضطر إلى طرح مشكلاته بمنطق البقاء حتى يستطيع التقدم بعض الخطوات ورفع مستواه إلى مستوى الحضارة وهنا يفرض عليه طبعا هذه العلاقات الثلاثية المتناقضة الثقافية النفسية والسياسية اذ يجب عليه تصفية هذه الخريطة للعلاقات العالمية حتى يتسنى لهذه الإنسانية ان ترفع مستواها إلى مستوى القداسة وإلى المستوى الذي تستوعب معه مبرراتها الجديدة في المرحلة الخطيرة التي مر بها في الثلث الأخير من القرن العشرين حيث يجب على المسلم أن يضطلع برسالته ويفكر في إعجازه الذي لا يأتي إلاّ بتحقيق شرط جوهري وهو تغير ما بنفسه وتغير ما في محيطه مصداقا لقوله تعالى: «إنّ الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم» ولا يمكنه أن يغير شيئا في الخارج إن لم يغير شيئا في نفسه، وبذلك تتوافر شروط رسالة المسلم فمن دون ذلك لا يستطيع المسلم انقاذ نفسه وانقاذ الآخرين.
المنهج العملي في تبليغ المسلم لرسالته
وبخصوص هذه النقطة فيشير المفكر مالك بن نبي بأنّ رسالة المسلم بحاجة إلى منهج عملي يقتضي التغيير خصوصا وأنه يمتلك مجموعه من الوسائل والطرق العملية لتطبيقها لتقوم بمهمتها ألا وهي الانقاذ ومواجهة حالة الطوارئ التي تخص المسلم بدرجة أولى والإنسانية بصفة عامة، وذلك من خلال تحقيق المسلم لثلاث شروط بصفة فردية تتمثل في:
– أولا: بمعرفة نفسه وثقته بها وأداركها ادراك سليما وصحيحا
– ثانيا: بمعرفة الآخرين بحيث لا يتعالى عليهم ولا يتجاهلهم ولا ان يتسامى عليهم ؛ وعليه كذلك ان يعلم ما في نفوس الاخرين من أجل معرفة الكيفية التي يتصرف بها معهم بصفة حكيمة من ناحية ومن ناحية أخرى لاتقاء شرهم عن معرفة وإدراك لكلّ معطيات نفوسهم وإما لتبليغهم إشراق الإسلام واشراق الهداية الاسلامية.

– ثالثا: أن يُعَرَّف الآخرين بنفسه:
وذلك بالصورة المحببة التي أجريت عليها كل عمليات التغيير بعد التنقية والتصفية من رواسب القابلية للإستعمار والتخلف وأصناف التقهقر والتأخر وذلك من أجل تقديم صورة مقبولة بوصفها عينة من العينات البشرية التي يصنعها الإسلام وعدم كشف عورته التي لا تمكنه من تبليغ رسالته وإشعاعه، وبالتالي على المسلم أن يعرف نفسه بالتدقيق وأن لا يغالط نفسه في معرفة نفسه وأن يعرف نفوس الآخرين من دون كبرياء وتعال وبكلّ أخوة وصدق واخلاص ومحبة لوجه الله حتى تصل اليهم عن طريق هذه المحبة وعلى جسرها حرارة الإسلام ووحيه، وكل ما يناط بمفهوم التغيير لإنقاذ المسلم من كساده وانقاذ الإنسان المتحضر من استهتاره عن طريق معرفته لكيفية ارتباط العمل بوسائله ومعانيه حيث يستمد معاييره من واقع الوسط الاجتماعي، وما يشتمل عليه من إمكانيات، فيصوغ مقياسا نظريا يستنتج به نتائج من مقدمات محددة وفقا لوسائل معينة، لاستخراج أقصى ما يمكن من الفائدة المرجوة وذلك باعتماده اعتمادا كليا على المنطق العملي في حياته، وذلك لوجود العقل المجرد وتوفره في بلادنا، في المقابل فإنّ العقل التطبيقي الذي يتكون في جوهره من الإرادة والانتباه فشيء يكاد يكون معدوما.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com